سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد: رقيّ الإنسان وسموّه وأفضليته بحسن الخلق لا بغيره




 

موقع الإمام الشيرازي

 

حسن الخلق هي حقيقة معنوية يمكن لكل شخص أن يحصل عليها. وكل من وفّق للحصول على هذه الحقيقة يمكنه أن يسمو أكثر وأكثر. وقد ورد في الحديث الشريف عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: (حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة).

هذا ما بيّنه المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في إرشاداته القيّمة، بجمع من الأخوات من دولة الكويت، اللاتي زرن سماحته في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، في الرابع والعشرين من شهر رجب الأصبّ1437للهجرة (2/5/2016م).

وبيّن سماحته، أيضاً: حسن الخلق درجات، مثل أي شيء آخر. فالذي ليس له خلق حسن يمكنه أن يتحلّى بحسن الخلق، وإذا كان له درجة من حسن الخلق يمكنه أن يسمو ويرتفع بدرجة أخرى وثالثة وعاشرة ومئة. والمهم وكما في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله ان الذي يحوز ويجمع ويحصل على خير الدنيا والآخرة هو حسن الخلق، بمقدار ما له من حسن الخلق.

وأوضح سماحته: حسن الخلق محبوب عند الناس في الدنيا، وهذا خير عظيم. وحسن الخلق يدعوا الناس له ولا يدعون عليه، وهذا خير عظيم. وحسن الخلق يكون الناس في خدمته عادة بنسبة ما له من حسن الخلق، وهذه فائدة عظيمة. وحسن الخلق تكون حالته النفسية أحسن ممن ليسه عنده خلق حسن، فهو يتمرّض أقلّ ويصاب بالأعصاب أقلّ، ونفسياً يتحطّم أقلّ، وهذه فوائد دنيوية عظيمة.

وأضاف سماحته: لو لم يكن لحسن الخلق إلاّ هذه الفوائد لكان على كل إنسان، رجلاً وامرأة، وأمّ وبنت وأبّ وابن وعم وعمّة وخال وخالة وجدّ، ولكل فرد، كان عليه أن يعزم على حسن الخلق، لتلك الفوائد العظيمة في الدنيا. وهذا من خير الدنيا.

وأما خير الآخرة، فحدّث ولا حرج. فهناك أشياء يتكلّم بها الإنسان أو يسمعها ويعي عنها صورة ضعيفة، ولكن لا يبلغ عمقها، ومن ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: (أقربكم منّي يوم القيامة أحسنكم خلقاً). وهذه الجملة وحدها عظيمة وعظيمة، وعظيمة ألف مرّة، بل مليون مرّة. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله هو القائد الأكبر يوم القيامة، وهو الذي جعله الله سبحانه وتعالى الرئيس الأعلى في يوم القيامة. فقد قالت سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في خطبتها العظيمة عندما تذكر أباها رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم القيامة، تقول: (والزعيم محمد).

وأوضح سماحته، أيضاً: إنّ قرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم القيامة هو ليس بمقدار عبادته وكرمه وأعماله الخيّرة وخدماته وبلائه الذي يبتلى به في الدنيا وبباقي الأمور. إذن فمن هو الأقرب إليه صلى الله عليه وآله؟

هل الذي لا ينام ليله خمسين سنة ويسهر بالعبادة ويقضي النهار بالصوم خمسين سنة هو الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وهل الأقرب هو من ينفق من ماله أكثر في سبيل الله ولأرحامه وللمؤمنين والضعفاء والمستضعفين وباقي الناس؟ وهل الأقرب هو من يؤثر غيره على نفسه في الطعام، كأن يبيت جائعاً ويعطي طعامه لغيره من جاره ورحمه وقريبه حتى لا يبقون جياعاً؟ وهل الأقرب من كان أكثر علماً في الدنيا؟ وهل الأقرب من يتزهّد في الدنيا بالملبس والمسكن والمأكل ويعزف عن الدنيا ويبتعد عنها ويترك ملذّاتها ويتحمّل كل أنواع المرارات في الدنيا؟

بلى إن أصحاب هذه الأعمال لهم الأجر الكبير والمنزلة الكبيرة في الآخرة، ولكن هذه الأعمال والعبادات لا تجعلهم الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فكلا وكلا. بل الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله هو الأحسن خلقاً. ولو لم يكن في حسن الخلق إلاّ هذه الجملة لكان على الإنسان أن يسعى بجدّ وبنشاط ومثابرة حتى يصل إلى درجات رفيعة في حسن الخلق.

وشدّد سماحته بقوله: مادام الإنسان في الدنيا فالمفتاح بيده، في أيّ مجال كان، وفي أيّ مستوى، فقيراً أو غنيّاً، رجلاً وامرأة، عالماً أو جاهلاً. فالأموات يتحسّرون للأحياء ويخاطبونهم ياليتنا كنّا أحياء مع كل المشكلات في الدنيا، لأنه مادام الإنسان بالدنيا فإنه يستطيع أن يكون جيّداً، وأكثر جودة. ولذا من المهم جدّاً أن يغتنم الإنسان فرصة الحياة الدنيا لأمرين في مجال حسن الخلق، هما:

الأول: يكون حسن الأخلاق. فليحاول الوالدين أن يكونا أحسن أخلاقاً مع أولادهما، والعكس بالعكس أيضاً. والزوج يحاول أن يحسن، وبكل جدّ، أخلاقه مع زوجته، وهكذا على الزوجة أيضاً. وهكذا على الجيران والأرحام، بعضهم مع بعض. فإذا فاتت هذه الفرصة العظيمة، فرصة الحياة الدنيا، وانتهت حياة الإنسان، فإنّه وحسب قول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (لا يزيدون حسنة). إلاّ اللهم إذا كان للإنسان ولداً صالحاً وكان هو سبب صلاحه، فإنّه يدعو له من بعده. أو إذا ادخر علماً ينتفع به من بعده. أو ترك مشروعاً خيرياً وجعله صدقة جارية. أما إذا انتهت الحياة فلا يحصل حتى على حسنة واحدة. وهذه مسألة مهمّة جدّاً، أي أن يحاول الإنسان أن يرتقي في حسن الخلق أكثر وأكثر، مهما كان عنده من حسن خلق. وبالعزم يوفّق الإنسان. فالقرآن الكريم يؤكّد أكثر من مرّة على العزم، وهو التصميم والإرادة. نعم هو أمر صعب ولكن لا بدّ منه.

الثاني: نحاول أن نربّي غيرنا على حسن الخلق، وخصوصاً مَن علينا مسؤوليتهم، فنربّيهيم أكثر. يقول القرآن الحكيم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) سورة التحريم: الآية6. وبالأخص بالنسبة للوالدين تجاه أولادهما، والإخوة والأرحام والأساتذة تجاه الطلبة في الجامعات والحوزات العلمية. فكل من كان بمستوى عمري أكبر وعلمي أكبر عليه أن يحاول في تربية الآخرين على حسن الخلق، وذلك بالعمل والقول، أي ينصح ويعمل هو، لكي يتعلّموا منه.

وختم دام ظله إرشاداته القيّمة، قائلاً: نحن الآن في الشهر الفضيل شهر رجب ومقبلين على الشهرين الفضيلين الآخرين، شهر شعبان وشهر رمضان المبارك، لنحاول أن نستفيد من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، ونعزم على أن نكون كما كان وأراد صلى الله عليه وآله: (حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة، وأقربكم منّي يوم القيامة أحسنكم خلقاً).

29/ رجب الأصب/1437

 

 


www.s-alshirazi.com