
|
بيان مكتب سماحة المرجع الشيرازي بمناسبة العشرة الغديرية المباركة |
|
|
|
|
|
|
|
|
إنّ الغدير ليس حادثة مجرّدة أو منفصلة، بل هي ـ كما يراها المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله ـ ثقافة متّصلة ومتواصلة منذ العام العاشر الهجري وحتى يومنا هذا، بل لظهور مولانا قائم آل محمّد عجّل الله تعالى فرجه الشريف. كما يرى سماحته في الغدير مرآةً صافيةً تعكس عصارة المثل الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، ولوحة مشرقة المعالم والزوايا تعبّر عن المنهج الإسلامي الصحيح لتغلق الباب بوجه أي تسلّط واستعباد للشعوب. يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله حول أهمية وضرورة تعظيم ذكرى عيد الغدير الأغرّ وإحياء العشرة الغديرية المباركة: إن العيد الإسلامي ليس كسائر الأعياد، إذ لا يمكن عدّ أي يوم عيداً إسلامياً مهماً بلغ من العظمة ما لم يكن مشرّعاً أي سمّاه الشرع عيداً، فهناك أيام عظيمة في الإسلام مثل يوم النصف من رجب و ليلة النصف من شعبان ويوم دحو الأرض ويوم المباهلة وغيرها، ووردت في فضلها روايات كثيرة، إلاّ أن الأعياد في الإسلام أربعة فقط وهي: الجمعة والفطر والأضحى والغدير وهو أعظمهما. يقول الله عزّ وجلّ: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً» ويستفاد من هذه الآية الكريمة أن الإسلام من دون الغدير ليس إسلاماً أصلاً، لا أنه ناقص أو غير تام؛ لأن الله تعالى عندما تحدّث في الآية المباركة عن الدين ـ أي الشريعة والطريقة ـ قال: «أكملت لكم دينكم» أي أكمله بالغدير، وعندما تحدّث عن النعم قال: «وأتممت عليكم نعمتي» أي أتمّها به، ولكنه عندما وصلت النوبة إلى الإسلام قال سبحانه: «ورضيت لكم الإسلام ديناً» أي عادله بالغدير، وبالتالي فإن الإسلام من دون الغدير ليس إسلاماً، كما أن الإسلام من دون الرسالة والنبي صلى الله عليه وآله لا يعد إسلاماً، لا كما قال عمر :حسبنا كتاب الله، لأن القرآن من دون الرسول ليس قرآناً، كيف والله تعالى يقول في القرآن نفسه: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» فعدم الأخذ بما آتاه الرسول يعد رفضاً للقرآن. إن الواجب الارتباطي إذا أتى المكلّف ببعضه وترك بعضه لا يقال إنه آتى بالواجب. فمثلاً لو صلّى الشخص ـ عالماً عامداً ـ صلاة الظهر ثلاث ركعات لا يقال إنه صلّى الظهر صلاة ناقصة وأنه سيعطى من الأجر عليها بمقدار ما أتى منها، بل لا تقبل منه على أنها صلاة أصلاً، وهكذا فإن العمل بالقرآن وترك العمل بسنّة الرسول صلى الله عليه وآله لا يعدّ عملاً بالقرآن لا أنه عمل ناقص أو غير مفيد فحسب. إذن فرفض أمر الله ورسوله في الغدير يعادل رفض الإسلام، وإن اُطلق عليه الإسلام العام مقابل الإسلام الخاص فهو رعاية للمصلحة الإسلامية. إذن لا فرق في عدم قبول الغدير والولاية، وعدم قبول النبوّة والرسالة إلاّ في أن تبليغ النبوّة كان من الله والوحي مباشرة، وتبليغ الولاية من النبي صلى الله عليه وآله. أجل قد يعذر الجاهل القاصر ولكن حقيقة الإسلام هي هي، لا تختلف على كل حال، فلا يقال الإسلام من دون الغدير إسلاماً. ومثل ذلك كمن كان منذ بلوغه يؤدّي الصلاة لعشرات السنين كاملة من حيث استيفائها لكل شروط الصلاة إلا أمراً واحداً وهو تكبيرة الإحرام فإنه لم يكن يؤدّيها جهلاً، فهل يقال عما كان يقوم به طيلة هذه المدة صلاة؟ كلا بالطبع، ولا كلام لنا في حسابه فهو مع الله والله أولى بالعفو. نعم، إن الغدير والقرآن كليهما ثقافة واحدة، ويتكوّن الإسلام منهما، فإذا غُيّب القرآن فقد غُيّب العترة والغدير، وإذا غُيّبا غاب القرآن أيضاً. إن الغدير ثقافة ومظهرها يوم الثامن عشر من ذي الحجّة في السنة العاشرة للهجرة الشريفة عند غدير خم. فعندما كان النبي صلى الله عليه وآله يدعو الناس إلى الإسلام في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، كان يقول أدعوكم لما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة، فهل المسلمون اليوم سعداء؟ وهل الإسلام الحقيقي موجود؟ بل ما معنى السعادة؟ ألا تعني السعادة أن يعيش الإنسان في رغد سواء من الناحية المادية أو المعنوية، فهل المسلمون اليوم كذلك؟ إنّ الأحاديث المرويّة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته سلام الله عليهم تؤكّد أنه لو طبّق الناس ما دعا إليه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في غدير خم لأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغداً إلى يوم القيامة. إن العالم يغطّ اليوم في الظلام، وأنّ كل ما يعانيه فإنّما هو في سبب حرمانه من الغدير ومنهجه وثقافته. هنالك الكثير من الروايات التي تفيد أنّه لو التزم الناس بوصيّة النبي صلى الله عليه وآله في يوم الغدير لما حدثت كل المشاكل ولما اختلف في الأمّة سيفان ولأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولعاشوا في رغد إلى يوم القيامة. ومنها: قالت سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها بعد أن دخل عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها في مرضها الذي توفيت فيه : « ...وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلّة مبالاته لحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته وتنمّره في ذات الله، وتالله لو مالوا عن المحجّة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة لردّهم إليها، وحملهم عليها، ولسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم حشاشه، ولا يكل سائره، ولا يمل راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً روياً تطفح ضفتاه، ولا يترنق جانباه، ولأصدرهم بطاناً ونصح لهم سراً وإعلاناً، ولم يكن يتحلّى من الدنيا بطائل، ولا يحظى منها بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب، [ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون] ». قال الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه في الخطبة التي خطبها بعد معاهدته مع معاوية: «...ولكن اُقسم بالله قسماً تالياً: لو أن الناس سمعوا قول الله ورسوله لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الأمة سيفان، ولأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة...». لكنهم لم يفعلوا فلم ينعموا بتلك السعادة التي وعدهم بها الله سبحانه في قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم ديني وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً». فمن الواضح أنه في الغدير كان إكمال الدين وإتمام النعمة، وغياب الغدير يعني عدم إكمال الدين ولا إتمام النعمة. إننا نشهد اليوم دولاً إسلامية كثيرة في العالم ولكنّا لا نجدهم يرفلون بالسعادة، وسبب ذلك هو طمس معالم الغدير وبالتالي عدم إكمال الدين كما أراد الله تعالى للمسلمين! إذن ينبغي الإذعان أن العالم اليوم يغطّ في الظلام وأن كل المشكلات التي يعاني منها إنما تعود لغياب منهج الغدير، فلو عرف الناس الغدير لسارعوا إليه ووردوا مناهله. إن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم هي نشر ثقافة الغدير في العالم وتعريف الشعوب والمسلمين بالغدير وترسيخ مبادئه في أوساط المؤمنين، عبر مختلف الوسائل كالكتاب ووسائل الإعلام الحديثة بإسلوب جذّاب وعصري، وهو عمل يتطلّب جهوداً كبيرة ويتحمّل الشباب مسؤولية مضاعفة في هذا المجال، فعلى المؤمنين جميعاً أن يجدّوا ويجتهدوا من أجل تبليغ رسالة الله تعالى والنبي الأكرم وأهل البيت للعالم. وهنا أذكّر المؤمنين بخصلتين من الضروري أن يتحلّوا بهما على هذا الطريق، وهما: 1. التذكير المتواصل والتواصي بالحقّ الذي هو الغدير. 2. الصبر وعدم اليأس حتى تتحقّق النتيجة المطلوبة بإذن الله تعالى. لم يسلم كل من أسلم منذ أن أطلق الرسول صلى الله عليه وآله دعوته، وربّما أسلم بعض العرب بعد عشرين سنة ولكن مع ذلك حسن إسلامه، ونحن أيضاً لا ينبغي لنا اليأس أو نتوقع أن يستجيب العالم لنا دفعة واحدة، ولكن لنعلم أن الناس إذا أدركوا حقيقة الغدير سارعوا إليه ووردوا مناهله. فلا شكّ ان القرن الحالي هو قرن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وقرن أهل البيت صلوات الله عليهم. من هذا المنطلق يجدر بالمؤمنين والمؤمنات كافّة، وخاصّة القائمين بشؤون الثقافة الإسلامية، أن لا يقصّروا في نشر ثقافة الغدير، مؤكّدين مسؤوليتهم في الترويج لمفاهيم الغدير وتعاليمه، وأن يبذلوا مساعيهم الحثيثة في إحياء وتعظيم العشرة الغديرية المباركة. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين مكتب المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله قم المقدّسة 11/ذو الحجة/1434 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|