بين يدي المرجع: الليلة الخامسة والعشرون




 

 

من المواضيع التي بحثها السادة الفضلاء مع سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, في جلسة هذه الليلة, أنه:

سأل أحد الفضلاء: إذا سافرت المرأة مع زوجها وقصدت الإقامة عشرة أيام, وحصل لها عذر شرعي في أول أو وسط أو آخر العشرة التي قصدتها للإقامة بحيث لا يمكنها أن تصلّي. ثم ارتفع العذر, فهل عليها أن تصلّي تماماً؟ وهل يجب عليها الصيام إن صادف ذلك في شهر رمضان المبارك؟

أجاب سماحته: إنّ معنى نيّة وقصد الإقامة هو: أن يبني الشخص أمره على الإقامة عشرة أيام, وهنا لافرق في أن حصل له عذر يمنعه عن الصلاة والصيام, في أول العشرة أو وسطها أو آخرها. فليس وجود العذر المانع عن الصلاة والصيام هو الملاك, بل الملاك هو أن يكون مصمّماً على الإقامة والبقاء عشرة أيام أو أكثر. ولذا إذا لم يك يعلم بأنه سيبقى عشرة أيام فعليه أن يقصر في الصلاة وأن يفطر. وبالنسبة للمرأة التي تسافر مع زوجها فصلاتها تماماً أو قصراً, وكذلك صومها وإفطارها تابع لعزمها هي. ولذا إذا قصد زوجها الإقامة عشرة أيام, ولم تقصد هي (أي المرأة) الإقامة عشرة أيام, وكانت عندها نيّة بأن تقنع زوجها على عدم البقاء أكثر من اسبوع, وكان تحتمل أن زوجها سيرضى ويقبل بقولها إذا طلبت منه ذلك ويرجع بعد اسبوع, ففي هذه الحالة على هذه المرأة أن تقصر في الصلاة ولا تصوم.

إذن فالملاك هو أن يكون الشخص مصمّماً من قبل وعازماً على البقاء عشرة أيام وأن لا يكون عنده أيّ تردد, حتى إن كان عنده عذر يمنعه عن الصلاة والصيام, في أول العشرة أو وسطها أو آخرها. بلى إن حصل بعد ذلك عذر بحيث لا يمكنه البقاء عشرة أيام, ويضطر للرجوع قبل العشرة, ففي هذه الحالة إذا كان قد صلّى صلاة رباعية وحصل له الاضطرار بالرجوع إلى بلدته قبل العشرة أو بأن ينصرف عن البقاء عشرة أيام, فعليه أن يصلّي تماماً ويصوم في طول فترة بقائه في السفر. وأما إذا حصل له الانصراف قبل أن يصلّي صلاة أربع ركعات أو حصل له عذر يوجب له الرجوع, فيصلّي قصراً ولا يصوم.

وسأل آخر: هل أداء الصلاة الرباعية لها خصوصية, أو أن الملاك في أن يعمل بمسؤوليته في الإتمام أو ـ مثلاً ـ ويصوم؟

قال سماحته: هذه مسألة معقّدة, ومحلّ خلاف أيضاً, لأن بعض الفقهاء قالوا: الصلاة الرباعية لها خصوصية, لأنه في الروايات هناك تقييد بالرباعية. وقال بعض الفقهاء: الملاك هو أن يعمل بمسؤوليته في الإتمام حتى إن لم يصلّي أربع ركعات. ويكون هذا أذا حصل للفقيه اليقين في الخصوصية أو عدم الخصوصية. وأما إذا شكّ, فسيكون عدم الخصوصية بحاجة إلى إحراز, والأصل هو أن للرباعية خصوصية.

ثم سأل أحد من الفضلاء: ذكرت الروايات اللعن بالنسبة لبعض الأعمال, ولكن قال الفقهاء: ذلك العمل (الذي ذكرت الروايات اللعن له) مكروه. فما سبب ذلك؟

قال سماحته: معنى اللعن: هو البعد عن رحمة الله, وهذا البعد هو على درجات, ولا يكون ملازماً للحرمة دائماً. وفي العمل المكروه يكون البُعد عن رحمة الله, ولكن درجته أقلّ أو أخفّ.

وأضاف سماحته: لا يخفى أن أكثر المكروهات, لجهة أن دليلها هو القصور, وأنها غير كافية على أن توصل الحكم الإلزامي إلى الحرمة, فلتلك الجهة حملت على الكراهة.

بعدها سأل آخر, وقال: بالنسبة للطفل الذي لم يبلغ الحلم وعنده أموال, هل يجب على وليّه أن يدفع عنه (عن الطفل) الخمس؟

قال سماحته: إن ما يستنبط من دليل الخمس هو أنه: حكم وضعي يتعلّق حتى بأموال الطفل. وكذلك المستفاد من أدلّة الولاية هو أن: الوليّ عليه أن يعمل بكل الشؤون الشرعية للمولّى عليه (صبيّ أو مجنون), سواء كانت تلك الشؤون بصالح المولّى عليه أو بضرره. فمثلاً إذا أصاب المولّى عليه شخص أو طفل آخر بجروح أو أتلف مال شخص آخر, فهنا الوليّ هو الضامن في أن يجبر ذلك من أموال الصبّي المولّى عليه. وكما أنه يجب على الوليّ أن يدفع الظلم عن الصبّي, فكذلك دفع الخمس هو من شؤونه أيضاً. وعدا ما مرّ, هناك دليل آخر هو الحسبة, ويعني: على سبيل الكفاية دفع الظلم عن الصبي واجب على الناس, والأولية للوليّ الذي عيّنه الشارع. وهذا القول يمكن قوله بالنسبة للخمس أيضاً.

وسأل آخر: الأدعية الموجودة في الكتب المختلفة, لا نعلم هل أن سندها معتبر أو لا, وبعضها مرسلة, فهل يجوز لنا قراءتها؟

قال سماحته: قال صاحب الجواهر في بحث التسامح في أدلّة السنن, أو أنه نقل بأن: قاعدة التسامح في مقام اللااقتضائيات, حجّة. وإضافة إلى ذلك كان ظاهر سيرة المؤمنين هو أنهم كانوا يقرأون هذه الأدعية, ويكفي في اعتبارها عدم إشكال الفقهاء والأتقياء على هذه الأدعية التي اطّلعوا عليها ورأوها.

ثم قال سماحته أيضاً: قال المحقّق في المعتبر: إذا رأينا فقهاء الشافعية يقولون بشيء وينسبونه إلى الشافعي, فهذا كاشف عن أن هذا القول هو مما قاله الشافعي, حتى إن لم يصلنا من الشافعي مثل هذا القول. فليس الأمر هو في صدور المنجّز والمعذّر فقط, فلعله وصلهم عن طريق ما بأن للشافعي قد قال ذلك القول. وهنا يكون هذا علامة على قاعدة عرفية عقلائية, وتجري بالنسبة للجميع. ولذا إذا رأينا الفقهاء والمتديّنين قرأوا كل هذه الأدعية ولم يشكلوا عليها, فهذا يكفي, ولا يلزم الإحراز بأن هذه السيرة متّصلة بزمان المعصوم صلوات الله عليه.

ثم أردف سماحته بقوله: في كثير من غير هذه الموارد ـ وكذلك ما عمله الفقهاء ـ أنه تمّ الاستناد على السيرة, مع أنه لم يحرز بأن تلك السيرة متّصلة بزمان المعصوم صلوات الله عليه. ولكن وكما أشرنا إليه أن: هذا الاستناد كاشف عن هذا المعنى بأن هذه مسألة عقلائية أنه إذا رأينا أتباع رئيس ما, الملتزمون باتّباعه, بأنهم ملتزمين بعمل ما, ولكن لا نعلم هل أن رئيسهم هو قال بما يعملونه الآن أم لم يقل به, فهذا ـ عقلائياً ـ كاشف عن أن رئيسهم قال به. وهذا المطلب ينطبق على مورد الأدعية المشهورة التي وردت في كتب الأدعية. إلاّ إذا كان الدعاء ليس من الأدعية المشهورة, ففي هذه الحالة يسأل المقلّد من الفقيه: هل يقرأ ذلك الدعاء أم لا؟ فمثلاً إذا سأل: هل يمكن الاعتماد على كتاب مفاتيح الجنان, وقال الفقيه: نعم. فهذا يكفي. ويبدو أنه حتى إذا نقل ذلك الدعاء فقيه ثقة, كالعلاّمة المجلسي, في كتابه, فيكفي هذا المقدار لاعتبار ذلك الدعاء. بلى, لا يمكن الاستناد على هذه الأدعية في الأحكام الشرعية, لأن السيرة لها دلالة في هذا المقدار بأنهم كانوا يقرأون هذه الأدعية, ولكن لا توجد سيرة تبيّن أن الفقهاء كانوا يستندون إلى هذه الأدعية في الأحكام الشرعية, ولا دلالة على هذا المطلب أيضاً.

بعد ذلك سأل آخر, وقال: ما معنى هذا القول: «احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع», المذكور عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة؟ وما المراد منه؟

أجاب سماحته: معناه هو: احذروا من أن يوقع بكم الإنسان الكريم عليكم إذا جاع, واحذروا كذلك الإنسان اللئيم إذا شبع. ولا يخفى أن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه في مقام بيان حقيقة وواقعية خارجية, وأنه لم يقصد من قوله بأن هذا العمل صحيح وجائز. فمقصوده صلوات الله عليه, هو: خافوا من أن لا يصيبكم مكروه من الشخص الكريم إذا جاع وصار معوزّ, لأن ذاك الشخص كان يعطي للآخرين عندما كان متمكّناً, والآن ـ حيث فقد ما كان يملك ـ إذا لم ير الاهتمام من أحد تجاه ولم يعطيه المتموّلين شيئاً فسيسعى إلى الانتقام. والمؤيّد لهذا المعنى الشطر الثاني من قول الإمام صلوات الله عليه الذي قاله بحقّ اللئيم, بأن الأخير إذا أحسّ بالشبع يطغى ويسعى إلى الانتقام.

وسأل آخر: جاء في القرآن الكريم: «أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ». إنّ الله عزّ وجلّ كان يعلم بأن النبيّ عيسى لم يقل بذلك, فلماذا خاطبه بهذا الخطاب؟

قال سماحته: هذا الخطاب, وكما في الحديث الشريف, هو من باب: «إيّاك أعني واسمعي ياجارة», وهو ما مذكور في كتب البلاغة كالمطوّل والأطول أيضاً. فأحياناً لا يكون الشخص المخاطَب هو الغرض, بل لبيان أهميّة المطلب. لأن النصارى ادّعوا بأن النبيّ عيسى, على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام, قال: أنا ابن الله, وأنا إله. وقالوا بالأقانيم الثلاثة. ولذا فإنّ الله تعالى كي يحكم عليهم يوم القيامة بحكمه, ولإتمام الحجّة عليهم, خاطب عيسى عليه السلام بذاك الخطاب, كي يسمعه جميع النصارى. وليس الغرض هو معاتبة السيد المسيح عليه السلام. كما أن الله تبارك وتعالى خاطب, في القرآن الكريم, نبيّ الإسلام, وهو أشرف الأولين والآخرين, بقوله عزّ من قائل: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ». فمع انتفاء الاحتمال أساساً, بل من المستحيل أن يقول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله, مع وجود العصمة الكبرى عنده, مستحيل أن يقول قولاً وينسبه إلى الله تعالى. ولكن الله تبارك وتعالى ولأجل تبيين أهميّة أحكامه, هكذا خاطب النبيّ صلى الله عليه وآله, كي يعلم الآخرين وينتبهوا إلى أفعالهم, ويحذروا من فعل مثل هذا العمل الخطير.

 


s-alshirazi.com