تقرير الجلسات العلمية الرمضانية لسماحة المرجع الشيرازي - الليلة الثالثة




 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

تقرير: الشيخ علي الفدائي

 

الرياء في الصوم

بدأ المجلس العلمي بسؤال أحد الفضلاء عن الرياء في الصوم، وقال: هل هو مبطل حتى إذا كان للحظات قليلة؟

فأجاب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): نعم صومه باطل، لأن الصوم يتشكّل من الآنات، فهذه اللحظة لم يكن متقرّباً فيها إلى الله فلا صوم له، لأن الصوم من التكليف الارتباطي الذي يضرّه ذلك.

فالإمساك في الصوم من الفجر إلى المغرب أمر واحد مستمر فالخلل في جزء منه خلل في أصل الصوم( 1).

أما في الصلاة يختلف الأمر، فإذا قرأ شيئاً بنيّة الرياء، قال بعض الفقهاء: هذه القراءة باطلة دون الصلاة، لأن آنات الصلاة ليست صلاةً دائماً، فإذا تدارك وأعاد ما قرأه رياءً صحّت صلاته، هكذا يرى البعض، وإن خالفه آخرون وحكموا ببطلان الصلاة(2 ).

فمثلاً إذا قرأ ولا الضالين رياءً، فهذه الكلمة باطلة ويكون حمده بلا (ولا الضالين)، لكن إذا ندم وأعادها في محلّها صلاته صحيحة.

بخلاف الصوم فهو عمل واحد، أما الصلاة ليست عملاً واحداً.

 

(وهنا فرع)

إذا كان في السفر ولم يأت بمفطر ولكنه جاء بالرياء ووصل قبل الزوال إلى وطنه، فهل يكفيه هذا الصوم الذي في نهاره الرياء؟

احتمالان، من إطلاق النص في المسافر الذي لم يفطر قبل الزوال، ومن أن الرياء أسوأ من المفطرات، والعبادة مشروطة بنية القربة، فإذا كان شيئاً منها لغير الله، فكلها لغير الله، وفي الحديث قال تعالى: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان خالصا لي) (3). وقال عز ّوجلّ في حديث آخر: انا خير شريك من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له دوني) (4).

وفي الإطلاق نظر، أي في انعقاده للشك في مقدمات الحكمة.

فالصوم من الفجر إلى الليل عمل واحد ولا يكفي حسب القاعدة الا الصوم في جميع آناتها، نعم استثنى الشارع ما إذا كان مسافراً فوصل إلى وطنه قبل الزوال ولم يكن أتى بمفطر، فصحة صومه بالدليل الخاص، ولذا لا يحكم في الموارد الأخرى كمن كان مريضاً فطاب قبل الزوال، ومن بلغ قبل الزوال أو أفاق من جنونه وهكذا، فالدليل لا يشمله،

نعم إذا قال أحد بالمناط مع إحرازه فيمكنه الشمول، ولكن الأصل عدم المناط

وهذا مثل من أكل ناسياً، فحسب القاعدة لا يكون صوماً لكن الدليل حكم بصومه.

إذن القدر المتيقن من الدليل فيما خالف الأصل هو الحكم بصوم من وصل إلى وطنه وما في حكم الوطن لمن لم يأت بمفطر ولم يكن نوى الرياء قبله.

أما المسافر الذي لم يفطر ولكنه جاء بالرياء، مثلاً قال رياءً إني ممسك الآن عن المفطرات على صعوبتها لأني أريد الصوم عند وصولي قبل الزوال.

فهل إطلاق أدلة الصوم لمن وصل قبل الزوال ولم يأت بمفطر يشمل هذا المرائي؟

ليس من المعلوم شمول الإطلاق له، لشكنا في أصل الإطلاق وانعقاده، فلم تتم مقدمات الحكمة.

وحينئذ يؤخذ بالقدر المتيقن مما خالف الأصل وهو ما لم يراء قبل الزوال.

قال أحدهم هل الرياء من المفطرات؟

فأجاب سماحته: الرياء ليس بمفطر، ولكن مع الرياء لا صوم له، لأن الصوم مع الرياء ليست عبادة، الأدلة تقول الرياء يجعل العمل كلا عمل.

نعم الرياء قبل العمل وبعده لا يبطل العمل إجماعاً ( 5). وإن كان ربما يحبط ثوابه ويجعله غير مقبول، والفرق بين الصحة والقبول واضح.

أما هنا الرياء قبل الزوال، والصوم من الفجر إلى المغرب، ولكن استثنى الشارع المسافر إذا وصل قبل الزوال، فجعل اللاصوم بحكم الصوم.

لأن قبل الزوال لم يكن صائماً قطعاً لكن الشارع جعل ذلك بحكم الصوم، وإلا فليس لنا صوم في نصف النهار فقط.

من هنا أفتى صاحب العروة وجمع ببطلان صومه إذا قال أحدهم لا أصوم اليوم عصياناً، أو نوى القطع أو القاطع حتى إذا ندم قبل الزوال ولم يكن يأت بأحد المفطرات، وصحته في المسافر إذا قدم لدليل خاص.

 

الصوم في البلدان غير المتعارفة

ثم سأل أحد الفضلاء عن فتوى سماحته بالنسبة إلى الصوم في البلاد غير المتعارفة في ليلها ونهارها؟

فأجاب سماحته (دام ظله): إن هذه المسألة لم تكن مطروحة سابقاً لعدم الابتلاء بها، ولكن مبانيها مذكورة في مختلف الأبواب الفقهية، ولبيان ذلك نشير إلى أمرين:

الأول: ما يفيد لدفع الاستبعاد.

والثاني: ما يرتبط بأصل الحكم ومبانيه العلمية.

 

(إذا كان النهار أو الليل عدة أشهر)

أما الأول، فإن بيان فتاوى سائر الفقهاء على شدة ورعهم وعلمهم ودقتهم في الأشباه والنظائر الفقهية ربما يدفع الاستبعاد.

المرحوم صاحب العروة (رضوان الله عليه) يقول، وغالب العلماء لم يعلقوا على ذلك، أي قبلوا بها، وعندي ربما أكثر من أربعين تعليقة على العروة راجعتها، فغالبهم لم يستشكلوا ولم يعلقوا، بالنسبة إلى من كان في يقطن في المناطق التي يطول نهارها عدة أشهر وكذلك ليلها، كالقطب فما حكمه؟

قال في العروة: (مسألة إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر وليلة ستة أشهر‌، أو نهاره ثلاثة وليلة ستة أو نحو ذلك فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة، مخيراً بين أفراد المتوسط، وأما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد كاحتمال سقوط الصوم وكون‌ الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة، ويحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطنا فيه سابقا إن كان له بلد سابق‌) (6 ).

فإذا كان ليلهم عدة أشهر وصار شهر رمضان فيها، فهل يمكن القول بعدم تكليفه بالصوم، لأن الصوم في النهار ولا نهار فلا موضوع للصوم كما قال أحد المعلقين.

مع أن الآية المباركة تقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل‌( 7). ومن في القلب لا يتبين له الخيط الأبيض من الأسود، ولا يمكنه أن يتم صومه إلى الليل.

مع ذلك صاحب العروة ومعظم الفقهاء قالوا: عليه أن يصوم، وقالوا يصوم على البلدان المتعارفة.

إذن هناك موارد في باب الصوم، أفتى الفقهاء بالصوم حسب المتعارف من البلاد، وإن لم يطابق الفجر والليل عندهم.

هذا لنفي الاستبعاد

 

((إذا كان النهار أو الليل طويلاً بما لم يتعارف))

أما بالنسبة إلى أصل المسألة وهي البلدان التي نهارها أو ليلها أكثر من المتعارف، فما هو الحكم في صومها.

هناك كبرى كلية صرح بها الشيخ وصاحب الجواهر وأكثر العلماء ممن له تصنيف في الفقه، وفي مختلف الأبواب الفقهية، وقد استدلوا بها في الصغريات، وهي الحمل على المتعارف دون غير المتعارف.

فإذا كانت الموضوعات في النصوص الشرعية ذات مصاديق مختلفة، متعارفة وغير متعارفة، فلابد من الحمل على المتعارف لانصراف الأدلة عن غيرها.

قالوا لا إطلاق للفظ في غير المتعارف، ويمكن مراجعة مختلف الأبواب الفقهية من الطهارة والصلاة والصوم والحج والوصية والوكالة والبيع والحدود وغيرها، لمعرفة ما ذكرناه.

من أمثلة ذلك على نحو الاختصار:

1: الكر وتحديده الشرعي بالأشبار، حيث ورد 27 شبراً، أو 36 شبراً، أو 43 شبراً إلاّ ثُمن الشبر.

قالوا إن الأشبار مختلفة، فيها المتعارف وفيها غير المتعارف، لكنها منصرفة إلى المتعارف منها، فمن كان شبره صغيراً جداً يأخذ بالمتعارف حتى في كر نفسه، وكذلك من كان شبره طويلاً جداً، فعليه بالأخذ بالشبر المتعارف.

ففي الرواية: قُلْتُ: وَمَا الْكُرُّ، قَالَ (عليه السلام): ثَلاثَةُ أَشْبَارٍ فِي ثَلاثَةِ أَشْبَارٍ) (8).

وفي رواية: قال الراوي: قُلْتُ: وَكَمِ الْكُرُّ، قَالَ: ثَلاثَةُ أَشْبَارٍ وَنِصْفٌ عُمْقُهَا، فِي ثَلاثَةِ أَشْبَارٍ وَنِصْفٍ عَرْضِهَا )(9).

فالشارع حدّد الكرّ بالأشبار، لكن لا يؤخذ بإطلاق كلامه في غير المتعارف، بل الإطلاق منصرف إلى المتعارف من المصاديق.

2: حدّ الترخص، حيث ورد إنه بخفاء الجدران وصوت الأذان.

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): الرَّجُلُ يُرِيدُ السَّفَرَ مَتَى يُقَصِّرُ، قَالَ: إِذَا تَوَارَى مِنَ الْبُيُوت) (10) الحديث.

وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: إِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَسْمَعُ فِيهِ الأذَانَ فَأَتِمَّ، وَإِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لا تَسْمَعُ فِيهِ الأذَانَ فَقَصِّرْ، وَإِذَا قَدِمْتَ مِنْ سَفَرِكَ فَمِثْلُ ذَلِك) (11).

فالنص تواري البيوت وعدم سماع الأذان على نحو الإطلاق بما يشمل لفظا حتى غير المتعارف، لكن الفقهاء قالوا: تحمل على أربعة أشياء متعارفة: الجدران المتعارفة لا البنايات ذات الطوابق العالية، والبصر المتعارف، والسمع المتعارف، والأذان المتعارف.

كان السيد حسن الجهرمي (رحمه الله) يؤذّن في مأذنة الإمام الحسين (عليه السلام) في الصحن الشريف، وكان يصل أحياناً صوته في إذان الفجر مع صفاء الجو إلى مقام الحرّ (رضوان الله عليه) الذي يبعد عن الحرم الشريف فرسخاً.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة وفي مختلف الأبواب الفقهية، حيث حمل الفقهاء الألفاظ على المصاديق المتعارفة وقالوا بأنها منصرفة عن غير المتعارف.

وما نحن فيه كذلك، مصداق لهذه القاعدة، وصغرى لتلك الكبرى، فإن الشارع أمر بالصوم في النهار إلى الليل.

ولكن ما المقصود بالنهار والليل، أجميع مصاديقها وإن كانت غير متعارفة، أم تحمل على المتعارف.

حسب القاعدة والكبرى التي بيّنها لابد من أن تحمل على المتعارف، ومن هنا قال الفقهاء في المناطق التي يطول نهارها أو ليلها عدّة أشهر بأنه يصوم حسب البلدان المتعارفة.

وكذلك أيضاً ما نحن فيه حيث من غير المتعارف النهار بعشرين ساعة،

قال أحد المتتبعين: إن مثل هذه الأيام هناك منطقة في العالم ذكر اسمها، يكون ليلها أقل من ساعة، ونهارها أكثر من 23 ساعة، فهذا مصداق غير متعارف، كيف يصوم المكلّف هناك؟

 

القاعدة تقول بالرجوع إلى المتعارف

نعم إذا كان المتعارف متفاوتاً فما هو الحكم، هذا بحث ذكره الفقهاء في محلّه.

وفي مسألة الصوم بما أن المعصومين (عليهم السلام) قرّروا الصوم في بلادنا مضافاً إلى صومهم (عليهم السلام)، وتقرير المعصوم حجّة، والصوم في بلادنا يصل أحياناً إلى 17 ساعة تقريباً، فاللازم أن يصوم بالمقدار المتعارف لا أقل المتعارف.

مثلا في هذه الأيام ونحن في الصيف، يكون النهار في بلادنا المتعارفة الذي كان يعيش فيها المعصوم عليه السلام 16 ساعة تقريبا، فيصوم المكلف الآن في البلاد غير المتعارفة بهذا المقدار.

وهكذا في الشتاء يصوم بفجره ويفطر بعد مضي مقدار نهار البلاد المتعارفة.

وإلاّ لقلنا بكفاية حتى 12 ساعة لأنه متعارف أيضاً، فإن الشيخ الأعظم (رحمه الله) يرى في موارد أخر أن أقل المتعارف يكفي.

إذن عموم الفقهاء في عشرات الموارد حملوا المطلقات على المتعارف من المصاديق، بل قالوا بلزوم الحمل في الإلزاميات، كما في الكر وغيره فلا يمكنه أن يحدد الكر بشبره الصغير جدّاً.

ومن أمثلة ذلك:

3: تحديد الوجه بما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً، فأي أبهام وأي وسطى، قالوا المتعارف منهما.

 

(من أين الحمل على المتعارف)

إن قلت: كلمة (المتعارف) والحمل عليه لم يرد في النص، فلماذا حمل الفقهاء المطلقات عليها.

قلنا: الفقهاء قالوا: لا ظهور للفظ في أكثر من المتعارف، ومع عد الظهور لا دليل إذ الظهور هو الحجة، بل الظهور العقلائي في المصاديق المتعارفة ومنصرفة عن غيرها، فهي حجّة دون غيرها.

فالقاعدة الكلية هي رجوع غير المتعارف إلى المتعارف في كل شيء إلاّ ما خرج بالدليل.

نعم إذا كان هناك إشكال بالأخذ بالمتعارف، أو دل الدليل على لزوم الأخذ بغيره فلا بحث، وإنما الكلام في ما لم يخرج بالدليل، فالقاعدة: الحكم فيها بحسب المتعارف كما في سائر الموارد الفقهية.

فكما قالوا في الأيام الطويلة لعدة أشهر، والليالي التي هي كذلك، بالرجوع الى المتعارف مع عدم وجود نص هناك، كذلك نقول في الأيام التي هي عشرون ساعة مثلاً أو أكثر، فما الفارق بين الأمرين، كلاهما من واد واحد، ولا بد من الحمل على المتعارف.

 

(لا دليل على لزوم السفر)

قال أحد الفضلاء: لماذا لا تقولون بأن يسافر إلى البلاد المتعارفة؟

فأجاب سماحته (دام ظله): ما الدليل على وجوب السفر؟ والأصل عدمه، بل يرجع إلى المتعارف لا أنه يسافر إلى المتعارف.

وهل يمكن أن يقال لأهل بلدة سافروا بأجمعكم؟

 

(قبل أدلة العسر والحرج)

قال أحد الفضلاء: هل الفتوى بالاكتفاء بالصوم المتعارف من باب العسر والحرج؟

فقال سماحته (دام ظله): ما ذكرناه من الانصراف إلى المتعارف هو قبل الحرج، فالنص لا يشمله، لا أنه الدليل الثانوي أخرجه.

وكذلك نقول في عكس المسألة إذا طال الليل وقصر النهار جداً فكان النهار ساعة واحدة فقط، فهل يفتى بأن واجبه هو صوم ساعة فقط، وهل هذا صوم يوم؟

وهل يشمله قوله (عليه السلام) في بيان حكمة الصيام: عِلَّةُ الصَّوْمِ لِعِرْفَانِ مَسِّ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، لِيَكُونَ ذَلِيلاً مُسْتَكِيناً مَأْجُوراً مُحْتَسِباً صَابِراً، وَيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلاً لَهُ عَلَى شَدَائِدِ الآخِرَةِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الانْكِسَارِ لَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَاعِظاً لَهُ فِي الْعَاجِلِ، دَلِيلاً عَلَى الآجِلِ، لِيَعْلَمَ شِدَّةَ مَبْلَغِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة) (12).

وفي رواية: سَأَلَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ عِلَّةِ الصِّيَامِ، فَقَالَ: إِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصِّيَامَ لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ فَيَرْحَمَ الْفَقِيرَ لأنَّ الْغَنِيَّ كُلَّمَا أَرَادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ خَلْقِهِ وَأَنْ يُذِيقَ الْغَنِيَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالألَمِ لِيَرِقَّ عَلَى الضَّعِيفِ فَيَرْحَمَ الْجَائِعَ) (13).

فهل في صوم ساعة تحصل هذه الأمور؟

نعم ما في الرواية حكمة لا علّة يدور مدارها الحكم كما لا يخفى، ولكن ذكرناه للتقريب.

قبل سنوات طرحت هذه المسألة على أحد المراجع (رحمه الله) فقال: إطلاق (إلى الليل)، فقلت له: لماذا لم تعملوا بالاطلاق في سائر الموارد الفقهية بل تحملون المطلقات على المتعارف دون غيره، وقلت له إذا كان النهار ساعة واحدة فهل هذا صوم برأيكم؟

إذن النص في باب الصوم يقول: اتموا الصيام إلى الليل، ولا دليل لهم غير الإطلاق، ولكن ذكرنا أن القاعدة المتسالم عليها تقتضي حمل الإطلاقات على المتعارف.

فلماذا تؤخذ بهذا القاعدة في الموارد العديدة ولم تؤخذ بها في هذا المورد، إذا كان هناك دليل على خروج هذا المورد من القاعدة فلا بأس، أما مع عدمه فالقاعدة تشمله، ويكون الحكم هو الصوم بحسب المتعارف على ما بيناه.

علما بأن هذه المسألة لم تكن مطروحة من قبل لعدم الابتلاء بها، وربما تطرح في زماننا وفي المستقبل فتتضح أكثر.

النتيجة، من يسكن في البلاد التي نهارها غير متعارف وكذلك ليلها، عليه أن يصوم بفجره ويفطر بعد مضي مقدار نهار البلاد المتعارفة مثلاً بعد مضي 16 ساعة أو ما أشبه من نهار مثل كربلاء المقدّسة، ومكّة المكرّمة، وقم المشرّفة وهكذا.

 

(لماذا البدء من الفجر)

سأل أحد الفضلاء: إذا كان الواجب الصوم بالمقدار المتعارف فلماذا يبدأ من الفجر، بل يمكنه أن يصوم بعد مضي ساعات من الفجر ويفطر عند المغرب؟

وأجاب سماحته (دام ظله): العديد من الفقهاء قالوا إذا دار الأمر بين مصداقين مصداق قبل ومصداق بعد، لابد من الأخذ بالمصداق المقدم، وبعبارة أخرى من ملاكات الترجيح في باب التزاحم المقدّم زماناً، مثلاً إذا قال له الطبيب: صم يوماً وأفطر يوماً، فهل يفطر أول يوم ثم يصوم الثاني، أم يصوم الأول ويفطر الثاني، قالوا المتقدّم زماناً يؤخذ به.

وإن كان لنا بحث في ذلك، لكن هكذا قال الفقهاء.

ففي ما نحن فيه وبناءً على ما ذكره الفقهاء هناك، لابد أن يصوم من الفجر، ويفطر بعد مضي المقدار النهار المتعارف.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

...........................................................

(1) نعم قال بعض بصحة صومه إذا كان الرياء في ترك المفطرات وليس في حقيقة الصوم وعنوانه الذي هو عنوان بسيط قائم بترك المفطرات، انظر مهذب الأحكام للسبزواري: ج10 ص35.

(2) العروة الوثقى المحشى: ج2 ص441 المسألة 8.

(3) الكافي: ج2 ص295.

(4) مستدرك الوسائل: ج1 ص110 ب12 ح118.

(5) انظر العروة الوثقى: ج2 ص445 وفيه: (مسألة 9): الرياء المتأخّر لا يوجب البطلان، بأن كان حين العمل قاصداً للخلوص، ثمّ بعد تمامه بدا له في ذكره، أو عمل عملًا يدلّ على أنّه فعل كذا.

(6) العروة الوثقى: ج2 ص634.

(7) سورة البقرة: 187.

(8) الكافي: ج3 ص3 باب الماء الذي لا ينجسه شيء ح7.

(9) الكافي: ج3 ص2 باب الماء الذي لا ينجسه شيء ح4.

(10) الفقيه: ج1 ص435.

(11) وسائل الشيعة: ج8 ص472 ب6 باب اشتراط وجوب القصر بخفاء الجدران ح11196.

(12) الفقيه: ج2 ص73 باب علة فرض الصيام ح1767.

(13) الفقيه: ج2 ص73 باب علة فرض الصيام ح1766.

5/ شهر رمضان/1436

 

 


www.s-alshirazi.com