بين يدي المرجع: الليلة السادسة




 

 

سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي: إذا طلب زيد مثلاً من عمّار أن يعمل له بدون أن يقصد إعطائه الأجرة, وبعد انتهاء العمل طالب عمّار بالأجرة, فهل يكون الأخير مستحقّاً للأجرة؟

أجاب سماحته: علينا أن نعرف أن ظهور ذلك الفعل والعمل في أيّ شيء, لأنه وكما أشرنا إليه في الليالي السابقة, أن الفعل إذا كان له ظهوراً فسيكون معتبراً, كما إذا كان للفظ ظهوراً. فالذي يكلّف غيره بعمل تحتسب له الأجرة عرفاً, هذا التكليف سيسبّب أن يضمن زيد (وهو طالب العمل) الأجرة لعمّار (العامل), إلاّ إذا كان عمل عمّار له ظهور في التبرّع ولا ربط له بقصد زيد الذي كلّف عمّار بالعمل.

إذن يلاحظ العمل والعامل معاً. ولكن بالنتيجة إن عمل كل إنسان هو عمل محترم, حتى غير المسلم, وعليه فإن (يبذل المال بإزائه وعدم البذل بإزاء هذا العمل) يحتاج إلى دليل, وهو: إما أن يكون قصد العامل التبرّع, أو أن لا يكون للعمل ظهوراً في ما له الأجرة.

خلاصة القول: متى ما كان هناك تسبيب فهناك الضامن أيضاً, لأن التسبيب تعامل عقلائي يقبله العقلاء, ولم يرد دليل على خلافه, ويكفي هذا المقدار للإمضاء الشرعي.

ثم طرح أحد الفضلاء السؤال التالي: إذا برّأ الدائن المديون قلباً (أي برّأه بقلبه) ولكن لم يصرّح بذلك ولم يظهره ولم يخبر به حتى المديون, فهل تبرأ ذمّة الأخير؟

قال المرجع الشيرازي في الجواب على ذلك: إذا عدّ العرف هذا النوع من الإبراء بأنه إبراء فلا إشكال فيه, ولكن ليس معلوماً عرفاً أن هذا المقدار من النيّة يكون إبراء.

يعني ان المشكلة في الصغرى بأنه هل تكون محقّقة صغرى هو الإبراء, أم لا؟ وإلاّ إذا تحقّق الإبراء, فسيتحقّق إبراء الذمّة للمديون.

وسأل أحد الفضلاء: ما معنى قول: (الاستصحاب, أصل محرز)؟

قال سماحته: يعني حاكم على بقية الأصول, ويقول لسان حاله: موضوعاً لا يوجد شكّ. وأمّا قول البعض: (يعني له الكاشفية) ليس تامّاً, لأن الاستصحاب أصل لا إمارة.

ثم أضاف سماحته: مع ان بعض الفقهاء قد صرّحوا بأن الاستصحاب إمارة, كما انه بالسبة إلى قاعدة التجاوز والفراغ قال بعض الفقهاء بأنه إمارة كالشيخ حسن كاشف الغطاء (صاحب كتاب أنوار الفقاهة وهو كتاب جيّد وفيه نقاط مهمة حول عشرات الموارد, لا توجد في الجواهر, كما ان الجواهر يحوي على نقاط مهمة لا نجدها في أنوار الفقاهة, ولذلك بين هذين الكتابين القيّمين عموم من وجه). فالشيخ حسن كاشف الغطاء وتبعاً لأبيه يعتبر قاعدة الفراغ والتجاوز إمارة ودليله تعبير نجده في الرواية التالية: (عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أستتم قائماً, فلا أدري أركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلاتك). حيث قال: هذا التعبير له ظهور في الوجود التعبّدي.

ثم بحث أحد الفضلاء مع سماحة المرجع الشيرازي بعض مسائل قوانين المرور, فسأل قائلاً: إذا لم يراعي سائق السيارة قوانين المرور, كأن لا يبالي بالضوء الأحمر الذي يوجب التوقّف, فيسبب عدم وقوفه اصطدام بعض السيارات ببعضها, فهل يكون السائق ضامناً؟

أجاب سماحته: إذا عدّ العرف ذلك تسبيباً, نعم يكون ضامناً. علماً بأنه قد قال الفقهاء في المئات من الموارد التي لا دليل خاص لها, أنه: ضامن لأنه هنا يصدق التسبيب عرفاً, والضمان مبتنياً على التسبيب, وإلاّ فإن كل القوانين, عدا قانون الله تعالى, لا اعتبار لها, لأنه «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ».

ثم سأل آخر: شخص رأس سنته الخمسية غرّة شهر رمضان المبارك, ولم يستلم راتبه عن شهري رجب وشعبان بسبب عدم توفّر المال عند صاحب المعمل أو الورشة أو الشركة التي يعمل فيها. ولكن استلم راتبه عن الأشهر رجب وشعبان وشهر رمضان بعد انتهاء شهر الصيام دفعة واحدة. فهل يعتبر راتب شهري رجب وشعبان من أرباح السنة الحالية ويجب خمسها, أو أنه من أرباح السنة التالية؟

قال سماحته: إذا كان مستحقّاً لهذه الرواتب وكان يطلب صاحب العمل, فهي من أرباح السنة الحالية, وإذا لم يكن مستحقّاً لها ولم تكن من طلبه, عندها ستكون مسألة عرفية وهي: إذا عدّها العرف من أرباح السنة التالية فلا خمس عليها, كما قال بذلك بعض الفقهاء كالسيد الحكيم, والميرزا عبد الهادي, والمرحوم الوالد, والمرحوم أخي.

وسأل أحد الفضلاء: إذا شكّ الإنسان بإحدى ملابسه بأنه قد استعملها أو لا, فهل عليه أن يدفع خمسها في رأس سنته الخمسية؟

قال سماحته: لا شكّ بأنه يجب الخمس في ذلك. لأن ما يستنبط من أدلة الخمس هو أنه بمجرد حصول الإنسان على الملابس, فإنه يتعلّق بها الخمس, لأن الرواية الشريفة تقول: «هي والله الإفادة يوما بيوم», وفي رواية اخرى: «ما أفاد الناس من قليل أو كثير», وفي رواية أيضاً: «الخياط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».

إذن يتعلّق بها الخمس, ولكنها مقيّدة بقيدين: الأول: هذا الوجوب (وجوب الخمس) موسّع إلى رأس السنة الخمسية, وعند حلول رأس السنة يصبح الوجوب مضيّقاً وفورياً.

القيد الثاني: إذا أصبحت الملابس, أو أيّ شيء آخر حصل عليه, من المؤونة فيسقط عنها الخمس. (الخمس بعد المؤونة).

وأضاف سماحته قائلاً: لذلك إذا شكّ بأن هذا الشيء مؤونة أو لا, لجهة يقينه بتعلّق الخمس به, فالأصل هو بقاء الخمس. وذلك لأنه يجب أن يكون مسقط الخمس وهي المؤونة, محرزة.

وعقّب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بقوله: المسألة التي مرّت هي مثل ونظير المسألة التالية: إذا شكّ الإنسان بأن الثوب أو الملابس الكذائية هي في شأنه أو لا, كأن يعلم هو بأن من شأنه ارتداء العباءة التي سعرها 20 ألف ديناراً, وأما التي سعرها 50 ألف ديناراً فهي زائدة على شأنه, ولكنه يشكّ هل في شأنه ارتداء العباءة التي سعرها 30 ألف ديناراً أو لا؟ هنا عليه أن يدفع خمس عشرة آلاف دينار.

 


arabic.shirazi.ir