الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (5)




 

موقع الإمام الشيرازي

في جلسة هذه الليلة (مساء يوم الخامس من شهر رمضان المبارك 1434 للهجرة) دار البحث حول بعض المباحث الفقهية المختلفة, حيث سأل أحد الفضلاء: هل يوجد إشكال إذا قال المصلّي في الركوع سبحان الله مرّة واحدة بقصد الجزئية ثم يعدل ويقول سبحان ربّي العظيم وبحمده؟

أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: كلا, لا يوجد إشكال, لأنه ليس صحيحاً الاكتفاء بقول سبحان الله مرّة واحدة في الركوع والسجود, ولكن إذا قال سبحان الله مرّة واحدة بقصد الجزئية ثم يقول بعدها سبحان ربّي العظيم وبحمده لا إشكال فيه بل يرتفع عنه الإشكال. بلى إن قال بقصد التقييد فسيكون إشكال بالصلاة, ويعني قصد التقييد هو: أن تكون نيّته بأنه لا يكفي قول سبحان ربّي العظيم وبحمده في الركوع, مع ان ذلك كاف, ويحسب الاكتفاء في إضافة سبحان الله عالماً عامداً.

وسأل آخر: هل الإتيان بالصلاة في وقتها فرادى في المنزل أفضل أم الإتيان بها في حرم الإمام الحسين صلوات الله عليه متأخّراً؟

قال سماحته: الإتيان بالصلاة في أول وقتها هي الأفضل دائماً, ولكن أحياناً هناك مزاحم نعرف أهميته من الشرع, مثل: أداء الصلاة جماعة أو أدائها في المشاهد المشرفة للمعصومين صلوات الله عليهم, ففي هذه الحالة سيكون تأخير الصلاة هو الأفضل. ولذا تم عدّ ثلاثين مورداً حول أن تأخير الصلاة أفضل من أدائها أول وقتها, وهذا ما تعرّض له صاحب العروة أيضاً. وليكن معلوماً انه بالنسبة إلى الصلاة في الحائر الحسيني سلام الله عليه هناك رواية تقول: (الصلاة عند الحسين مقبولة).

إذا كان المقصود من (عند) هو خصوص الحرم الحسيني كما أصرّ عليه بعض المراجع الماضين, ومنهم: المرحوم والدي قدّس سرّه, حيث سألوا منه ـ قبل قرابة خمسين سنة ـ حول (عند الحسين عليه السلام)؟ فقال: هو خصوص الحرم الحسيني فقط. فإن كان هذا المقصود فالتأخير سيكون هو الأفضل. وأما إذا كان المقصود هو مدينة كربلاء كلّها, فلا فرق في أداء الصلاة في أيّ نقطة من كربلاء, حيث يصدق عليها عند الحسين صلوات الله عليه. لأنه عندما تكون الشخصية كبيرة وعظمة فـ(عند) تتوسّع نسبة إليها, أي: سيكون لها ظهوراً عرفياً في التوسّع. كما توجد روايات شريفة بهذا المجال تؤيّد هذا الرأي, وأفتى طبقاً له جماعة من الفقهاء كصاحب العروة, وقالوا: في كل المدن الأربعة يكون المسافر مخيّراً بين القصر والتمام, حيث جاء في الروايات ما مضمونه: كربلاء حرم الحسين صلوات الله عليه, والكوفة حرم أمير المؤمنين صلوات الله عليه, ومكّة حرم الله تعالى, والمدينة حرم الرسول صلى الله عليه وآله.

وسأل السائل نفسه: جاء في الرواية ان: (إجابة الدعاء تحت قبّته), فما المراد من قبّته؟

قال سماحته: المراد من قبّته هو: ليس خصوص تحت القبّة الشريفة أو خصوص المساحة الصغيرة التي تضمّ الضريح الطاهر فيها, بل هو المكان الذي بتواجد الزائر فيه يصدق أنه كان بين يدي الإمام صلوات الله عليه, ففي زمن صدور هذا الحديث الشريف لم يكن هناك قبّة على قبر الإمام الحسين صلوات الله عليه ولا حرم ولا صحن.

وسأل أحد الفضلاء عن سؤال آخر, بقوله: هل يجوز تبديل النيّة في الصيام من قسم إلى قسم آخر؟

أجاب سماحته: لا يصحّ مطلقاً العدول في العبادات كالصلاة والصيام, لأن النيّة مقوّمة العبادة, وانقلاب النيّة أو تبديلها تحتاج إلى دليل خاص, ولذا لا يصحّ إلاّ في مورد له دليل خاص.

وسأل أحد الفضلاء أيضاً: هل يجوز بيع أو التبرّع بأعضاء البدن؟

قال سماحته: هذه المسألة هي محلّ خلاف منذ بعيد وإلى يومنا هذا, فبعض الفقهاء أشكل مطلقاً وقالوا بالنسبة إلى (الناس مسلّطون على أموالهم) ان له انصراف من هكذا تسلّط.

وقال بعضهم: ان (الناس مسلّطون) له إطلاق ولا يقبل الإنصراف.

لذا هذا الأمر مناط باستنباط الفقيه.

بلى بالنسبة إلى بيع الأعضاء بعد الموت فالكلام هو الكلام نفسه, ويعني أن الفقهاء الذين أشكلوا على ذلك حين الحياة قد أشكلوا عليه بعد الموت بطريق أولى, ويبدو أن الأظهر هو الجواز بالنسبة إلى بيع الأعضاء أو التبرّع بها حين الحياة وأن لا يلحق الإنسان ضرراً كبيراً بتبرّعه بالأعضاء الداخلية, وكذلك يجوز في خصوص التبرّع بالأعضاء الباطنية بعد الموت إذا كان قد أوصى المتبرّع بذلك حين حياته, طبعاً في حال موته بالكامل وليس موت دماغه فقط.

وسأل آخر: هل يجوز إلحاق الضرر بالبدن أم يحرم ذلك؟

أجاب سماحته: اختلف الفقهاء في هذه المسألة, فمثلاً: ادّعى المرحوم النراقي صاحب المستند بالشهرة وقال: لا يجوز إلاّ الضرر الذي له دليل خاص, مثل: الإجماع, والسيرة أو الارتكاز على جوازه. ولكن جماعة من الفقهاء المتأخّرين صرّحوا عكس ذلك وقالوا: الأصل هو جواز الإضرار بالبدن إلاّ ما خرج بالدليل, وبناء على المشهور أخرجوا ثلاثة موارد فقط من جواز الإضرار بالبدن, وهي: الأول: قتل النفس, والثاني: قطع إحدى أعضاء البدن, أو شلّ إحدى القوى عن الفعالية, أو إحدى الحواس الخمس, والثالث: تعريض البدن للأمراض الخطيرة والصعبة كالسرطان.

وعقّب السائل نفسه بالسؤال التالي: أصيب شخص بموت الدماغ جرّاء حادثة, وقال الأطبّاء بأنه سيموت. ويوجد مريض آخر في المستشفى هو بحاجة إلى عضو, حيث تتوقف حياته عليه, فهل يجوز أخذ العضو من المصاب الأول وإعطائه للثاني كي يبقى حيّاً؟

قال سماحته: إذا قلنا ان مقتضى الاستصحاب هو: الشخص المصاب بموت الدماغ لا يزال على قيد الحياة, وهو كذلك, لأن الموت ناقص, وعليه قلنا بأنه: لا يجوز قطع العضو, فعلى القاعدة, سيكون عدم الجواز. ولكن إذا كان القلب متوقفاً عن الحياة وحصل الموت بالكامل, فلأجل إنقاذ حياة شخص آخر, يمكن أن يأخذوا عضواً من الأول, كأن يأخذوا قلبه ويعطوه للمحتاج, وهذا له حالتين: الأولى: على أن يكون الأول قد أوصى بالتبرّع بأعضائه, ففي هذه الحالة لا يوجد إشكال. والثانية: لم يوص في حياته, ففي هذه الحالة لا يجوز ويحتاج إلى الاستفادة من الأهمية الملزمة التي يقال بها, ولكن المسألة بحاجة إلى التأمّل.

وسأل أحد الفضلاء: ما المقصود من الطعام في الآية الكريمة التالية: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم)؟

أجاب سماحته: الطعام في الأصل يعني الحنطة والشعير. وهكذا عرّفوا معناه في كتب اللغة, فلذا المتبادر الأولي من الطعام هو هذا المعنى, وهناك قرينة أقوى من هذا التبادر يلزم أن يتعدّى إلى غير الحنطة والشعير. علماً بأنه إذا كان لحدّ الآن في العراق يقال قبال السؤال عن مكان (بيّاع الطعام) فإنهم يرشدون السائل إلى بائعي الحنطة والشعير, وليس إلى أصحاب المطاعم وماشابه ذلك.

وسأل آخر: أيّ مرض يجيز الإفطار؟

قال سماحته: في الرواية الشريفة أنه سئل الإمام صلوات الله عليه: (ما حدّ المرض الذي يجب معه الإفطار؟) قال صلوات الله عليه: بل الإنسان على نفسه بصيرة, إن وجد ضعفاً فليُفطر وإن وجد قوّة فليصم. مع ان الآية الشريفة: (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر) لها إطلاق, ولكن الإمام صلوات الله عليه قد فصّل المسألة. إذاً فكل مرض لا يجوّز الإفطار بسببه, بل هو على قسمين: أحياناً تبديل الموضوع عرفاً, وأحياناً ليس تبديل الموضوع عرفاً.

وسأل أحد الفضلاء عن الارتكاز والإجماع, قائلاً: ما هو فرق الإرتكاز والإجماع, وماهو دليل إرتكاز الحجيّة؟

أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله, بقوله: الارتكاز مرتبط بالمتشرّعة والمتديّنين, أعم من العالم والجاهل, أما الإجماع فهو خاص بالفقهاء والعلماء. ودليل ارتكاز المتشرّعة هو الكاشفية العقلائية من حكم الشرع. وطريق إلى الحكم الشرعي.

وخلاصة: ظاهراً لا خلاف في كبرى الارتكاز والإجماع على حجيّته, بلى إن كان هناك خلاف فهو في صغراه بأنه هل هل يوجد ارتكاز أم لا؟

 

 

 

 


www.s-alshirazi.com‏