الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (8)




 

موقع الإمام الشيرازي

في جلسة هذه الليلة (الثامن من شهر رمضان المبارك 1434 للهجرة) أخذ موضوع الفحص في الشبهات الموضوعية مجالاً كبيراً للمباحثة والمناقشة بين المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, والعلماء والفضلاء. حيث سأل أحدهم:

هل يستفاد من رواية عبد الصمد (أيّما امرئ ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه) الأصل العملي ـ وهو البراءة ـ, وإذا كان كذلك فكيف ستكون مسألة الفحص؟ لأن لازمه هو أن يكون الإمام صلوات الله عليه قد قال البراءة جارية بدون فحص. ولذا يبدو أن نقول ان هذه الرواية تريد بيان القاعدة الفقهية.

قال سماحته: متى ما كان الموضوع للحكم الشرعي هو الجهل, فالأصل عملي. ومتى ما كان الموضوع: أمر خارجي في ظرف الجهل, فهو قاعدة فقهية أو امارة. في هذه الرواية موضوع ومحمول. فالمحمول والحكم لا شيء عليه, والموضوع: ارتكاب الأمر بجهالة. إذاً الموضوع هو الجهل, ولذا يحتاج إلى بيان الأصل العملي, ورواية عبد الصمد عيناً هي المعنى والمراد نفسه في رواية رفع ما لا يعلمون.

وأما مسألة الفحص, فلم يوجد في الرواية أنه عليه أن يفحص أو لا؟ ولكن عندنا دليل خارجي كالإجماع, أو اعتبار العقلاء, أو الانصراف حيث لا يلزم للفحص. بلى الجاهل غير الملتفت لا يجب عليه الفحص, وأما الملتفت كالفقيه, فعليه أن يفحص. إذاً مع ان لفظ الرواية مطلق ولكن الحكميّة في الشبهات هو الإجماع وهذا ليس إطلاق المراد ويجب الفحص. وأما في الشبهات الموضوعية رغم ان الشيخ الأنصاري يدّعي الإجماع بأنه لا يلزم الفحص ولكن غريب منه هذا الإدّعاء. لأنه صرّح أساتذة الشيخ وأساتذة أساتذته بأنه يجب الفحص في الشبهات الموضوعية. في الخمس, والزكاة, والحجّ, والمعاملات, وغيرها. والشيخ قد قال كراراً بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. بلى لا يجب الفحص في ثلاثة موارد فقط لجهة الدليل الخاص, وهي: 1ـ الطهارة والنجاسة, و2ـ الحليّة والحرمة, و3ـ النكاح.

وسأل السائل نفسه: تقول رواية عبد الصمد: ركب امراً بجهالة, وهي بصيغة الماضي, فهل تشمل هذه الرواية من يريد أن يرتكب أيضاً أم لا؟

أجاب سماحته: جاء المطلب التالي في المغني والمطوّل بأنه أحياناً يساق الكلام بنحو صيغة الماضي, ولكن مراد القضية حقيقية, وضرب في المغني على ذلك مثالاً بهذه الجملة: جاء زيد ومعه صقرٌ صائداً به غداً.

في الرواية التي فيها: ركب امراً بجهالة, فـ(ركب) لا خصوصية له, ويعني: لا يوجد في الرواية ظهور في الاختصاص, ويشمل (يريد أن يرتكب) أيضاً.

وعقّب آخر بالسؤال التالي: ما المراد من (لا شيء عليه) في رواية عبد الصمد؟ إذا كان المراد هو التكليف مرفوع عنه, فهذا يتنافى مع المطلب المتسالم عليه بأن الأحكام بين العالم والجاهل مشتركة؟

قال سماحته: المراد من (لا شيء) رفع تنجّز التكليف, يعني: التكليف في حقّه ليس منجّزاً, وبعبارة أخرى: (لا شيء عليه) هي في معنى هذا المعنى: (رفع ما لايعلمون), فالكلام هنا هو الكلام نفسه هناك, حيث أن بعضهم في (رفع ما لا يعلمون) قالوا: رفع الحكم تكليفي فقط. وبعض استفاد استفادة أعمّ للإطلاق وقالوا: يشمل الحكم الوضعي أيضاً. فإذا قيل رفع التكليف مقابل الوضع فإنه يعني القول: الحكم الوضعي غير مرتفع.

وسأل أحد من الفضلاء: إذا اختلفت الأعراف في قيمة الأموال, فما هو الملاك في حساب الخمس؟

أجاب سماحته: ذكر صاحب العروة في الخمس مسألة, إما لا خلاف فيها أو يندر ذلك, وهي: ان الشخص صاحب المال هو الملاك في الخمس والزكاة وبشكل عام في الحقوق الشرعية. فهذا الشخص الذي عنده أملاكاً عديدة في أماكن مختلفة, مثل قطعة أرض في إيران, ومحلّ في العراق, ومنزل في سوريا, باعتبار انه شخص واحد مالكاً لهذه الأملاك, ويقول دليل الخمس: (ما أفاد الناس من قليل أو كثير), أو: (هي والله الإفادة يوماً بيوم). إذاً عرّفوا موضوع الخمس بـ(الفائدة), أي الفائدة العرفية, وظاهراً الفائدة العرفية تحسب وفق العملة المتداولة في ذلك المكان. ولذا على هذا المالك أن يحسب قطعة الأرض في إيران بالتومان, والمحلّ بالعراق بالدينار, والمنزل في سوريا بالليرة, ويحصل على قيمتها من حيث المجموع ويخرّج أخماسها, ويسدّدها.

وسأل آخر: جاءت كلمة (والمقيمين) في الآية الكريمة: (والمقيمين الصلاة) منصوبة مع أن القاعدة هي أن تكون مرفوعة, فما وجه ذلك؟

قال سماحته:هذا نوع من البلاغة ومن باب الاختصاص, يعني: أخصّ المقيمين. مثل الشعر الذي نظّمه ابن مالك وهو: (نحن العُربَ أسخى من بذل). علماً بأن هناك وجوهاً أخرى, لكن هذا الوجه هو الأبلغ والأجمل.

وسأل أحد الفضلاء, قائلاً: شخص يعلم بأنه مديون مائة دينار, لكنه لا يعلم هل انه استدان هذا المبلغ من حسن أم من حسين, وهذان الأخيران قد نسيا ذلك أيضاً, فما تكليفه؟

أجاب سماحته: في الأموال إذا حصلت شبهة في أيّ مورد, سواء كانت حكمية أو موضوعية, إما يعمل بالقرعة أو بقاعدة العدل والإنصاف. فصاحب العروة في مكان من الفروع المتشابهة قال بقاعدة العدل والإنصاف, طبعاً ليس بهذا اللفظ ولكن المطلب نفسه, وقال بالقرعة في مكان آخر. ويتمسّك صاحب الجواهر بقاعدة العدل والإنصاف كثيراً, حيث يبدو هذا هو الصحيح. ويستفاد من كم رواية وردت في كم من الجزئي المختلف كجملة (درهمي الوَدَعي) يستفاد قاعدة العدل والإنصاف.

وسأل أحد الفضلاء حول الشكّ في الخمس, وقال: ما حكم شخص شكّ أن الخمس قد تعلّق به أو لا؟

أجاب سماحته: هذا أحد موارد الشبهة الموضوعية ويستلزم الفحص. ويجب أن نعلم بأنه أحياناً يشكّ الشخص بأنه هل تعلّق به الخمس أم لا فعليه أن يفحص, وأحياناً يشكّ بأن هذا المورد الخاص, مثلاً: الهدية هل فيها الخمس أم لا؟ وهذا يرجع إلى الفقيه الذي عليه أن يستنبط الحكم من الأدلّة. ولذا قال بعض الفقهاء في الهدية: يتعلّق بها الخمس, وهذا هو المشهور والمنصور, وبعضهم قال بعدم تعلّق الخمس بالهدية. هنا إذا شكّ الفقيه وما استطاع أن يستفيد شيئاً من الدليل, بأن الأصل هو الخمس, أو الأصل عدم الخمس, فكما صرّح صاحب العروة بأن: الأصل عدم الخمس.

وأضاف سماحة المرجع الشيرازي: إذا شكّ الفقيه في التكليف في أيّ مكان, فالأصل هو العدم بعد الفحص واليأس, وفي الخمس هذه هي القاعدة. ولكن يستفاد من الآية الكريمة (فأن لله خمسه) ومن بعض الروايات أن الأصل الأولى في الأشياء هو الخمس إلاّ ماخرج.

مثل ما جاء في رواية (مضمونها) أن أحد الأشخاص قال للإمام صلوات الله عليه: حملت إليكم خمس أموالي وأريد أن أقدّمها لكم؟ فقال الإمام صلوات الله عليه: هل لنا خمس الأموال فقط؟ ويعني قول الإمام بأنّ: كل الأموال لنا, ففهم الشخص المذكور هذا المعنى وقال: ياابن رسول الله أموالي كلّها لكم. فقال الإمام صلوات الله عليه: كلا, وهبنا الأربعة من الخمس إلى المؤمنين.

إذاً الاستثناء بحاجة إلى دليل ومؤيّد أيضاً. في جامع أحاديث الشيعة رواية نبوية شريفة أخذ فيها النبيّ صلى الله عليه وآله العهد من مثل سلمان, وأبي ذر, وعمّار وغيرهم وبيّن فيها شرائع الإسلام ومنها الخمس حيث قال صلى الله عليه وآله: والخمس في كل ما يملكه أحد من الناس, حيث عرّف فيه وجوب الخمس. علماً بأن سند الرواية غير معتبر, ولذا يمكن أن تكون بعنوان مؤيّد.

وسأل آخر: ورد في الروايات مسألة التيمّم بدلاً عن الغسل بالنسبة للصلاة فقط, ولم يرد مثله في الصوم, فكيف قال الفقهاء بذلك في الصوم؟

أجاب سماحته: بعض الرويات لها إطلاق, ومعمول بها, مثل: (التراب أحد الطهورين), ومثل: (يكفيك عشر سنين), أو رواية: (ربّ الصعيد ربّ الماء).

وسأل أحد الفضلاء: شخص أفطر طبقاً للساعة المذكورة للأذان في المفكّرة, بعدها تبيّن أنه لم يك صحيحاً, فهل عليه القضاء؟

أجاب دام ظله: بناء على قولنا بأنه إذا تفحّص فلا قضاء عليه, وهذا مصداق من الفحص.

 

 


www.s-alshirazi.com‏