بين يدي المرجع: الليلة الرابعة عشرة




 

 

في مجلس هذه الليلة كان أوّل سؤال وجّه للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, أنه سأل أحد الفضلاء, بقوله: ما حكم صيام شخص كان يغتسل غسل الجنابة فأذّن المؤذّن للصبح؟

أجاب سماحته: الإصباح جنباً, والدخول إلى الصباح في حال الجنابة إن كان عن عمد فهو مبطل للصوم. إذا لم يك يحتمل حلول أذان الصبح, واعتماداً على الاستصحاب, أجنب ثم انشغل بالغسل, فغسله صحيح وكذلك صيامه. طبعاً شرط أن يكون اعتماده على الاستصحاب بعد الفحص عن وجود متّسع من الوقت وحصول الشكّ, لأن الأصول الترخيصية, ومنها الاستصحاب, لا تجري بدون الفحص. وإن كان بلا اهتمام ولم يفحص بأنه كم بقي من الوقت لحلول الأذان, فيقول الفقهاء: فعل المفطر جائز, وإن علم بأنه قد حل أذان الصبح فليزمه القضاء فقط. والمسألة نفسها ذكرها صاحب العروة وقال: لا يلزم الفحص. ويعني: لا يلزم عليه الفحص لكي يعلم بأنه هل حلّ الفجر أم لا, ويستصحب. ولكن بعض المحشّين قالوا بلزوم الفحص. ويبدو أن كلام المحشّين هو الصحيح.

وسأل آخر: هل عند الشكّ في الإطلاق, تجري أصالة الإطلاق أم أصالة عدم الإطلاق؟

قال سماحته: إذا كان الشكّ في الإطلاق, شكّ في الظهور العرفي, أي نشكّ بأنه هل ان المتفاهم اللفظي العرفي من هذا اللفظ هو إطلاق أو لا؟ فتجري أصالة عدم الإطلاق. وأما إذا كان الشكّ في المراد, يعني يكون الظهور في الإطلاق ولكن يشكّ بأنه: هل الظهور هو المراد أم لا؟ فتجري أصالة الإطلاق. ويمكن أن يختلف استظهار فقيه عن فقيه آخر, فالخلاف بين الفقهاء هو لأجل الاختلاف في الاستظهار. فمثلاً في قوله تعالى: «فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ» يقول المرحوم الشيخ الطوسي, وهو فقيه أصولي مدقّق: الآية فيها إطلاق, وتشمل موضع العضّ أيضاً. ولكن قال الكثير من الفقهاء: من هذه الجهة لا إطلاق فيها.

بالنتيجة إذا وصلت النوبة إلى الاستظهار انقطع الاستدلال.

ثم قال سماحته: قال صاحب القوانين في (القوانين): الفقيه متّهم في حدسه. لأنه توجد مطالب مختلفة في ذهنه, ولهذا السبب لا يمكن أن يكون حدسه دقيقاً.

لكن قال المرحوم والدي: بالعكس, الفقيه معتمد في حدسه. لجهة أن الفقيه بالنتيجة رأى مطالب مختلفة, وموجودة في ذهنه, وإثر هذه المطالب سيكون استنباطه وحدسه أدق. وهكذا يبدو.

بعد ذلك طرح سماحة المرجع الشيرازي مسألة وقال: توجد مسألة يتكرّر الحديث والبحث عنها كثيراً, وكانت تطرح للبحث والسؤال في السابق وحالياً أيضاً, وهي: إذا كان للشخص رأس سنة خمسية, واشترى كفن من الربح الذي حصل عليه في وسط السنة, وبقى إلى رأس السنة الخمسية, فهل عليه أن يدفع خمس الكفن في رأس سنته الخمسية؟ هذا أوّلاً. وثانياً: إذا مات صاحب الكفن في السنة نفسها ولم يحتاج إلى الكفن, فهل يجب دفع خمس الكفن من أموال الشخص أم لا؟

فأجاب سماحته على المسألة وفرعيها, بقوله: بالنسبة للفرع الأول أقول: عليه أن يدفع خمسه, لأن الكفن لم يصير من مؤونة السنة, ويقول الدليل: (الخمس بعد المؤونة). وأما جواب الفرع الثاني, فهو: يبدو وطبقاً لمقتضى الدليل (الخمس بعد المؤونة) أنه لا خمس عليه, لأنه بوفاة الشخص سيكون الكفن الذي اشتراه في وسط السنة, سيكون مؤونة وتحصل له الفعلية, فلذا لا خمس عليه. وكذلك بالنسبة لكل ما يُهيّأ للميت من المستحبّات كالعقيق الذي يوضع تحت لسان الميت ونحو ذلك. ولكن مقتضى إطلاق عبارات بعض الفقهاء تقول: حتى إن توفي في السنة نفسها فيجب دفع خمسه من أمواله.

يقول صاحب الجواهر في رسالته (مجمع الرسائل) التي علّق عليها وكتب حاشية كبار الفقهاء كالشيخ الأنصاري, والميرزا المجدّد، والآخوند، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا النائيني، وآقا ضياء العراقي، وميرزا محمد تقي الشيرازي والشيخ عبد الكريم الحائري, هكذا يقول: المسألة 1640: إذا اشترى الشخص كفن من ربح عمله, فعليه أن يدفع خمسه. ولكن لم يعلّق على هذه المسألة أيّ من الفقهاء الثمانية وقبلوا بها.

إذن: عبارة صاحب الجواهر لها إطلاق, وتشمل هذا الأمر وهو أنه حتى إذا مات الشخص في السنة نفسها ولم يحتاج إلى الكفن.

وأضاف سماحته: إنّ وجه الإطلاق وشمول الخمس بالنسبة للفرع الثاني من المسألة لجهة أنه عندما يرحل الإنسان عن الدنيا فإن رأس سنته الخمسية (وإن لم يحلّ وقتها) تصبح حالّ, ويجب على الورثة أن يدفعوا من أموال المتوفى خمس ما يتيقّنون بأنها من أرباح السنة أو أنها اشتريت من أرباح السنة. وهذا هو مقتضى الأدلّة الأخرى أيضاً بأن الخمس يتعلّق في كل ما يحصل عليه الإنسان. مثل: «هي والله الافادة يوماً بيوم». ولذا فإن الأموال التي اشترى بها الكفن في وسط سنته الخمسية كان الخمس متعلّقاً بها, وبموته تحلّ رأس سنته الخمسية, فيجب دفع خمس الكفن من أموال المتوفى, وإذا حصل شكّ بأن الخمس بعد المؤونة فسيشمل هذا الكفن ويحتسب مؤونة فلا يتعلّق به الخمس. وقالوا بأن شرط المؤونة هي الفعلية, وبقاء الشخص حيّاً يعني أنه لم يبلغ الفعلية, وبوفاته تحلّ رأس سنته الخمسية ويكون الخمس واجب. وكذلك إذا حصل الشكّ في أن المراد من المؤونة هو: مؤونة الدنيا فقط أم مؤونة الآخرة أيضاً, فالقدر المتيقّن أنها مؤونة الدنيا, والكفن مؤونة الآخرة.

وعقّب سماحته بقوله: إنّ الفقهاء الذين قالوا: (حتى إن مات في السنة نفسها فيجب أن يدفعوا خمسه من أموال المتوفى), فلعله استنبطوا المطلب نفسه, ولم يستنبطوا أن الكفن من مؤونة الدنيا, بل كان في رأيهم أنه مؤونة الآخرة, ولم تحصل له الفعلية.

هنا قال أحد الفضلاء: إن شراء الكفن مستحبّ, ولذا يوجب أن يكون مؤونة حتى إن مات صاحب الكفن بعد عدّة سنوات.

فقال سماحة المرجع الشيرازي: إنّ استحباب شراء الكفن لا يوجب بأن يصدق (عرفاً) عليه مؤونة فعلية, والحال أنه يجب أن يصدق (عرفاً) عليه مؤونة فعلية كي يسقط عنه الخمس. وبالطبع إضافة إلى قيدين: الأول: أن يكون في حدود شأنه, والثاني: أن لا يصرف في الحرام. فإذا اجتمع القيود الثلاثة التالية: الأول: أن يكون مؤونة فعلية. والثاني: أن يكون في حدود شأنه. والثالث: وأن لا يصرف في الحرام, فلا خمس عليه, كما يستنبط من الأدلّة, وبه قال الفقهاء, وهو قول حسن.

وهنا طرح سماحته مسألة اخرى أيضاً, وقال: المسألة التالية هي مسألة يتكرّر الحديث عنها أيضاً, واختلفت فتاوى الفقهاء حولها, وهي: إذا اشترى كفن, وبقى الشخص حيّاً عدّة سنوات, وارتفع سعر الكفن, فهل عليه أن يدفع خمس ما زاد على سعره؟ فالمستفاد من أدلّة الخمس بأن موضوع الخمس هو: الفائدة, والفائدة لها إطلاق, وتشمل ارتفاع الأسعار أيضاً, ولا يلزم أن يكون أنه قصد التجارة. وقال بعض الفقهاء: إذا لم يقصد التجارة فلا خمس عليه, ولكن لا يوجد هذا القيد في الأدلّة. فما يستنبط من الأدلّة هو: أن كل شيء يصدق عليه الفائدة عرفاً فيجب دفع خمسه. ولذا وإضافة إلى العين, هناك ثلاثة أشياء يتعلّق فيها الخمس, وهي: الأول: الزيادة المتّصلة. والثاني: الزيادة المنفصلة. والثالث: ارتفاع الأسعار. لأنه يصدق عرفاً على هذه الأشياء الثلاثة الفائدة.

ثم سأل أحد الفضلاء وقال: إذا أوصى الشخص بأنه: إذا مت فكفّنوني بهذا الكفن (وعيّنه لهم), ولكن لم يعثروا على هذا الكفن حين وفاة الشخص, فكفّنوه بكفن آخر, وبعد دفنه بمدّة عثروا على الكفن الذي عيّنه لهم, فما هو تكلفيهم؟

أجاب سماحته بقوله: الواجب هو تنفيذ وصيّة الميّت, فينبشوا قبره ويكفّنونه بالكفن الذي عيّنه, إلاّ إذا تزاحم مع حرام أهم وهو انتهاك حرمة المؤمن. يعني إذا رأوا, أو حتى إذا احتملوا, بأن نبش القبر سيوجب انتهاك حرمة الميّت, فلا يجوز.

وعقّب أحد الفضلاء على ذلك, بسؤاله: إذا لم يوصي بأن يكفّن بالكفن المعيّن, ولكنه كان قد اشترى كفن لكي يكفّنونه به إذا توفّي, ولكن عند وفاته لم يعثروا على الكفن, وكفّنوه بكفن آخر, وبعدها عثروا على الكفن الأول, فهنا ماذا يتوجّب عليهم؟

أجاب سماحته بقوله: هذا يبتنى على ما يلي: هل الوصيّة العملية وغير المكتوبة والتي قيلت باللسان تعتبر وصية أم لا؟ فإذا اعتبرت وصيّة فلها حكم المسألة السابقة, أي: تكون واجبة التنفيذ وينبشوا القبر مادام أنه لم يؤدّي إلى انتهاك حرمة الميّت. وإذا لم تعتبر وصيّة, فلا يعمل بتنفيذها. ولا شكّ أنه يجب التأمّل في أن الوصيّة العملية هل هي وصيّة, وهل لها أحكام الوصيّة القولية والمكتوبة أم لا؟

 


s-alshirazi.com