الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (15)




 

موقع الإمام الشيرازي

تعريب: علاء كاظم

في هذه جلسة هذه الليلة (مساء يوم الخامس عشر من شهر رمضان 1434 للهجرة) كان مما ناقشه وباحثه الفضلاء مع المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، أنه سأله أحد الفضلاء: إذا نسي المصلّي جزءاً من الصلاة (عدا الأجزاء المستثناة) وتذكّر وسط الصلاة، فهل يشمله (لا تعاد)؟

أجاب سماحته: القدر المتيقّن من (لا تعاد) هو النسيان، وفي مورد الجهل هناك اختلاف بين الفقهاء بأنه هل (لا تعاد) يشمل الجهل التقصيري أم الجهل القصوري فقط. هنا لا فرق سواء تذكّر في وسط الصلاة أو بعدها، لأنه له إطلاق.

وعقّب السائل نفسه بسؤال آخر هو: إذا تذكّر المصلّي أنه لم يأتي بجزء من الصلاة، فبلحاظ اللغة ولسان العرب لا يمكن أن يقال إعادة وعدم إعادة، بل يقال الاستئناف، أي البداية من الأول، وعدم الاستئناف، لأنه باللغة يقال إعادة إذا تمّ العمله كله وليس وهو في وسطه؟

قال سماحته: لا تعاد لها إطلاق ويشمل الاثنين أي مورد الاتمام ومورد السؤال، لأنه من الصحيح أن يقال لهكذا شخص لا تعيد وليس من الخطأ، علماً بأن كلمة استئناف يأنس بها الذهن أكثر، ولكن هذا لا يكون سبباً في ان الإعادة وعدم الإعادة ليست صحيحة بالنسبة لهذا الشخص. وعلى فرض ان اللغة قد فرّقت بينهما، لكن لا فرق في العرف، ويقدّم العرف على اللغة في هكذا موارد.

مثلاً: المصلّي الذي ينسى ركوعه ويتذكّر في الركعة التالية، ولجهة أنه لا يعرف الحكم الشرعي يكمل صلاته، فيصدق الإعادة على هكذا شخص. يعني: ان نسيان جزء من الأجزاء الركنية للصلاة تكون سبباً للإعادة، ولا فرق إن كان قد تذكّر وسط الصلاة أو بعدها.

وسأل آخر: هل المقصود من العرف هو: العرف في زماننا أم في زمن المعصومين صلوات الله عليهم؟

أجاب سماحته: المقصود هو: عرف الزمان الحالي الكاشف عن العرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم. مثل حجّية الظواهر التي نستظهرها نحن وهذا يكشف عن عرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم. إلاّ إذا يوجد دليل يثبت لنا الفرق أو تفاوت عرف زماننا عن عرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم، وإلاّ حتى في حالة الشكّ لا يثبت تفاوف هذين العرفين.

وأضاف السائل بسؤال آخر بقوله: كيف يثبت ان عرف زماننا لا يختلف عن عرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم؟ هل يثبت بالاستصحاب القهقرائي؟

أجاب سماحته: كلا. بل يثبت بالأصل العقلائي، فالأصل هو عدم التبدّل وانه لو كان لبان، لأنه إن كان قد حصل تبدّل، فيظهر. أما الأصل العقلائي يثبت عدّم التبدّل وليس الأصل العقلي.

وسأل السائل نفسه أيضاً: جعلت اللغة الفرق بين الاستئناف والإعادة، فهل هذا دليل وكاشف عن ان العرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم يختلف عن عرفنا اليوم؟

أجاب سماحته: بما ان اللغة هي من طرق الكشف لكن العرف كاشف أقوى. ولذا صرّح جماعة من الفقهاء أنه إذا اختلفت اللغة مع العرف، فالعرف هو المقدّم بدليل الأصل العقلائي وعدم التبدّل وعدم التغيّر. وبالنتيجة يحتاج اختلاف عرف اليوم عن العرف زمن المعصومين صلوات الله عليهم إلى إحراز، وينتفي الشكّ بوجود الأصل العقلائي في عدم التبدّل، ولهذا السبب نرى عدم ذكر الفقهاء لهذه المسألة في كتبهم، بل قالوا في مسلّميتها وتسالموا عليها، إلاّ في موارد معدودة حيث طرحوا هذه المسألة وبحثوها.

خلاصة: عادة لا يرجع الفقهاء إلى اللغة إلاّ في موارد الاختلاف أو الإجمال. ولذا نراهم انهم يستندون على مئات ومئات الموارد من الآيات والأحاديث، ويرجعون إلى اللغة في موارد قليلة. فمثلاً: في الجواهر يستظهر آلاف الموارد، ويستند إلى اللغة في موارد قليلة تكون إجمالية أو مورد اختلاف فقط.

وسأل أحد الفضلاء: لماذا القرعة مبهمة وهي إحدى القواعد الفقهية وهناك أدلّة كثيرة عليها ومطروحة في أبواب مختلفة من الفقه، فلماذا طرحت بشكل إجمالي، ولم تأخذ نصيباً من البحث الوافي والمفصّل؟

أجاب سماحته: من أدلّة القرعة الآية الكريمة التالية: «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ»، وكذلك روايات عديدة وبعضها معتبرة ومن الطرق الكاشفة، لكن فيها إشكال يمنع من جريانها، وقد علم بهذا الإشكال الفقهاء الأجلاّء من زمن الشيخ المفيد رحمه الله إلى يومنا هذا. ولذا نرى في الجواهر وهو كتاب مفصّل انه يذكر اسم القرعة في عدد من الموارد فقط، لأنه إذا أردنا أن نستفاد بالقرعة في أيّ أمر مشكل ومشتبه به ونتمسّك بالقرعة فهنا نقول على الامارات والأصول العملية السلام! وحتى إذا أردنا أن نستثني الامارات والأصول العملية من القرعة فلا شيء يبقى بالقرعة.

إنّ الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم قد سُئلوا كثيراً، والروايات بهذا المجال كثيرة وبين أيدينا، نرى انهم صلوات الله عليهم في المئات والمئات من تلك الأسئلة أشاروا إلى القرعة في موارد محدودة فقط. مع ان الأمور المشتبه والمشكلة يمكن أن تكون مصداقاً للقرعة. فإذا أردنا أن نعمل بتعميم القرعة فالمانع هو الإشكال الذي ذكرناه آنفاً، لأنه علينا أن ندع الامارات والأصول العملية جانباً وهذا مسلّم البطلان. ولذا قال الفقهاء بالنسبة للقرعة انه: في الموارد التي عملوا فيها بالقرعة نحن نعمل أيضاً، ولكن لا يمكن العمل بالقرعة في غير تلك الموارد، بمعنى ومبنى ان عمل الفقهاء جابر، وتركهم العمل بها موهنة للرواية الصحيحة.

خلاصة: هناك دليل خاص انه في بعض الموارد بشرط عدم الإعراض وفي الموارد التي عمل بها الفقهاء نحن أيضاً يمكننا العمل بالقرعة. ولهذا نرى ان صاحب العروة قال بالقرعة في عدد من الموارد، ولكن في نظير تلك المسألة وبلا أي فارق نرى أنه لم يقل بالقرعة، بل قال بالعدل والإنصاف والتنصيف. علماً بأن بعض الفقهاء بحثوا وبشكل مفصّل في القرعة وجمعوا رواياتها وهي قرابة (30) أو أكثر، وبحثوها، وخلاصة بحوثهم هو المطلب الذي أشرنا إليه آنفاً.

وسأل أحد الفضلاء: إذا حصل اختلاف في السعر بين البائع والمشتري، وقال البائع: بعت هذه السيارة بعشرة ملايين دينار وقال المشتري اشتريت السيارة بثمانية ملايين دينار، فما يجب عمله هنا؟

أجاب سماحته: يجب الرجوع إلى القاضي في الموارد التي يحصل فيها التداعي، لكي يحكم فيها على أساس القرائن والقسم والبيّنة والقسم المردود. علماً بأنه لا يلزم أن يكون التداعي دقيقاً جدّاً بل يكفي أنه يكون تداعياً عرفياً. ولذا قال المرحوم الأغا رضا الهمداني: أحياناً في الأقلّ والأكثر يكون تداعياً عرفاً، رغم انه وبالدّقة ليس تداعياً، والتداعي العرفي يكفي. علماً بأنه إذا وصل إلى التحالف فكما قال صاحب الجواهر طبقاً للرأي المختار تجري قاعدة العدل والإنصاف، أي ينصّف المبلغ أو السعر المتخالف عليه. بلى إذا كان من الأقل أو الأكثر وليس تداعياً، فهنا المسألة هي مدّع ومنكر، ولكن على أية حال البيع صحيح.

وسأل آخر: امرأة نسيت غسل الحيض وصامت عدّة أيّام ثم تذكّرت بأنها متيقنة من انها لم تغتسل وصامت اليومين الأول والثاني، ولكن بالنسبة لليوم الثالث فإنها تشكّ هل اغتسلت غسل الحيض أو على المبنى الغسل الرافع للحدث، وهل يصحّ صومها اليوم الثالث، أم انها لم تغتسل، فما حكم صومها في اليوم الثالث؟

أجاب سماحته: صومها في اليوم الثالث صحيح، لأنه لا مانع من إجراء قاعدة الفراغ بالنسبة لليوم الثالث، مع ان الاستصحاب هنا يثبت الحيض، ولكن قالوا بقاعدة الفراغ في الموارد التي فيها استصحاب. ولهذا إذا شكّ الشخص في جزء أو شرط أو أصل الشيء فالاستصحاب يثبت عدمه، ولكن لأجل قاعدة الفراغ يثبت جزء أو شرط أو أصل الشيء ولا يجري الاستصحاب حتى إن قلنا بأن الأستصحاب أصل تنزيلي وأن قاعدة الفراغ أصل عملي، لأن قاعدة الفراغ في مورد الاستصحاب هي العدم. وطبعاً وفق رأي المرحوم كاشف الغطاء ونجله انه يصحّ صيامها في الأيام التالية ولا مشكلة فيها. وقد قال المرحوم أخي في موسوعته الفقهية بمثل ما قال كاشف الغطاء ولكن كان عنده تأمّل. علماً بأنه هنا مسألة وهي: هل ان قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدتين منفصلتين أم قاعدة واحدة؟ ولا مانع من أن نعتبرهما قاعدتين كما قال جماعة من الفقهاء.

وسأل أحد الفضلاء: هناك معاملة صارت متعارفة في العقود الأخيرة بالأخصّ في المناطق السياحية والترفيهية باسم (البيع الزماني)، وهو بهذه الصورة، مثلاً: يبيعون ملكاً لإثني عشر شخصاً، على أن يكون الشخص الأول له حقّ الملكية في الشهر الأول فقط, والشخص الثاني له حقّ الملكية في الشهر الثاني فقط, وهكذا وبهذا الترتيب بالنسبة لباقي الأشخاص العشرة, أي كل شخص منهم يحقّ له التصرّف في شهر معيّن بالسنة فقط. فما تقولون سماحتكم بهذا الخصوص؟

أجاب سماحته: لا يوجد عندنا في المعاملات بيع بهذا العنوان، أي البيع الزماني. ولكن، إن كان هذا البيع بشكل انه موضوع ومصداق الشراكة، وتنطبق عليه أحكام وعنوان الشراكة فلا إشكال فيه وصحيح. مثلاً: كلّهم يكونون مالكين على نحو المشاع لكنهم شرطوا أن تصرّف كل شخص يكون محدّداً في شهر معيّن. وإلاّ وكما قلنا لا يوجد عندنا بيع باسم الزماني بأن يكون الشخص الأول هو المالك في الشهر الأول فقط, ولا يكون مالكاً في الشهر الثاني بل المالك هو الثاني.

وسأل السائل نفسه أيضاً: هل يصحّ إذا كانت المعاملة الزمانية بنحو المصالحة؟

قال سماحته: هذا مشكل، لأنه هنا يوجد أثر من انتقال الملكية، ولا يوجد عندنا في المعاملات بهذا النحو من الملكية، إلاّ إذا يتجرّأ أحد الفقهاء ويقول بصحّة كل العقود الجديدة حتى العقد المذكور آنفاً، لكنه مشكل جدّاً مع اننا نقبل أصل تصحيح العقود الجديدة بشرطين: الأول: أن تكون عقلائية، والثاني: أن لا تكون مصداق المعاملات المنهي عنها أمثال الكالي بالكالي، والبيع الربوي والبيع الغرري. ولكن ليس بهذه الوسعة، لأن الملكية لم تكن مطلق السلطنة كي تتوافق وتتلاءم مع الملك المقيّد، بل الملكية هي: السلطنة المطلقة وغير قابلة للتقييد والتحديد. وحتى في ارتكاز العقلاء أن الملكية سلطنة مطلقة. بلى يوجد مطلق السلطنة في الإجارة، والصلح، والعارية وما شابه ذلك، وليس في الملك.

خلاصة: البيع الزماني خلاف مقتضى البيع وليس خلاف مقتضى إطلاق البيع.

وسأل آخر: شخص يعلم بأنه أثناء أدائه الصلاة من المقرّر أن يأتيه ضيف, وهو الذي عليه أن يفتح باب البيت، فهل هذا فيه منافات مع الصلاة ونيّة الصلاة؟

أجاب سماحته: لهذه المسألة حالتين: الأولى: ان هذا الشخص وقبل البدء بالصلاة يقصد أنه يقطع صلاته بمجيء الضيف أو انه يشكّ باحتمال قطع الصلاة. فهنا صلاته غير صحيحة.

الثانية: أنه ينوي من الأول بأنه يستمر في صلاته ويتمّها ولكن إذا حصل مجوّزاً شرعياً أثناء الصلاة لقطع الصلاة فيقول بأنني سأختار قطع الصلاة. فهنا الصلاة صحيحة ولا إشكال فيها.

لكن لماذا لم تكن الصلاة صحيحة في الحالة الأولى، فهي لجهة انها: لها منافاة مع نيّة واستمرار حكم الصلاة. فالعلاّمة الحلّي قال بأنه من شرائط الصلاة استمرار حكمها، وهذا ما قال به باقي الفقهاء أيضاً. علماً بأن هذا البحث لا يختصّ بالصلاة الواجبة فقط بل يأتي حتى في الصلوات المستحبّة، بأن الإنسان يمكنه أن يقطع الصلاة المستحبّة حتى في غير الاضطرار.

إذاً مع ان صاحب الجواهر عنده إشكال وتأمّل في هذه المسألة، ولكن طبقاً للرأي المشهور بأنه يمكن للإنسان في الصلاة المستحبّة أن ينوي بأنه يتمّم الصلاة ولكن إذا حصل مقتضى لقطع الصلاة فسأستفيد من هذا الجواز وأقطع صلاتي.

إنّ مثل هذه المسألة كانت محلّ ابتلاء في بعض المناسبات في الحرم الطاهر لمولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه، بهذا النحو أنه: إذا أراد الإنسان أن يصلّي عند مقام الرأس الشريف فمن الممكن ان تزحف نحوه مجاميع من الناس ويخلّون بصلاته، فهل يجوز لهذا الشخص أن يصلّي في المكان المذكور؟ فأشكل بعض الفقهاء ولعل والدي قال: مع احتمال وجود هذا الجمع من الناس، إذا صلّى الشخص وجاء الناس فيختار قطع الصلاة. أي ان سماحته لم يشكل على البدء بالصلاة. كما أنه من الممكن أن لا يقطع صلاته ويصمد ويستمر في صلاته. والسبب هو انه لا ينبغي له أن ينوي قطع الصلاة في بدئه الصلاة. وقد قال العلماء، وهو متسالم عليه، ان مقتضى عبادية العبادة هو: أن ينوي الإنسان البدء بالصلاة وإتمامها، أي يكون عنده قصد الاستمرار والإتمام، وليس أن يبدأ بالصلاة ولا يكون عنده قصد الإتمام أو أنه لا يدري بأنه يتمّها أو لا.

وخلاصة: يستفاد من الأدلّة ان مقتضى عبادية العبادة استمرار حكمها، ولا فرق في ذلك بين الصلاة الواجبة أو المستحبّة والغسل والوضوء وباقي العبادات. فبعض من الفقهاء أشكل الإشكال نفسه في صلاة الجماعة: في حال إذا نوى الشخص من بداية الصلاة أن يصلّي ركعتين فقط من صلاته جماعة, يصلّي باقي الركعات فرادى. ولكن إذا صمّم في وسط صلاة الجماعة على تبديل الصلاة إلى فرادى فلا إشكال فيه.

وسأل أحد الفضلاء: إذا كان عزمه في بداية الصلاة على إتمام الصلاة ولكن أثناء الصلاة تردّد في إتمام الصلاة، وبعد تفكيره صمّم على الإتمام، ويؤدّي ما تبقّى من الصلاة، فهل صلاته صحيحة؟

أجاب دام ظله: إذا لم يؤدّي شيئاً من الصلاة حين تردّده أو لم يقرأ القراءة الواجبة أو الذكر فصلاته صحيحة، لأنه لا دليل على ان كل آنات الصلاة هي جزء الصلاة، حتى الآنات بين الأذكار والأفعال, كي يعتبر الترديد في بعض من الآنات بأنه مخلّ بالصلاة.

بلى هناك بعض الأمور لو حدثت حتى بين الأذكار والأفعال فإنها تبطل الصلاة، مثل: الإعراض عن القبلة, والحدث، والقهقهة وأمثال ذلك. ولكن لا دليل على ان نيّة وإرادة المصلّي يجب الحفاظ عليها في كل الآنات. نعم في الصوم استنتج العلماء انه يجب أن تكون كل الآنات تحت النيّة، وفي هذا المجال يختلف الصوم عن الصلاة، ولذا من النادر أن تجد من الفقهاء من يقول بأن نيّة القطع أو القاطع لا يبطل الصوم.

 


www.s-alshirazi.com