كلمة مهمّة من سماحة المرجع الشيرازي لأهل العلم والطلبة




 

 

ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, كلمة قيّمة, بجمع من الفضلاء والشباب, وطلبة مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله للعلوم الدينية, يوم السبت الموافق للحادي والعشرين من شهر رجب الأصبّ 1434 للهجرة, في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة.

ركزّ سماحته في هذه الكلمة, على موضوع (الإخلاص), مبيّناً معناه, ودرجاته, وأهميته وفضائله, ودوره البالغ والمؤثّر في توفيق الإنسان وسعادته بالدنيا وفوزه بالآخرة, مستشهداً بآيات من القرآن الحكيم, والروايات الشريفة عن أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم, وأمثلة من التاريخ, مؤكّداً ضرورة التزام المؤمنين بهذه الخصلة الحميدة والفاضلة, بالأخصّ طلاب العلوم الدينية ورجال الدين, لما لهم من دور مهم ومؤثّر في المجتمع, وفي تبليغ الدين, وتبيين الحقّ, وهداية الناس إلى والصلاح والرشاد.

فيما يلي نصّ كلمة سماحته:

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن الجالسون هنا, وكذلك كل بني البشر, لبدننا أعضاء وجوارح متعدّدة, كالقلب والكليتين والكبد والعين والأذن واللسان والرئة واليدين والرجلين, وغيرها. وبهذه الأعضاء والجوارح نعيش ونتصرّف ونأكل وندرّس ونسمع ونتحدّث.

هذه الأعضاء مختلفة وليست شبيهة ببعض. وبعضها إذا تعرّضت إلى ضرر ما فستتعطل إثرها باقي الأعضاء, كالقلب الذي إذا توقّف فستتوقف عن الحياة كل الأعضاء. وكذلك الحال بالنسبة للكبد. وبعضها مهمّة جدّاً, ولكن إذا تعرّضت لضرر, فسوف لا تؤثّر على باقي الأعضاء, كالعين. فالعين مهمّة جدّاً وحسّاسة, لكن إذا ذهب بصرها فإنّها لا تؤثّر على الرجلين مثلاً ولا على اليدين ولا على المخ ولا على اللسان.

هذه الحالة نجد لها مثيلاً في طالب العلم. فالطالب له أجزاء وشرائط. وبعض الطلبة له دنياً, ولكن لا آخرة له, والعياذ بالله, كما هو حال الكثير من أصحاب نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله.

إنّ طالب العلم إذا أراد أن يكون موفّقاً في طلب العلم وفي دنياه, وأن يكون مرضياً عند الله تعالى وأهل البيت صلوات الله عليهم, وإذا أراد أن تكون آخرته أفضل من دنياه, وأن يستحسن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله, عمله بالآخرة, فإنّ هذا الأمر له شروط أساسية, مثلها كمثل القلب والكبد والكليتين, وله شروط غير أساسية أيضاً.

من الشروط الأساسية والمهمّة جدّاً والصعبة جدّاً (طبعاً تسهل بالعزم والتصميم) هو الإخلاص.

إذا إردنا أن نوجز معنى الإخلاص, فهو: أن يكون أمل ورجاء وهدف الإنسان هو الله تبارك وتعالى وأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم فقط ـ لأن أهل البيت صلوات الله عليهم هم السبيل والطريق الوحيد الذي جعله الله عزّ وجلّ لعباده لمعرفته وطاعته والوصول إليه ـ. وهذا يعني أن تكون دراسة طالب العلم وحياته وزواجه وكل ما عنده من أولاد وغيره وما يتعرّض له من مشاكل, هو لله تعالى فقط. وبعبارة أخرى: أن يؤدّي الطالب ما عليه من الواجبات, ويكون أمله بالله سبحانه وبأهل البيت صلوات الله عليهم, فقط.

حول الإخلاص, هناك الكثير من الروايات الشريفة, وهي روايات متواترة ومهمّة وحسّاسة جدّاً, وهنا أذكر لكم مضمون واحدة منها:

شخص له الكثير والكثير من الأعمال الحسنة, وكل شروطه وأجزائه كاملة. يصلّي جيّداً, وهكذا يصوم, ويدرّس ويدرس, وصار عالماً جيّداً, وهدى الكثير, وأرشد الكثير, وأخلاقه حسنة, وملتزم ومنضبط جدّاً, وتُعرض عليه يوم القيامة صحيفة أعماله وهي بيضاء, ولكن يأمر الله تعالى ملائكته بأن خذوه إلى النار, فتتعجّب الملائكة!, فيأتيهم الجواب من الله تعالى بأن هذا وأمثاله ما أرادوني بها.

إنّ السبب في ذلك هو أن هذا الشخص كان حسن الأخلاق ولكن كان هدفه من ذلك هو أن يحصل على الوجاهة في المجتمع. وصار عالماً وهدفه أن يقبّل الناس يديه ويعطوه الأموال ويرفعوا مقامه. ودرّس لكي يقول الناس: هذا أستاذ, وأستاذ جيّد. ولكي يقولوا عنه حجّة الإسلام, وآية الله, وآية الله العظمى. نعوذ بالله. ويعني أن هذا الشخص كان هوى نفسه وراء كل أعماله الحسنة.

إنّ مثل الإخلاص كالقلب, فكما يموت البدن بعدم وجود القلب, كذلك يفعل الإخلاص بأعمال الإنسان كلها.

بإمكان المرء أن يحصل على الأموال من السوق, كذلك يمكنه أن يحصل عليه من الحوزة! ومن طرق الحصول على الرئاسة هو المنصب الحكومي, وكذلك الحوزة! ومن طرق الحصول على المقام هي السياسة, ومن طرقه الحوزة أيضاً!

إنّ بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله, صحبوا النبيّ صلى الله عليه وآله عشرين سنة, لكنهم خرجوا سوءاً!

إذن أليس من المؤسف أن يستفيد المرء طول عمره من وسائل صالحة, ولكن يدخل بها إلى جهنم؟!

ومن هذا النموذج هو معاوية لعنه الله. فبعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه, جاء معاوية إلى العراق واليمن والحجاز وباقي البلاد الإسلامية واستولى عليها كلّها. وذات مرّة سأله أحد ندمائه: لقد قاتلت عليّ بن أبي طالب, وقتلته, وفعلت ما فعلت, فما بغيت من ذلك؟ فنقلوا أن معاوية أخرج من ردائه خاتمه وقال: لكي تختم الرسائل والكتب كلّها بهذا الخاتم. ونقلوا أيضاً أن معاوية خطب بأهل العراق بعد المعاهدة مع الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه, وقال لهم: إِنِّي وَاللَّهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا وَلا لِتَصُومُوا وَلا لِتَحِجُّوا وَلا لِتُزَكُّوا، إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لأتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ!

هنا أشير إلى نقطة مهمّة, وهي: أتعلمون لماذا ورد في زيارة عاشوراء الشريفة, التي هي حديث قدسي عن الله تعالى, لعن معاوية مرّتين؟

إنّ استنتاجي من ذلك هو: لأن معاوية شارك في سوأتين:

الأولى: في مؤامرة الأول والثاني والثالث. وعليه فإن معاوية من أصحاب التابوت الذي يُلقى في قعر جهنم, أما ابنه يزيد فهو ليس من أهل التابوت, وكذلك أبيه أبو سفيان.

الثانية: إنّ معاوية حارب النبيّ صلى الله عليه وآله عشرين سنة, وكان من المحرّضين على الحرب ضد رسول الله صلى الله عليه وآله, علناً, بخلاف الثلاثة الذين كانوا يبطنون حربهم ضد النبيّ صلى الله عليه وآله. ولهذا, فكل من يحارب نهج وطريق الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه, فهو من السالكين لنهج معاوية.

وخاطب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الحضور, بقوله:

أنتم الآن شباب, وفي مقتبل عمركم, فصمّموا من الآن على جهاد ومحاربة الشيطان, بلسانكم وبأعمالكم, وارفضوه وقولوا له دوماً: كلا, ولا, كي ييأس منكم, أو لا يدنو منكم على الأقلّ.

قال الإمام الصادق صلوات الله عليه: (أغلق بابك, فإنّ الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً).

لا شكّ بأن هذا الأمر صعب ومشكل, ولم يوفّق الكثيرون فيه, ولكن عليكم أن تحاولوا وتسعوا إلى أن لا تنغرّوا ولا تنخدعوا بالوساوس, والإغراءات, والقيل والقال. فالله تعالى وهب لنا العقل, وبه يمكننا أن ندرك ونفهم ونعي ونوزن كل ما يُقال لنا وحولنا.

نحن الآن في شهر رجب الأصبّ, وهو شهر فضيل, فصمّموا فيه على الإخلاص, الذي هو بحاجة إلى الأمور الثلاثة التالية, التي ذكرها القرآن الكريم أيضاً, وهي:

الأول: التوكّل على الله. فقد قال تعالى: (وَقالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ), و:(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). فاطلبوا من الله سبحانه أن يعينكم ويوفّقكم.

الثاني: التوسّل بأهل البيت: وهو قوله عزّ من قائل: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ). فتوسّلوا إلى الله بالمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم, وبذريّتهم كالسيّدة زينب, وسيدنا العباس, وعلي الأكبر, وعلي الاصغر, والسيّدة فاطمة المعصومة, والسيّدة أمّ كلثوم, وكذلك بالسيّدة أمّ البنين, والسيّدة نرجس, والسيّدة خديجة الكبرى, وسيّدنا مسلم, سلام الله عليهم أجمعين, وكذلك بمن أكّد أهل البيت صلوات الله عليهم, فضلهم وشأنهم.

الثالث: العزم والتصميم: حيث قال الله تبارك وتعالى: (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ). فاعزموا وصمّموا على نيل الإخلاص بأعلى مراتبه, فالإخلاص له آلاف الدرجات.

كما عليكم أن تدعوا الله كثيراً, وصلّوا بالليل ولو ركعتان, فإن لم تتمكنوا من النهوض فصلّوا قبل منامكم. فقد قال الإمام الصادق صلوات الله عليه: إعلم أن النافلة بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت.

اطلبوا من الله تعالى في الصلاة وبعدها بتوسّلكم بأهل البيت صلوات الله عليهم أن يعينكم على نيل الإخلاص في كل ما تقومون به, ولا تيأسوا من طلب الإخلاص أبداً.

أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقكم لكل الحسنات والصالحات, وعلى رأسها الإخلاص. وأدعو الله تعالى لكم, كما أسألكم الدعاء لي. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

 

 


مؤسسة الرسول الأكرم الثقافية