
|
الشهيد الشيرازي .. في ذكرى رحيله |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي
بين ثنايا المشهد الزينبي الشامخ وربوع الشام الزاهرة .. وفي رحاب قم المشرفة بمرقدها الفاطمي الطاهر الزاكي .. وبين حرمي كربلاء الثورة والإباء والحرية والشهادة .. وعلى ضفاف نجف الكبرياء والمجد والعدالة.. ومولده عند الضريح العلوي المقدس .. بين كل ذلك (شهيدنا الشيرازي) وآثاره، وخلود ذكراه في وجدان علماء، ومداد مفكرين، وضمائر مصلحين، وصرخات مستضعفين، وآهات محرومين، ورايات أحرار. سفره حافل بالعلم والعمل، والفقه والفكر، والنقد والتجديد، والتأصيل والتنوير، والبناء والتأسيس، والمواقف والمواجهة والإنجاز. سفر انطلق من كربلاء الإنسان والنهضة والشهادة، وأشرق بإنجازات رائدة، وختم دامياً بذكرى مازات حاضرة ومسك الشهادة وخلودها. سفر تعددت محطاته، الفكرية والجغرافية، فأنتج موسوعة وكتباً، ومن مؤلفاته: (موسوعة الكلمة 26 جزءاً)، (خواطري عن القرآن 3 أجزاء)، (حديث رمضان)، (العمل الأدبي)، (الأدب الموجه)، (منابع الكلمة)، (التوجيه الديني)، (الاقتصاد الإسلامي)، (الشعائر الحسينية)، (الاشتقاق)، (حكم متنوعة). لم يبعده نبوغه الفقهي، ودراساته التاريخية، وتنقيباته التراثية، واهتمامه التوثيقي الحديثي الموسوعي عن ولوج فضاءات الفكر الإنساني المترامية الأطراف، فانطلقت رسالته من العقيدة، وتمحورت حول الإنسان، راسماً طريق الخلاص (الإيمان - الحرية - العلم - الأخلاق - الإتقان)، فحمل رسالته من أجل الإنسان والحياة، حتى مضى إلى الله شهيداً. هاجر من بلد الى بلد، ومن قارة إلى أخرى، فأسس وفتح وشيد وأنجز، ودعا وأبلغ وحاور، وهدى وغيَّر وأصلح، وقارع وجاهد وانتصر. فقد امتاز الشهيد الشيرازي بقوة الشخصية والاعتزاز بالنفس الذي أوجبه الله على عباده المؤمنين. كما عرف بقوة عزيمته، وصلابة إرادته، حيث كان يمضي نحو أهدافه لا يعيقه عائق، ولا يمنعه مانع من نفسه أو من غيره. هاجر ليكرّس دعائم، في هذا البلد وذاك، فكر وثقافة وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وليدافع - بكل ما أوتي من عزم وقوة - عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وكان حينها الملايين منهم محرومين ومهجرين ومشردين وتلاحقهم أجهزة طغاة ومستبدين وعتاة وظالمين. فكانت مساعيه دؤوبة في إغاثة المظلومين والملهوفين, ونصرة المستضعفين والمعذبين, الأمر الذي أعطى للشهيد حسن الشيرازي بعداً إنسانياً سامياً ووجوداً علمائياً نبيلاً وحضوراً وجدانياً سامقاً. في كربلاء، عند الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، وفي كل عام، كان له موعد كبير، مع جمهور نخبوي كبير من شتى بقاع العالم، للاحتفاء بمولد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي كل مرة، كان يقول بصيغ متنوعة، (إن علياً بلغ مرتبته الرفيعة، لأنه كان مسلماً يطبق أحكام الإسلام، علي (عليه السلام) لم يكن إلا مسلماً طبّق الإسلام على نفسه، فأصبح عليّ العصور، وإمام الخالدين). ولأنه (قده) كان مقتدياً بالمعصومين (عليهم السلام) فقد كان دائباً على حث الناس على الاقتداء فيقول: (من يعترف بعظمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يجب أن يعيش كما عاش (عليه السلام)، سعيداً مجيداً، ويموت كما مات (عليه السلام) شهيداً للعدل والدين). ولو لم يكن (قده) صارم الاقتداء بالإمام أمير المؤمنين (عليهم السلام) لم يكن ليحظى بالتأييد الإلهي في مواجهته المدوية للديكتاتورية السياسية والتكفيرية الدينية، وإنجاز ما عجز عنه غيره، فأنجز الله به فتحاً حسينياً خالداً، فأسمع العالم مظلومية سيد الشهداء (عليهم السلام) - لأول مرة - بصوت الخطيب الخالد الشيخ عبد الزهرة الكعبي (رحمه الله)، من وسط بغداد إبان حكم الطاغوت. وأيضاً، وبعد معوقات وتهديدات أتم الله على يديه في الشام فتحاً زينبياً عظيماً، حيث تأسست أول حوزة علمية على أرض السيدتين المقدستين الحوراء زينب والشهيدة رقية (عليهما السلام). وكاد أن يبدأ بإزالة ركام التكفيريين عن أضرحة البقيع الشريفة والشروع بإعمارها لولا كيد الأنانيين والعبثيين. كان (قده) يحب الشعر، وكان أحد وسائله في صراعه مع أنظمة الاستبداد ومناهج الظلام، ويرى أن "الشعر منطلق الشيعي، طالما له نزيف ساخن" تفجر في رزية الخميس، وتدفق عند أعتاب باب بيت بنت النبي الأعظم، والى اليوم، وما زال نزيف دماء الولاء يتدفق هنا وهناك بسيارات مفخخة وأجساد انتحاريين، وبلطجية ممالك القمع والتكفير، وعتاة دول الخوف والطغيان، وما زالت الدماء تصبر وتنتصر. في 16/جمادى الآخرة/1400هـ كان الشهيد الشيرازي يؤبن الشهيد الصدر، وكأن المؤبن يؤبن نفسه، فقد كانت رصاصات الغدر والطغيان تتربص به في إحدى شوارع بيروت، وكأنه يحيي ذكراه قبل أن يكون ذكرى ويتوفاه الله شهيداً، فخاطب الحاضرين قائلاً: "علينا أن نفهم حقيقة الموت، وعلينا أن نفهم حقيقة الحياة، ثم نأتي لمحاسبة أنفسنا، هل نحن من الأحياء أم إننا من الأموات؟ أنتم جميعاً عندما اجتمعتم هنا، لماذا اجتمعتم، أي قوة جمعتكم هنا، هل أن ميتاً جمعكم هنا، أم أن إرادة حية قد جمعتكم؟ الميت المدرج في الأكفان في بطن الأرض لا يستطيع أن يحرك الأحياء، لا بد أن الذي جمعنا في هذا المكان حي تتفاعل إرادته معنا، وتعمل معنا وفينا، تلك الإرادة الحية تقول لنا بأن فقيدنا ليس ميتاً، فإنه ما زال حياً له أثره بدليل أنه جمعنا في هذا المكان". هذا السفر العظيم، كله برسم المحتفين بالذكرى السنوية لاستشهاد الفقيه المجاهد، والعابد الزاهد، والعالم العلم، والعامل الورع، والمفكر الشهيد، آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، فآثاره مباركة ومنجزاته أمانة، وإن سيرته ليست للذكرى فقط، بل للاعتبار والاقتداء. 15/ جمادى الآخرة/ 1436 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|