الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (4)




 

موقع الإمام الشيرازي

من المسائل التي تم بحثها ومناقشتها في هذه الليلة, أنه سأل أحد الفضلاء: هناك روايات عن رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليه وعليهم, وبعضها صحيحة, ورد فيها: (ذِكرنا مِن ذِكر الله), فهل ليس لهذه الروايات حكومة على روايات الصلاة, ولا يوسّعها الدليل القائل بأنه في الصلاة يجب أن يكون ذكر الله كي يمكننا أن نقول انه يجوز ذكر أهل البيت في الصلاة؟

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: الروايات التي أشرتم إليها هي روايات صحيحة ومتواترة, وعلى الأقل تواتر إجمالي, ولا يستبعد أن تكون متواتراً معنويّاً, ولكن هناك مانعين ومشكلين بالنسبة إلى هذه الروايات, وهما: المشكل والمانع الأول:عندنا دليل يقول: (الصلاة إنّما هي ذكر وقرآن ودعاء). وللذكر إنصراف إلى ذكر الله تعالى مثل التهليل والتحميد والتكبير وتسبيح الله عزّ وجلّ, وبإنصرافه لا يمكننا أن نقول بالحكومة والتوسعة.

المشكل والمانع الثاني: هذه الروايات على كثرتها وتعدّدها بل تواترها, ومع أنها مذكورة في مختلف الكتب حتى في الكتب الأربعة, ولكن لم يعمل بها حتى فقيهاً واحداً من الفقهاء, مع دقّتهم وتقواهم, وهذا يكون شبه إعراض وكاسر الاعتبار والحجيّة.

وسأل السائل نفسه: إنّ الفقهاء لم يتعرّضوا أصلاً لهذا الفرع وهو: (هل يجوز ذِكر أهل البيت في الصلاة أم لا) لكي يقال عنهم أنهم أعرضوا؟

أجاب سماحته: صحيح أنهم لم يبحثوا هذا الفرع في الكتب الفقهية, ولكن من جهة أن هذه الروايات الشريفة كانت في مرأى ومنظر أولئك الفقهاء, وكان في متناولهم الكتب التي نقلت هذه الروايات, ولكن مع ذلك لم يتعرّضوا لها. بلى يمكن أن نقول بأن الفقهاء أحياناً لم يروا رواية واحدة مثلاً مذكورة في خصال الصدوق أو في غيبة الطوسي فقط. ولكن هذه الروايات واردة في الكتب الأربعة وكانت في متناولهم, ولذا لا يمكن أن نقول: ان السادة الفقهاء لم يرونها. فإذا لم نحصل على إحراز الإعراض فعلى الأقل شبهة الإعراض.

وسأل آخر: إنّ ذكر أهل البيت عبادة, إذاً هذه العبادة لا تنافي عبادية الصلاة؟

قال سماحته: العبادة شيء, وتحديد حدود الصلاة شيء آخر.

وسأل أحد الفضلاء, بقوله: متى يتمكّن المسافر ـ في غير قصده عشرة أيام ـ أن يصلّي تماماً ويصوم؟

أجاب سماحته: إذا صدق عليه (كثير السفر). وملاك (كثير السفر) هو: أن يكون له سفرات متعدّدة للعمل أو الدراسة أو الزيارة أو السياحة, في شهر واحد, على أن لا تقع فاصلة عشرة أيام (على الأغلب) بين السفرات. على سبيل المثال: أحد الأساتذة أو الطلبة الجامعيين يريد أن يقوم لمدّة سنة دراسية بالتدريس أو الدراسة, بأن يسافر مرّة بالاسبوع, أو أقلّ أو أكثر, من مدينة كربلاء إلى مدينة بغداد. أو أن شخص يريد أن يزور مسجد السهلة أربعين اسبوعاً (كل ليلة أربعاء) بأن يأتي من بغداد إلى الكوفة مرة بالاسبوع. أو ان أحدهم يريد في العطلة الصيفية أن يسافر مرة بالاسبوع من بغداد إلى السليمانية لزيارة أرحامه وللسياحة.

الخلاصة: إذا سافر لهدف معيّن وكانت سفراته متعدّدة في شهر واحد, على الأقل, ولا يبقى في مكان واحد عشرة أيام, لكي لا تقع بين السفرات فاصلة عشرة أيام, بهذين الشرطين هو كثير السفر وحكمه هو أن يصلّي تماماً ويجب عليه الصيام. وإذا لم يتمتع بهذين الشرطين, أي: لم تكن سفراته لهدف معيّن, حتى إن لم يبقى في مكان ما عشرة أيام ولم تقع بين سفراته فاصلة عشرة أيام, أو ان سفراته كانت لهدف معيّن ولكنه بقى في مكان ما عشرة أيام ووقعت فاصلة عشرة أيام بين سفراته, فهذا حكمه هو: الصلاة قصراً والإفطار.

وسأل آخر: قالوا بأن: صوم يوم الشكّ إذا كان بنيّة شهر رمضان فهو باطل وحرام. ماهو دليل الحرمة؟

قال سماحته: الحرمة لهذه الجهة, وهي ان الروايات الشريفة نهت عن صوم يوم الشكّ بنيّة صوم شهر رمضان, وإذا تعلّق النهي بالعبادة فله ظهور في حرمة التكليف, ولجهة أن الصوم عبادة ويحتاج إلى قصد القربة, فعلى القاعدة يوجب البطلان. وإما إذا كان النهي لغير العبادات, كتعلّقه بالمعاملات مثلاً فظهور هذا النهي وضعي, وله نهي من أثر تلك المعاملة وليس تكليفاً, ولذا فإن النهي يوجب عدم ترتب الأثر, ولكن لا ظهور له في الحرمة التكليفية.

أما ما قاله الفقهاء بأنه: يحرم صوم يوم الشكّ بنيّة شهر رمضان فهو خاص بهذا المورد, والجهة هو الدليل الخاص. ولكنه غير حرام في مواضع أخرى, فإذا كان بقصد (أو لعله) أمراً أو بقصد الرجاء, قال الفقهاء: إن يقوم بعبادة فلا إشكال فيه, لأن الشيخ قد قال أن باب الاحتياط مفتوحاً في قبال الأمارات والأصول.

وسأل أحد من الفضلاء: هل ان (أوفوا بالعقود) يشمل أيّ عقد جديد, حتى القعد الذي يخترعه شخصان لأنفسهما ويعقداه بينهما؟

أجاب سماحته: إنّ صاحب العروة قد بحث المسألة بشكل مفصّل في الجزء الثاني من العروة, وفي الجزء الأول أيضاً لمناسبة ما, وقال: (ال) في (العقود) هي ال استغراقية, وكما قال الشيخ: (العقود) بمعنى عقودكم لها ظهور في العقود التي كانت متعارفة ذلك الزمان, أو تشمل العقود التي ستظهر لاحقاً أيضاً؟ وبعبارة أخرى: (أوفوا بالعقود) قضيّة خارجيّة أو قضيّة حقيقية. بمعنى: كلما تحقّق مبادلة أو معاقدة يجب الوفاء بها.

حينها لا فرق إن كان عقداً متعارفاً بالخارج أو عقداً اخترعه المتعاقدين وطبعاً بشرطين:

الأول: أن تكون المعاملة عقلائية, أي: أن يقبل بها العقلاء.

الثاني: أن لا تكون المعاملة مصداق لأحد العقود المحرّمة شرعيّاً مثل: بيع الكالي بالكالي أو الربوي.

مثلاً: إنّ عقد الضمان الاجتماعي أو الصحّي لم يكن متعارفاً قبل تأسيسه, ولكنه صحيح, لجهة أنه عقد عقلائي وليس مصداقاً للعقود المحرّمة.

مثال آخر: إنّ العلاّمة الحلّي قدّس سرّه بحث في إحدى كتبه الفقهية أنه: إذا ركب عدّة أشخاص سفينة, ثم رأوا أن هناك عاصفة بحرية قادمة والسفينة ثقيلة, وقال أحد الركّاب لراكب له بضاعة ثقيلة في السفينة: ألق متاعك في البحر وعليّ ثمنه. فهل يعدّ هذا عقد بين شخصين مع أنه لم يكن قبل ذلك مثل هذا العقد. فيقول المرحوم العلاّمة: هذا العقد صحيح, ولذا يجب الوفاء به.

خلاصة القول: (أوفوا بالعقود) تقابل الجمعين الذي تم ذكره في كتب البلاغة كالمطوّل والأطول. ويعني أن: (أوفوا) و(عقود) كلاهما جمع, ومعناه: كل واحد يفي بعقده. مثل المثل الذي أتوا به في كتب البلاغة وهو: (باع القومُ دوابّهم), فالقوم جمع, وكذلك الدوابّ, ولكن كما يقول البلاغيون: ليس معنى ذلك أن القوم كلّهم جمعوا دوابهم في مكان واحد أو باعوها كلّها دفعة واحدة, بل يعني: ان كل شخص باع دابّته لشخص آخر.

وسأل آخر: حول الإفطار بالحرام: هل يشمل الحرام الأساسي فقط مثل الميتة أو الحرام بالعرض أيضاً مثل الغذاء المتنجّس الذي فيه ضرر كثير على آكله؟

أجاب سماحته: أفتى صاحب العروة حول هذين الموردين بأن له كفّارة الجمع, ولكن في كلا الموردين جعلت كفّارة الجمع على الأحوط وجوباً حتى في الحرام الأساسي أيضاً, ولكن حول ان هذا الحكم هو للموردين المذكورين, نقول: لجهة ان له دليل الإطلاق ويصدق على (طعام محرّم عليه). وأما ما قاله البعض بأن له انصراف إلى الحرام الأساسي, هو خلاف الظاهر, ويلزمه انصراف قرينة أقوى.

وسأل أحد الفضلاء, قائلاً: تبعاً للسسؤال السابق, شخص لم يجعل لنفسه رأس سنة خمسية ولا يعطي الخمس, فإذا اشترى طعاماً بمال قد تعلّق به الخمس وأفطر به, هل ينطبق عليه انه أفطر بالحرام؟

قال سماحته: إذا قلنا بالإطلاق فأين الإشكال من أن نقول بأنه يشمله.

وعقّب السائل نفسه بالسؤال التالي: هل ان أكل ما يتنفّر منه الطبع حرام؟

أجاب سماحته: قال صاحب المستند في مستنده: ليس كل منفّر حرام. ويؤيّد كلامه ان الناس مختلفين في الطباع. وقال: فقط الخبائث الشرعية أي ما ورد في الشرع بأنه خبيث, فهو حرام. كالخمر والنجاسات. ولكن كلام صاحب المستند خلاف المتبادر من انه (يُحرّم عليهم الخبائث). لأن (ال) في (الخبائث) استغراقية وغير الخبائث الشرعية, وتشمل الخبائث العرفية أيضاً. أي: كل ما يستخبثه الطبع. علماً بأنه إذا كان له جريان عرفي, حتى في عرف ما, فسيكون هذا الموضوع هو خبائث.

وسأل أحد من الفضلاء: هل يمكن أن نقول: المراد من الخبائث هو قرينة سياق الأعمال الخبيثة؟

أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: نحن نتبع الظهور, وما دام لا توجد قرينة أقوى ظهوراً من ذي القرينة لا يمكننا أن نقول بذلك. فمثلاً: قوله تعالى: (تعمل الخبائث) تبيّن قرينة السياق ان المراد هو الأعمال الخبيثة, ولكن قوله تعالى: (ويُحرّم عليهم الخبائث) ليست كذلك, بل ان الخبائث هي جمع محلّي بـ(ال) ولها ظهور في الأشياء, ولا وجه لها بتقييدها بالأعمال.

 

 

 

 


www.s-alshirazi.com