السيد المرجع يؤكّد: للمرأة الدور البالغ والمؤثّر في الهداية والإصلاح




 

 

قام جمع من الأخوات الناشطات في المجال الديني والثقافي والإرشادي ـ كالسنوات السابقة ـ بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة، مساء يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك 1433للهجرة، واستمعن إلى توجيهات سماحته القيّمة.

في مستهلّ كلمته قدّم سماحته تعازيه بمناسبة ذكرى استشهاد إمام المتّقين ومولى الموحّدين مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، ودعا الله تبارك وتعالى أن يتقبّل أعمال المؤمنين الذين أحيوا أمر أهل البيت صلوات الله عليهم, وعظّموا الشعائر الحيدرية والحسينية المقدّستين، وأن تحظى أعمالهم بالقبول عند مولانا رسول الله وآله الطاهرين، وأن تشملهم رعاية مولانا المفدّى وليّ الله الأعظم الإمام المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وقال:

ذكر الكافي الشريف أن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في آخر لحظات عمره الشريف أوصى بوصايا قيّمة وثمينة، ثم لم يزل يقول: «لا إله إلا الله» حتى قضى نحبه. وكان مما أوصى به صلوات الله عليه، أنه قال: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّي عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم».

وبيّن سماحته بقوله: يجب علينا جميعاً، رجالاً ونساءً، أن نسعى إلى الامتثال والعمل بوصايا مولانا الإمام عليّ صلوات الله عليه، بالأخص الوصية التي مرّ ذكرها، في كل الأحوال والظروف، بالخصوص في هذه الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، مع التزامنا بحسن الخلق أيضاً، وبالصبر والتحمّل، وأن نسعى فى ليلة القدر الأخيرة (الليلة الثالثة) على العمل بهذه المسؤولية (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وأن نعدّ أنفسنا بأننا من المكلّفين بالعمل بها.

وقال سماحته: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسؤولية النساء والرجال، ولعل النساء أكثر توفيقاً في العمل بهذه المسؤولية، وهذه المسؤولية، بحاجة إلى أمر واحد فقط، ألا وهو العزم والتصميم بجدّ.

وأضاف سماحته مخاطباً المؤمنين والمؤمنات كافّة: حذار من أن تمارسوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحدّة وغلظة وبأخلاق سيّئة، حيث ينهى الإسلام عن النهي عن المنكر بمنكر آخر، فالخُلق السيئ هو المنكر وغير حسن، وله نتيجة معكوسة. وأما العمل القيّم والثمين فهو الصدّ عن السوء بالسلوك الخلقي الرفيع، ودعوة الآخرين بإحسان.

وحول مقام المرأة ودورها في المجتمع قال سماحته: إن قيمة المرأة وعظمتها تكمن في أن تكون بمثابة نبراس ومشعل هداية في بيتها ولأرحامها وأقاربها، كي يهتدوا إلى النور. فالمرأة قادرة وجديرة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو إلى الإحسان حتى في أحلك الظروف وأصعبها، وليس في الظروف السهلة أو العادية فحسب، ومن يتصوّر عكس ذلك فتصّوره خطأ.

وقال سماحته: أنتنّ أيتها الحاضرات، وكل من يسمع كلامي، أو سيسمعه بعد ذلك، يجدر بكنّ أن تراجعوا التاريخ لتعرفوا دور المرأة وأثر إرشاداتها وممارستها الهداية وسط من كانت تعيش بينهم. وعلى سبيل المثال: زهير بن القين وتأثير زوجته عليه. فزهير بن القين عليه السلام مع أنه كان حسن المنشأ وكان ذو شخصية سليمة، لكنه كان عثمانيّ الهوى والمذهب والعقيدة، حيث كان يعتقد أن عثمان قتل مظلوماً، وأن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو سبب قتل عثمان. وهذا التعريف إن كان صحيحاً بالنسبة لزهير، فهذا يعني أن زهير كان ناصبياً ومعادياً للإمام عليّ صلوات الله عليه. وقد اتفق أن مسير زهير من الحجاز إلى العراق كان مرافقاً (زماناً ومكاناً) لمسير الإمام الحسين صلوات الله عليه وأهل بيته نحو كربلاء. ولكن كان زهير لا ينزل في المنزل الذي كان الإمام الحسين صلوات الله عليه ينزل فيه في مسيره، لكي لا يلتقي بالإمام سيد الشهداء صلوات الله عليه. وبقي زهير على هذه الحالة إلى يوم عاشوراء. وخلال مسيره اضطر زهير على النزول في المنزل الذي نزل فيه الإمام الحسين صلوات الله عليه، حيث لم يكن في تلك المنطقة منزل غيره. فدعاه الإمام الحسين سلام الله عليه إليه. فتردّد زهير في الذهاب إلى الإمام، ولعله كان سبب تردّده هو مراعاته لحال من رافقه في مسيره حيث كان بعضهم من النواصب، أو أن مرافقوه كانوا يثنونه على الذهاب إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه. ولذا أخذ زهير يفكّر ولم يعطي الجواب لرسول الإمام الحسين صلوات الله عليه. وفي هذه الأثناء نادته زوجته وقالت له: يا زهير يدعوك ابن رسول الله، وأنت لا تجيبه، فقم إليه وانظر ماذا يريد منك.

وعقّب سماحته قائلاً: المهم في هذه القصّة أن زوجة زهير أظهرت دورها وقيمتها، واستطاعت بتضحيتها ونصيحتها الحسنة أن تغيّر زهير بن القين وتجعله من الأصحاب الأوفياء والمضحّين لمولانا الإمام سيّد الشهداء صلوات الله عليه، بل صار من أصحاب الدرجات الرفيعة الذين صدق عليهم قول الإمام الحسين صلوات الله عليه: «ما رأيت أصحاباً أوفي من أصحابي». هذا أولاً.

ثانياً: كان زهير عثماني الهوى، قبل عاشوراء، لكنه بالتحاقه بركب الإمام الحسين صلوات الله عليه، صار من جملة شهداء كربلاء الذين يخاطبهم, وبإخلاص, يومياً الملايين من المتّقين والمؤمنين والعلماء الكبار، والعبّاد، والزهّاد, وعامة الناس، رجالاً ونساء، بقولهم: «بأبي أنتم وأمّي». فببركة تضحية وتشجيع زوجته, نال زهير هذا المقام الرفيع جدّاً.

وبهذا الصدد قال سماحته أيضاً: ونموذج آخر، هو وهب واُمّه اللذين كانا مسيحيين. وبناء على ما نقله العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، أن وهب وأمّه أسلما على يد الإمام الحسين صلوات الله عليه. فوهب الذي صار في عداد شهداء عاشوراء، نزل إلى ساحة الحرب لقتال أعداء مولانا سيّد الشهداء صلوات الله عليه بتشجيع من امّه، وقاتل، ثم رجع إلى امّه وقال لها: أيرضيك هذا؟ فقالت له امّه: لا أرضى عنك حتى تنال الشهادة في نصرة الإمام الحسين صلوات الله عليه. ومثل هذه الملحمة صنعتها الهمّة العالية والتضحية لتلك المرأة المؤمنة، ألا وهي امّ وهب.

وأردف سماحته: إن المرأة, في مقام الأمّ، قادرة, في كل الظروف والأحوال, على أن تنجّي أبنائها وتوصلهم إلى الفلاح، وليس في ظروف الحرب فقط، ولكن هذا الأمر يستلزم التصميم بجدّ، وهو ما يجب أن تعمل عليه المرأة في هذا الشهر المبارك. ولا شكّ أن هذا العمل يصاحبه المشاكل. فمثلاً الاُمّ التي أرسلت ولدها إلى قتال أعداء الإمام الحسين صلوات الله عليه، ولم ترضى إلاّ باستشهاد ولدها في ركاب ونصرة الإمام، هي في الحقيقة دفعت ولدها إلى نيل المقام الرفيع والعظيم. وهذا رهين أعمال ومساعي الأم، حيث نالت بذلك مقام العزّة والشرف عند مولاتنا الزهراء صلوات الله عليها.

وذكر سماحته شواهد اخرى من التاريخ في تبيين دور النساء في هداية المجتمع، وقال: كان زرارة وحمران وبُكير، وهم أبناء أعين، من المنحرفين عن أهل البيت صلوات الله عليهم ومن البعيدين عنهم. وكانت لهم اخت اتّبعت أهل البيت وصارت من المعتقدين بهم صلوات الله عليهم. وهذه الأخت، وفي ظل ظروف القمع الصعبة التي أطبقت سيطرتها على الناس بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه، لمدّة طويلة، استطاعت بحوارات عديدة ومباحثات كثيرة وطويلة أن تهدي إخوانها إلى المذهب الحقّ، وهو مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم، واحداً تلو الآخر. فهذه المرأة بمساعيها وهمّتها العالية صارت سبباً في أن يكون أبناء وأحفاد إخوانها الثلاثة أيضاً من رواة أحاديث مولانا الإمام الباقر وبعده من الأئمة صلوات الله عليهم. والأحاديث التي نقلها إخوانها تعدّ بالآلاف.

وقال سماحته: إنّ همّة تلك المرأة، كأخت، صارت السبب في أن يكون إخوانها وأبنائهم وأحفادهم من أصحاب الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم إلى زمن إمامة الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه، بل إلى زمن الغيبة الشريفة لمولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

وشدّد سماحته مخاطباً الحاضرات: أنتنّ أيّتها السيدات، وغيركنّ، سواء كنتنّ في مقام الزوجة أو الأم أو الأخت، وفي كل الظروف، قادرات على أن تكوننّ مشعل الهداية في بيوتكنّ وبين أرحامكنّ وفي المجتمع. وهذا، وكما ذكرت آنفاً، يلزم أمرين، وهما: العقيدة الصحيحة، والخلق الحسن. فللوصول إلى هذا الهدف وهذه الغاية عليكنّ أن تعزمن عليه في هذه الأيام النورانية للشهر المبارك، وعليكنّ أن تزيدنّ من قوّة ورسوخ وثبات عقائدكنّ بأهل البيت صلوات الله عليهم عبر المطالعة والمباحثة.

كما عليكنّ أن تعلمن بأنه يجب أن تأخذن العقائد الصحيحة والسليمة من معارف أهل البيت صلوات الله عليهم الذين هم عدل القرآن، ولا تأخذن ذلك من المتلبّسين باسم الإسلام الذين يعملون بخلاف الإسلام وبخلاف عقائده.

اعلمن أنه بأخذكنّ العقائد السليمة المستمدة والنابعة من معارف أهل البيت صلوات الله عليهم، تقدرن علي التأثير علي الرجال من عوائلكنّ وأرحامكنّ. ولا يخفي أن تأثيركنّ علي أقرانكنّ من النساء هو أكثر من تأثيركنّ على الرجال.

وأضاف سماحته: وهناك أمر آخر لا تغفلن عنه وهي الأخلاق الحسنة، فممارسة الهداية بخلق حسن لها أثر كبير جدّاً، فهذا الاسلوب من الهداية يجذب الطرف المقابل. وأما إذا كان ممارسة الهداية مصحوباً بالغلظة وسوء الخلق وبحدّة، فسيكون مدعاة في فرار الطرف المقابل والآخرين عنكنّ دائماً.

في ختام كلمته القيمة أشار سماحة المرجع الشيرازي إلى مسؤولية النساء في مجال إدارة أعمال البيت، حيث ان بعضها تكون واجبة وبعضها مستحبّة، وأكّد بقوله دام ظله: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان مما أوصى به مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في اللحظات الأخيرة من حياته الدنيوية.

إذن يجدر بكنّ أن تمتثلن وتعملن بهذه الوصية من الإمام صلوات الله عليه عبر العقيدة السليمة والصحيحة وعبر الأخلاق الحسنة.

أسأل الله تبارك وتعالى، ببركة شهر رمضان المبارك، أن يمنّ عليكنّ أنتن أيّتها السيّدات بالتوفيق أكثر وأكثر. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 


s-alshirazi.com