
|
التقارير العلمية لسماحة المرجع الشيرازي - الليلة الثالثة والعشرون (الأخيرة) |
|
|
|
|
|
|
|
|
تقرير: الشيخ علي الفدائي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
((اتحاد الآفاق واختلافها)) سأل أحد الحضور: إنه ورد في قنوت صلاة العيد: (الذي جعلته للمسلمين عيداً) (1) ألا يدل ذلك على أن عيد الفطر يوم واحد لجميع المسلمين، وهذا دليل على اتحاد الآفاق وليس تعددها؟ فأجاب سماحته (دام ظله): لا دلالة فيه على اتحاد الآفاق، بل على أصل الجعل العيد (2)، ثم قال سماحته: المشهور بين الفقهاء قديماً وحديثاً أن مسألة العيد أي ثبوت هلال شوال، وكذلك الهلال في بداية شهر رمضان كسائر المسائل، تابعة للآفاق المختلفة كما في الفجر والدلوك وما أشبه. فالقمر موجود دائماً، ولكنه حيث لا نور له ذاتاً، بل هو يكتسب النور من الشمس، فبمقدار ما يقابل الشمس يكتسب النور، وذلك للحركة الموجودة في القمر والأرض والشمس على ما بينه علماء الفلك. فعلى أثر اختلاف الحركة وبعد القمر عن الأرض وقربه، أحياناً يحصل (المحاق) وهو مأخوذ من (المحق) (3) ، فلا شيء من نور الشمس في القمر، وهذا في نهاية كل شهر ربما يومان أو ثلاثة، وبعد ذلك تبدأ الولادة الجديدة للهلال، فيكون بمقدار شكل الهلال من القمر مقابلاً للشمس ومكتسباً النور منه، ولابد من مضي ساعات معينة على ولادته حتى يكون قابلاً للرؤية. سابقاً كان طلبة العلوم الدينية يدرسون شيئاً من علم الفلك، وكان من ضمن المنهج الدراسي كتاب (سي فصل) بالفارسية وفيه فصل حول الفلك، وكتاب (تشريح الأفلاك) للشيخ البهائي (رحمه الله). ثم إنه أول ما يقع النور من الشمس على القمر فهو نور ضعيف لا يرى عادة للناس العاديين وبالعين المجردة إلا بعد مرور فترة يذكرها علماء الفلك. مثلاً في أفق قم المقدسة إذا وقع نور الشمس على الهلال قبل غروب القمر بدقائق قليلة، فهذا النور لا يرى عادة، فلا يثبت الهلال فيها. يقول الفقهاء: يشترط في الهلال أن يكون قابلاً للرؤية، أما إذا لم يكن قابلاً لها لبدو ولادته مثلاً وإن رآه من له نظر خارق جداً فلا اعتبار به، فالعين العادية هي الملاك لا غير المتعارفة التي ترى ما لا يرى عادة. فإذا غرب القمر في أفق قم ولم يكن قابلاً للرؤية، لم يثبت أول الشهر فيها، حيث الرؤية الشرعية لم تحصل. ولكن بعد مرور ساعة أو أكثر لا زال القمر موجوداً في أفق الشام، فربما يرى الهلال هناك بالعين المجردة، حيث يقوى النور بمرور أكثر من ساعة عليه. فإذا رؤي الهلال في الشام ثبت عندهم الشهر، وعند من كان قريباً منهم، ومن كان في أفقهم، وهكذا من كان أفقه بعد أفقهم، أي ما يقع من البلدان في شرق الشام لا غربه. هذا مما تسالم عليه الفقهاء، ولكن الخلاف وقع في الآفاق التي قبل الشام كأفق قم، إذا رؤي الهلال في الشام مثلاً. نعم هناك روايات استدل بها من قال بوحدة الآفاق من حيث الحكم، وهذه الروايات سنداً لا إشكال فيها وإنما الكلام في دلالتها وإطلاقها. فالمشهور لم يفهموا دلالتها على اتحاد الآفاق. منها: صحيحة هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ قَالَ: (إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلَى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً) (4). ومنها: صحيحة إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ هِلالِ رَمَضَانَ يُغَمُّ عَلَيْنَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: (لا تَصُمْهُ إِلاّ أَنْ تَرَاهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِه)(5). ومنها: صحيحة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ هِلالِ رَمَضَانَ يُغَمُّ عَلَيْنَا فِي تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: (لا تَصُمْ إَِلاّ أَنْ تَرَاهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فَاقْضِ) (6). ومنها: صحيحة أو حسنة أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْيَوْمِ الَّذِي يُقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: لا تَقْضِهِ إِلاّ أَنْ يُثْبِتَ شَاهِدَانِ عَدْلانِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الصَّلاةِ مَتَى كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وَقَالَ: لا تَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقْضَى إِلاّ أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الأَمْصَارِ فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْه) (7). فأجابوا بأن هذه الروايات ليست في مقام البيان من هذا الحيث لتشمل البلاد البعيدة جداً، والتي تختلف في آفاقها اختلافاً كبيراً، وخاصة التي لم يمكن في ذلك الزمان وصول خبرها خلال شهر رمضان المبارك. فإنه لو رؤي الهلال في بلد غربي لم يثبت ذلك للبلد الشرقي البعيد جداً الذي لم يكن الهلال مولوداً فيه حين الغروب أو تستحيل رؤيته، لعدم إمكان ثبوت الهلال شرعاً فيه، من هنا قالوا بتخصيص هذه الروايات بالبلاد القريبة أو البلد البعيد الذي كان شرق بلده، بأن جاء خبر الهلال من بلد شرقي حتى يكون الثبوت هناك ثبوتاً عند البلد الغربي. من هنا قال المشهور بعدم الاتحاد في البلدان البعيدة مع الاختلاف الكبير في الأفق، لأنها خلاف المباني في كل الفقه من أوله إلى آخره، واستثناء الصوم بحاجة إلى دليل أقوى من ذلك، والمسألة ذكرها السيد (رحمه الله) في العروة وربما تسعون بالمائة من الحواشي لم يقبلوا باتحاد الآفاق. قال في العروة: (مسألة: إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فإن كانا متقاربين كفى، وإلّا فلا، إلاّ إذا علم توافق افقهما وإن كانا متباعدين) (8). وهكذا كان مشهور القدماء كالشيخ (رحمه الله)، والمحقق في الشرائع والنافع، وكذا قال القواعد، ومنهم الشهيد الثاني في المسالك، قالوا: إنه لكل بلد حكم نفسه، وعن المناهل نسبته إلى المعظم. نعم غير المشهور قالوا باتحاد الآفاق حتى في البلاد البعيدة كما حكي عن المنتهى والتحرير، وفي التذكرة حكايته عن بعض القول بالكفاية. قال في المنتهى: إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت. وقال بعض بالتفصيل: الكفاية والثبوت إن احتمل تحققه فيها، وعدم العلم بعدم وجدانه فيها، فإن علم بعدم وجوده في الآفاق المتباعدة فلا يعمهم حكم ثبوت الهلال. ○ سأل أحد الفضلاء إن البعض يقول: إن القمر لو كان في المحاق فلا يرى، أما لو لم يكن في المحاق فيراه الكل، أو يكون قابلاً لرؤية الكل، فثبوت الهلال في مكان يكفي لسائر البلدان حينئذ؟ فأجاب سماحته (دام ظله): القمر كالشمس له طلوع وغروب، وكلما خرج من المحاق ومر عليه الزمان أكثر كان إمكان الرؤية فيه أكثر، ولكل أفق حكمه، نعم إذا رؤي في الشرق فهو ثابت للغرب أيضاً على ما بيناه. ○ سأل أحد الفضلاء: القمر له وجهان، وجه هو مقابل الشمس، ووجه آخر مقابل الأرض، فإذا كان طرف نوره الكامل نحو الأرض فهو البدر، وإذا كان طرف نوره الكامل نحو الشمس فيكون محاقاً لنا، وهذا المحاق غير الخسوف كما هو واضح، ثم عند خروجه من المحاق يصبح شيئاً فشيئاً قابلاً للرؤية، على شكل الهلال ابتداءً ثم يكبر، فإذا غرب القمر في بدو ولادته مع غروب الشمس أو بعده بلحظات مثلاً فإنه لا يكون قابلاً للرؤية هناك أبداً، فكيف يقول البعض باتحاد الآفاق؟ فأجاب سماحته (دام ظله): نعم، مشهور الفقهاء لم يقبلوا اتحاد الآفاق. ○ سأل أحد الفضلاء: يمكن القول بالتفصيل حسب ما ورد من روايات حجية هلال بلد لبلد آخر بعد وصول الخبر إليه، فإذا رؤي الهلال في مثل أمريكا واستراليا حيث لا يمكن عادة وصول الخبر آنذاك فلا حجية لأحدهما على الآخر، أما في مثل خراسان والعراق حيث من المحتمل وصول الخبر آنذاك خلال شهر، فالرواية تشمله. فأجاب سماحته (دام ظله): هذا مجرد احتمال بحاجة إلى إثبات، وهناك من العلماء من اشترط في الإطلاق إحراز أن المولى بصدد البيان من هذه الجهة، فلا يمكن التمسك بالإطلاق هنا إذا لم يحرز ذلك. ○ سأل أحد الفضلاء: ربما يقال بإعراض الفقهاء عن هذا الإطلاق لو سلم ذلك، لكن ليس من المعلوم أن الفقهاء أعرضوا عنه، لأنه سابقاً لم تكن هذه الوسائل والآليات الحديثة فكان الخبر يأتيهم من البلاد المتقاربة وليس المتباعدة؟ فأجاب سماحته (دام ظله): ليست المسألة من الإعراض، بل الكلام في أن سؤال الراوي وجواب الإمام (عليه السلام) هل يشمل الآفاق البعيدة أم كان الكلام في الآفاق القريبة المتعارفة آنذاك، فكان من النادر جداً أن يأتي شخص من الآفاق البعيدة جداً ويخبر برؤية الهلال عندهم، فلا إطلاق محرز في هذه الروايات لتدل على اتحاد الآفاق مطلقاً. وإني قد سألت أحد كبار المراجع (رحمه الله) في قم المقدسة عن هذه المسألة، وقلت له: إذا شهد عندكم البينة العادلة من مقلديكم برؤية الهلال هنا في قم، ولكن بما أن أفق مشهد يختلف عن قم أحياناً بأكثر من نصف ساعة، فهل يثبت العيد لمقلديكم في مشهد؟ فسكت سماحته. ثم قلت: كم ترون الفاصل بين الأفقين، بحيث إذا ثبت الهلال في أحدهما يثبت للآخر، مثلا في (شاهرود) ربما يختلف الأفق فيها عن (قم) بربع ساعة، فهل ترون رؤية قم كافية لشاهرود؟ فسكت (رحمه الله) أيضاً، مما يدل على أنه لا إحراز في إطلاق روايات اتحاد الآفاق. نعم المشهور أنه إذا ثبتت الرؤية في بلد، فالآفاق القريبة مكاناً أو أفقاً أيضاً ثابت لها، ولكن هل مطلقاً، أم تخص البلاد المشتركة مع ذلك البلد في الليل، أم المشتركة معه في النصف من الكرة الأرضية أم غير ذلك من الأقوال. وهذه كلها تدل على عدم فهم الإطلاق من تلك الروايات.
((الانصراف واختلاف الزمان)) سأل أحد الفضلاء وقال: إذا قلنا بالإطلاق اللفظي في تلك الروايات، فلابد من القول باتحاد الآفاق، ولا مجال لدعوى انصراف أدلة رؤية الهلال عن البلاد البعيدة في هذا الزمان، نعم ربما كان الانصراف آنذاك دون زماننا. ومن جانب قال بعض الأصوليين إذا كان هناك إطلاق مثل (أكرم الإنسان) فهو يشمل حتى الإنسان غير المتعارف في خلقته كمن له ستة أصابع، أو كان طويلاً جدا أو قصيراً كذلك. وما نحن فيه من هذا القبيل، فالنص يقول: (صم للرؤية) ولم يقل لرؤيتك، فإذا رؤي الهلال في أي مكان وأي بلد صدق (صم للرؤية)، نعم في الأزمنة السابقة كانت الرؤية في البلاد القريبة حجة لإمكان إيصال الخبر ولو بعد أيام، والآن حيث تطورت المواصلات وما أشبه فالخبر يصل فوراً، فلا انصراف، فالدليل يدل على وحدة الآفاق. فأجاب سماحته (دام ظله): عدم شمول الأدلة للبلاد البعيدة هل لعدم ظهورها أم لانصرافها؟ إذا شككنا في الإطلاق فلا يأتي دور الانصراف. ثم ما ذا تقولون في الفجر، فإذا ثبت الفجر في أفق هل يثبت لسائر البلدان وخاصة البعيدة منها لسهولة إيصال الخبر في زماننا هذا؟ ○ فقال أحد الفضلاء: هذا مع الفارق، لأن الفجر ليست الآفاق فيه معتبرة، بل أفق كل بلد معتبر لنفس البلد وهذا مسلّم، والدليل على ذلك قوله (عليه السلام): (فإنما عليك مشرقك ومغربك) (9) ولذلك لا تقولون بالفجر حتى في البلدان القريبة. فأجاب سماحته (دام ظله): نحن نقول بالفجر في البلاد القريبة التي كان الفجر قابلاً للرؤية ولم يره الشخص، وكذلك قالوا بالنسبة إلى الهلال إنه لا بد أن يكون قابلاً للرؤية في البلد الذي لم ير الهلال فيه، قالوا الرؤية طريقية من هذا الحيث، ولكن لابد من إمكان الرؤية. ○ سأل أحد الفضلاء: إطلاق ما دل على أنه لو جاء من بلد آخر وأخبره بالرؤية، يشمل حتى البلدان بعيدة الآفاق، وإذا شككنا في أن المراد البلد القريب أم حتى البعيد فالإطلاق اللفظي يشمله؟ فأجاب سماحته (دام ظله): لا علم لنا بوجود الإطلاق من هذا الحيث فلا يشمله، أي نشك في الظهور لا في المراد كما بينا. ○ سأل أحد الفضلاء: هل في تلك الروايات أن البلد الذي رؤي فيه الهلال كان من البلاد التي أفقها قبل بلد الراوي أم بعده، أي كانت شرقاً أم غرباً، ومع عدم التقييد فهي مطلقة. فأجاب سماحته (دام ظله): لا نعلم بهذا الإطلاق من هذا الحيث، ولابد من وجود الظهور الإطلاقي حتى يكون حجة. والمشهور لم يفهموا من تلك النصوص الإطلاق من هذا الحيث، بل قالوا الصوم كالصلاة، فإذا دلكت الشمس في مشهد يكون حجة لمشهد وحواليها من البلاد القريبة منها وما كان قبلها وليس بعدها، وكذلك قالوا في الهلال، فإذا ثبت الهلال في مشهد فهو ثابت لحواليها وما يقربها وما يأتي بعدها وليس قبلها. فإذا رؤي الهلال في قم وكان يمكن رؤيته قبل الغروب بعشرة دقائق فقط، أما الأكثر من عشرة دقائق فلم يمكن رؤيته أبداً، فرؤية قم لا تكفي لمشهد قطعاً، لأنه كان تستحيل الرؤية هناك، نعم إذا كانت قابلية الرؤية قبل الغروب بنصف ساعة مثلاً ربما يمكن القول بثبوته لمثل مشهد أيضاً، فتأمل. ○ سأل أحد الفضلاء: ورد في بعض الروايات (إذا رأيت الهلال) (10) ، وهذا دليل على عدم اتحاد الآفاق لأن رؤية الشخص معتبرة دون غيره. فأجاب سماحته (دام ظله): لا خصوصية في رؤية الشخص نفسه، بل يثبت الهلال بالبينة بشروطها أيضاً.
((هل يكون العيد ثلاثة أيام أو أكثر)) سأل أحد الفضلاء: بناءً على عدم اتحاد الآفاق ربما يكون العيد في الكرة الأرضية ثلاثة أيام بل وأربعة، فإنه فلكياً قد يكون الهلال قابلاً للرؤية في استراليا دون غيرها، وفي الليلة المقبلة في الشرق الأوسط يمكن رؤيته، وبعدها بليلة في شمال أمريكا، فيكون أول الشهر ثلاثة أيام، وربما أصبح أربعة أيام، فهل تلتزمون بذلك؟ فأجاب سماحته (دام ظله): مشكل في مثل هذا المورد. علماً بأن هذا الموضوع لم يكن مطروحاً سابقاً، فهو أمر مستحدث لسهولة الاتصالات، وإن كان الفرض نادراً أيضاً. ولكن على فرض تحققه فربما يقال بأنه خلاف الارتكاز بهذا المقدار، فاختلاف الشهر بيوم مقبول أما بثلاثة أيام فلا. ○ قال أحد الفضلاء: هذا ليس خلاف الارتكاز، بل هو استغراب؟ فأجاب سماحته (دام ظله): الاستغراب لا يكون دليلاً، ولكن يبدو أن هذا الأمر خلاف المرتكز، وليس المستغرب فحسب، فهل يمكن القول بأن العيد في الأرض ثلاثة أيام أو أربعة. ○ فقال أحد الفضلاء: إذا كان الأمر اعتبارياً فما المانع منه؟ فأجاب سماحته (دام ظله): ليس الكلام في المانع العقلي، بل ما الدليل عليه؟ ○ قال أحد الفضلاء: يمكن حل هذه المشكلة بطريقة ثلاثين يوماً، فإذا رؤي الهلال في الشهر الماضي فبعد مضي ثلاثين يوماً يثبت الشهر الجديد، وبذلك لا يكون العيد أكثر من يومين. فأجاب سماحته (دام ظله): نعم هذا جيد.
((دقة الفقهاء وورعهم)) ثم قال سماحته (دامت بركاته): إن فقهاء الشيعة أتعبوا أنفسهم في استنباط الأحكام الشرعية وبكل دقة واحتياط، وخبرة واجتهاد. وكان السيد الوالد (رحمه الله) ينقل أنه كان يحضر ولعدة سنوات في جلسة الاستفتاء العلمية للحاج الآقا حسين القمي (رحمه الله)، وكان يحضر هذا المجلس العلمي عدد من الفقهاء والعلماء ربما كان يصل عددهم إلى العشرة، وكان ينعقد المجلس بعد صلاتي المغرب والعشاء ولمدة ساعة وربما أكثر وربما كان يتأخر إلى ساعات من الليل. وكان هذا المجلس العلمي طيلة الليالي حتى في ليلة الخميس حيث الدروس معطلة، وكان المرحوم الحاج الآقا حسين القمي يرى استمرارها حتى في ليالي الجمعة، ولكن العلماء كانوا مشغولين بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر العبادات فكانت تعطل في تلك الليلة المباركة فقط. يقول الوالد (رحمه الله): في فرع من فروع الحج استمر البحث فيه ثلاثة أسابيع، حتى وصلنا إلى نتيجة. هذه هي الدقة والاجتهاد والورع والاحتياط، فجمع من الفقهاء الأتقياء الخبراء بل فوق التخصص يجتمعون ويبحثون في مسألة مسألة. وهكذا كان علماؤنا الأبرار، من هنا نرى أن ما يفهمه المشهور لابد من ملاحظته وأخذه بعين الاعتبار، ففي بعض الموارد يوجب ذلك شبه الاطمينان. وفي ما نحن فيه أكثر من تسعين بالمائة من الفقهاء لم يقولوا باتحاد الآفاق. ○ سأل أحد الفضلاء: ورد أنه بعد قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لم توفق الأمة لصوم ولا لفطر ولا أضحى. فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا تَقُولُ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ لا يُوَفَّقُونَ لِصَوْمٍ، فَقَالَ: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَةُ الْمَلَكِ فِيهِمْ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمَّا قَتَلُوا الْحُسَيْنَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَكاً يُنَادِي أَيَّتُهَا الأُمَّةُ الظَّالِمَةُ الْقَاتِلَةُ عِتْرَةَ نَبِيِّهَا لا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ لِصَوْمٍ وَلا لِفِطْرٍ) (11). وعَنْ رَزِينٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لَمَّا ضُرِبَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِالسَّيْفِ فَسَقَطَ رَأْسُهُ ثُمَّ ابْتُدِرَ لِيُقْطَعَ رَأْسُهُ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَلا أَيَّتُهَا الأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ الضَّالَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا، لا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ لأَضْحًى وَلا لِفِطْرٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فَلا جَرَمَ وَاللَّهِ مَا وُفِّقُوا وَلا يُوَفَّقُونَ حَتَّى يَثْأَرَ ثَائِرُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) (12). فأجاب سماحته (دام ظله): نعم ولكن على الإنسان أن يسعى لكي لا يخطأ، وإذا أخطأ لا يكون عن تقصير بل عن قصور حتى يغفر الله له. مضافاً إلى احتمال كون ذلك بالنسبة إلى المخالفين.
((متى يفطر المريض)) سأل أحد الفضلاء: إذا كان على الإنسان أن يبلع بعض الحبوب في وسط النهار فما حكم صومه؟ فأجاب سماحته (دام ظله): هذا هو المريض الذي يجوز أو يجب عليه الافطار، فإطلاق (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) (13) يشمله، فلا يجب عليه الصوم ومن أول الفجر يفطر ولا حاجة إلى الانتظار لوقت بلع الحبوب، فإن الضرر أو خوف الضرر على صحة الإنسان مسوغ للإفطار. ○ سأل أحد الفضلاء: إذا كان الشخص مريضاً ولا يعلم بأنه مريض ولم يصم عصياناً، وبعد تمام الشهر تبين أنه كان مريضاً فهل عليه الكفارة؟ فأجاب سماحته (دام ظله): لا كفارة عليه لأنه مجرد تجر، ولم يكن مكلفاً بالصوم واقعاً، فيشمله (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً) (14). ○ سأل أحد الفضلاء: فلماذا صومه صحيح إن لم يعلم به، مع أنه واقعاً لم يكن مكلفاً بالصوم؟ فأجاب سماحته (دام ظله): هذا في الضرر المسوغ للإفطار لا الموجب له، أما في الموجب كما لو صام ومات بسبب الصوم فهل صومه صحيح، فيه تأمل والمسألة بحاجة إلى مراجعة. ○ سأل أحد الفضلاء: إذا أفطر ولم يصم عصياناً، ثم تبين بعد الشهر أن الصوم كان فيه الخوف الكبير، حيث كان من المحتمل أن يموت بصومه بنسبة خمسين بالمائة، ولكن لم يعلم بهذا الخطر ولم يمت، فتبين أنه واقعاً لم يكن يضره؟ فأجاب سماحته (دام ظله): هذا من إفطار العمد، لأنه لم يكن خوف حينذاك حيث لم يعلم بهذا الخطر، ولم يكن ضرر واقعاً حيث لم يمت، فعليه القضاء والكفارة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. انتهى الليلة الثانية والعشرون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الفقيه: ج1 ص512 ـ 513 باب صلاة العيدين ح1481. (2) وهذا مثل أن يقال: جعل الله دلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر وقتاً لصلاة المسلمين، فهل يدل ذلك على اتحاد الآفاق؟ (3) انظر كتاب العين: ج3 ص56 مادة (محق) وفيه: (والمحاق آخر الشهر إذا انمحق الهلال فلم ير(. وفي مجمع البحرين: ج5 ص234 مادة (محق): (المحاق بالضم والكسر لغة ثلاث ليال في آخره لا يكاد يرى القمر فيها لخفائه). وفي لسان العرب مادة (محق): (المحاق آخر الشهر إذا أمحق الهلال فلم ير). (4) وسائل الشيعة: ج10 ص265 ب5 ح13381. (5) تهذيب الأحكام: ج4 ص178 ب41 ح65. (6) تهذيب الأحكام: ج4 ص157 ب41 ح11. (7) وسائل الشيعة: ج10 ص292 ب12 ح13447. (8) العروة الوثقى: ج2 ص225 المسألة 4. (9) تهذيب الأحكام: ج2 ص264 ب13 باب المواقيت ح90. (10) تهذيب الأحكام: ج4 ص155 ب41 باب علامة أول شهر رمضان وآخره ودليل دخوله ح2، وفيه: (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأَهِلَّةِ فَقَالَ: هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهُورِ فَإِذَا رَأَيْتَ الْهِلالَ فَصُمْ وَإِذَا رَأَيْتَهُ فَأَفْطِر). (11) الكافي: ج4 ص169 باب النوادر ح1. (12) الكافي: ج4 ص170 باب النوادر ح3. (13) سورة البقرة: 184. (14) سورة البقرة: 184. 14/ شوال/1436
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
www.s-alshirazi.com |
|