الشام: حفل تأبيني بالذكرى السنوية لاستشهاد آية الله السيد حسن الشيرازي




 

موقع الامام الشيرازي

 

في هذا العام، الاحتفاء بالذكرى السنوية لشهادة المفكر الإسلامي آية الله السيد حسن الشيرازي رضوان الله تعالى عليه كان مختلفاً، حيث تشهد منطقة السيدة زينب سلام الله عليها كسائر مدن الشام جرائم التكفيريين التي عاثت في الأرض فساداً، سواء في الشام أو العراق أو باكستان أو أفغانستان أو في دول أخرى، فقد قتلت هذه العصابات الإرهابية المدنيين، وهجرت الناس بسبب انتمائهم الديني والمذهبي، واعتدت على الأموال العامة، وهي أعمال عبرت - بوضوح - عن أحقاد تاريخية وإطماع منحرفة ما زالت تعشعش في نفوس خوارج العصر.

هذه التهديدات الظلامية التي تعيشها الشام طالما استحضرها الشهيد الشيرازي حين قدومه الى الشام قبل نصف قرن ليرسم استراتيجية بمديات قريبة وبعيدة من أجل التغيير والنهوض والتطوير، ومع أول وصوله بتوجيه من الإمام الشيرازي رضوان الله تعالى عليه أطلق في هذه المدينة الشامية المقدسة نهضة شملت مختلف مجالات الحياة، فأسس أول الحوزة العلمية الزينبية، وهي أول مؤسسة دينية تزهر بربيعها الإيماني في الشام، وجمع شتات جاليات الشيعة القادمين من بلدان إسلامية شتى بالقرب من المقام الزينبي المطهر، ومد أواصر الحوار والتعاون والمحبة مع مختلف مكونات الشعب السوري، وما انكفأ عن سعيه في التقريب بين الأفكار من أجل التعاون على البر والتقوى، وخدمة للإنسان والمبدأ، وحفاظاً على الشام، حتى رحل أعلى الله درجاته مضرجاً بدماء الشهادة ، تاركاً تاريخاً مجيداً في الفكر والجهاد والتفوق والإنجاز، رحل وأهم وصاياه، الاحتماء بالمقام الزينبي المطهر ومرقد الشهيدة رقية سلام الله عليها والحفاظ عليهما، وقد حفظ المحبون، فهم اليوم يقفون كالجبال الشامخة دفاعاً عن مقام عزيزة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأنفسهم وأموالهم فمنهم من قضى نحباً، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

أمس السبت، قريباً من المشهد الشريف للسيدة الحوراء زينب سلام الله عليها، أحيا جمع من أصحاب السماحة العلماء وممثلي مكاتب المراجع وفضلاء الحوزات العلمية وطلبة العلوم الدينية, والجاليات المقيمة في سوريا الذكرى الرابعة والثلاثين لاستشهاد المفكر الإسلامي الكبير آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي رضوان الله تعالى عليه، وذلك في حسينية الحوزة العلمية الزينبية، حيث استذكر الجمع المبارك ذكرى رحيل عالم كبير بعلمه وجهاده، وإنسان كبير في انجازاته وأهدافه.

استهل الحفل بتلاوة آيات كريمة من الذكـر الحكيـم رتلها فضيلة المقرئ الشيخ عباس النوري، ثم ألقى فضيلة الشيخ مصطفى النصراوي قصيدة له تناولت مواقف نبيلة وشامخة كتبها صاحب الذكرى عبر سفر سنوات عمره الشريف، قال في أبيات منها:

ذكراك تبقى في أرواحنا الأملا              ياحاضراً في ضمير المجد ما رحلا

           ذكراك يا سيد الأيــــــــام منطلق             لكل حر يراك البدر قـــــــــــد كمـلا

وقال:

          ثائراً فـــــي طريق الله مصطبراً             صراطك الحق لا لــــــــــم تتبع سبلا

          أسست حوزتنا في الشام فانبعثت            قوافل العلم نــــــــــــــوراً ينتج العملا

          تركت بصمة عز في الشام وفي             وسط القلـــــــــوب لهيباً يعصر المقلا

          أيا جواداً له في الجـــــود منزلة             لم يرتض دون نفس الحر مـــــــا قبلا

ومن وحي الذكرى والأحداث التي تعيشها الشام قال الشيخ النصراوي في قصيدته:

         واليوم زينب تشـــكو فقد شيعتها             ترجو مــــــــــــن المرتضى أن يعيلا

         لو كنت فينا لكنتَ اليوم ناصرها             يا ليت يومك فـــــــــــي أيامنا اتصلا

في الاحتفاء التأبيني، اعتلى المنبر الحسيني سماحة السيد عز الدين الفائزي مستهلاً مجلسه بالحديث عن دور العلماء العاملين في بناء الأمة الحية، ثم عرض جانباً من تاريخ العائلة الشيرازية الكريمة، قائلاً: "امتاز المفكر الشهيد(قده) بالخلق الرفيع وسعة الصدر والإحسان لمخالفيه، إلى جانب حرصه على الدراسة الحوزوية والكتابة والتأليف في مجالات فكرية وعلمية متعددة، ولا عجب من ذلك، فهو من أسرة عريقة في العلم والتقوى والجهاد، وقد تخرج منها العديد من المراجع العظام العلماء الأعلام والقادة الأفذاذ".

وقال: "يرجع نسب الشهيد الشيرازي إلى الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب(سلام الله عليهم) ويعود تاريخ عائلته الشريفة في العراق إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً، وممن اشتهر منها، المجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي(قده)، الذي قاد (ثورة التنباك) في إيران لدحر قوات الإمبراطورية البريطانية العظمى آنذاك، والميرزا محمد تقي الشيرازي الذي فجر ثورة العراق الكبرى في عام (1920) ووقف بشعبه العراقي الأعزل الذي لم يكن يتجاوز عدد نفوسه الخمسة ملايين نسمة في وجه أعتى إمبراطورية في ذلك الوقت حتى نال العراق استقلاله.

ثم تناول سماحة السيد الفائزي في حديثه محورية المفكر المجاهد في استنهاض الهمم في طريق الإصلاح، مؤكداً "دور السيد الشهيد كبير في إلهام الأجيال للحفاظ على التراث والانجازات". مبيناً أن "صاحب الذكرى الشهيد الشيرازي جمع مناقب عديدة تجسدت في مؤلفات في الفقه والحديث والفكر والأدب والتبليغ، ومؤسسات علمية وثقافية وخيرية وإنسانية انتشرت في أكثر من بلد وعلى أكثر من قارة.

وفي ذكرى رحيل الشهيد الشيرازي قام مراسل (موقع الإمام الشيرازي) بجولة في المدينة الزينبية الطيبة، حيث بدأت الحياة تعود إليها، بعد أن دفع الله عنها شرر التكفيريين وسيوف أحقادهم الأموية، والتقى المراسل بعدد من المؤمنين القاطنين قرب المقام الشريف، لاسيما وإن كثيراً منهم قد هجرتهم التنظيمات الإرهابية من مناطق سكناهم في حلب وحمص وأدلب ومناطق من ريف دمشق، فوجدوا الأمان في كنف الحوراء عليها السلام، وقد تحدث رجال من كبار السن الذين عاصروا حقبة الشهيد الشيرازي وكيف أن المدينة بعد قدومه المبارك قد أصبحت مدينة أخرى.

كما التقى مراسل الموقع بعناصر من (لواء أبي الفضل العباس سلام الله عليه)، وقد تحدثوا عن سعادتهم وعظيم التوفيق بوقوفهم وثباتهم للدفاع عن مرقد بنت سيدة نساء العالمين عليهما السلام، كما تحدث آخرون عن الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن المقام الشريف.

وذكر أحد الأبطال ما سرده له والده عن مواقف الشهيد الشيرازي وتوجيهه المؤمنين الى ضرورة العمل على بناء حاضر رغيد، وأهمية استشراف الأحداث والتطورات لتأمين مستقبل إيماني وحياتي زاهر، وأضاف هذا المقاتل: قبل أيام، قال لي والدي، حين بدأت الحرب على الشام ورأيت التنظيمات التكفيرية تقوم بهجمات مسلحة وترمي بقذائف الهاون على المقام الشريف ومحيطه، والاعتداء على الشيعة قتلاً وذبحاً وتهجيراً وخطفاً، فهمت ما كان يقوله السيد الشهيد "كما أن عيوننا على المقام المقدس حباً وحرصاً، فإن أعين الأعداء على المقام حقداً وغدراً". وأضاف (والد المقاتل): "اليوم عرفت أكثر لم كان الشهيد الشيرازي يواصل العمل الليل بالنهار، رحمه الله تعالى بواسع رحمته".

وقال بطل آخر: "بعد أن قدمت للتشرف بالدفاع عن مقام السيدة الحوراء سلام الله عليها، تعرفت عن كثب على إنجازات الشهيد الشيرازي التي ما زالت تنبض بالإيمان والحياة، وإن شاء الله سنكون أمناء على المقام الزينبي الطاهر وكل ما يرتبط به، وإن النصر قريب، فإن سيدتنا زينب ومولاتنا رقية تدعوان لنا، هذا أمر نعتقد به، ونشعر به في كل يوم".

17/جمادى الآخرة/1434