
|
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد: لا يحظى بمقام (منّا أهل البيت) إلاّ الأورع |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي
قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من المؤمنين والمؤمنات، من شيعة دولة الكويت، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، في الخامس والعشرين من شهر جمادى الأولى1438 للهجرة (23/2/2017م)، واستمعوا إلى إرشاداته القيّمة. قال سماحته في بداية إرشاداته القيّمة: بمناسبة الفاجعة العظيمة، فاجعة ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، أرفع التعازي لمولانا بقيّة الله الإمام المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه، وإلى جميع المؤمنين والمؤمنات في كل مكان. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يُتحفنا وجميع المؤمنين والمؤمنات، برضا مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، الذي هو مفتاح رضا الله جلّ وعلا. فإذا رضيت فاطمة صلوات الله عليها رضي الله عزّ وجلّ. أسأل الله تعالى رضاها للجميع. وقال سماحته: ورد في الحديث الشريف أنّ الإمام الصادق صلوات الله عليه كان في بعض أصحابه، إذ دخل عليه عيسى بن عبد الله، وكان من أصحاب الإمام صلوات الله عليه، أيضاً. وقال له الإمام صلوات الله عليه جملة مهمّة ينبغي التأمّل عندها طويلاً وطويلاً، والمحاولة الجادّة للارتفاع إلى هذه الجملة، شيئاً فشيئاً. يقول الراوي توجّه الإمام الصادق صلوات الله عليه إلى عيسى بن عبد الله القمّي: فرحّب به وقرّب مجلسه، ثم قال: (يا عيسى بن عبد الله! ليس منّا، ولا كرامة، من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه). الكافي ج ٢ ص ٧٨. وأوضح سماحته: (مَنْ) من أداة موصول الذي يشمل الذكر والأنثى، أي الرجل والمرأة. و(مِصر) يعني مدينة. و(لا كرامة) يعني لا كرامة له، أيضاً. وسابقاً كانت المدن الكبيرة قليلة، حيث كان أغلبها قرى. وكان نفوس المدن ليست كثيرة. ففي حديث آخر عن الإمام الصادق صلوات الله عليه حول المدينة المنوّرة أنه ذكر بأن عند استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، كان عدد نفوس المدينة المنوّرة عشرة آلاف. في حديث الإمام الصادق صلوات الله عليه لعيسى بن عبد الله، يريد الإمام الصادق صلوات الله عليه من المؤمنين والمؤمنات أن يرتفعوا إلى هذا المستوى. أي يريد منّا أن نكون أورع الناس في المدينة التي نعيش فيها. فإذا لم يحاول الإنسان أن يكون الأورع، وحسب قول الإمام الصادق صلوات الله عليه، هو ليس من أهل البيت صلوات الله عليهم. فـ(منّا) هي درجة رفيعة جدّاً. وفي الحديث الشريف أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأبي ذر الغفاري رضوان الله عليه: أنت منّا. وأضاف سماحته: هذا الأمر بحاجة إلى همّة وعزم وإرادة، وهو ممكن، وكل واحد يمكنه أن يحاول لذلك. وكل واحدة يمكنها أن تحاول لذلك, فعلى صعيد عائلة من عشرة أفراد، أو عشرين، أو خمسين، ليحاول الإنسان الذي من هذه العائلة، أن يكون هو الأورع. وإذا كان في منطقة فيها ألف إنسان، أن يكون هو أورعهم. وهكذا بالنسبة للمرأة المؤمنة. وبيّن سماحته: الورع هو غير الوسوسة. ويعني الاحتياط والحذر. ويبتدئ الورع من الالتزام بإتيان الواجبات، والالتزام بترك المحرّمات. ومثل ذلك، كمثل الإنسان الذي يمشي حافي القدمين في أرض مليئة بالأشواك. فتراه يدفع الأشواك جانباً بقدمه، ثم يضعها بهوادة، فإذا لم يجد أذى الأشواك، يثبّت قدمه ويرفع الأخرى، وهكذا. ففي التكلّم والكلام، على الإنسان أن يكون كلامه مسبوقاً بالتأمّل. وهكذا إذا أراد أن يعمل شيئاً، أو يذهب لمكان ما. وأردف سماحته: إنّ واجبات الأب كأب تختلف عن واجبات الأمّ كأمّ. وواجبات الأمّ كأمّ تختلف عن واجبات البنت كبنت. وواجبات المعلّم كمعلّم تختلف عن واجبات الطالب والتلميذ. وواجبات العالِم كعالِم تختلف عن واجبات الكاسب ككاسب. وواجبات الحاكم كحاكم تختلف عن واجبات الرعيّة كرعيّة. ويمكن أن يعرف الإنسان التزامه بالواجبات وتركه للمحرّمات، بأن يعرف أولاً ما هي واجباته، وما هي المحرّمات عليه. مثل واجبات الزوجة أمام زوجها، والمحرّمات عليها تجاه زوجها. فيجب أن تعرف ذلك حتى تعمل بهما. وهكذا بالنسبة للزوج. وهذا بحاجة إلى معرفة أحكام الواجبات والمحرّمات. فياأيّها المؤمن إن كنت في مدينة فيها مائة ألف نسمة، أو أكثر، فلا يكن أحد منهم أورع منك. وهكذا بالنسبة للمؤمنة. وهذا الأمر ممكن لا شكّ، وصعب جدّاً، أيضاً. وشدّد سماحته، قائلاً: إذا وضع الإنسان هذا الحديث الشريف من الإمام الصادق صلوات الله عليه، في ذهنه دائماً، فسيوفّق شيئاً فشيئاً. وإذا لم يتوفّق إلى المستوى الرفيع والرفيع جدّاً، يتوفّق إلى أن يقترب من هذا المقام الرفيع. وأشار سماحته إلى نموذج من المؤمنين ممن كانوا الأورع، وقال: من هؤلاء النماذج، شخص معروف عند العلماء والمؤمنين والمؤمنات. وهو من أصحاب الإمام الكاظم صلوات الله عليه، وهو محمد بن أبي عُمير. فأحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم، وصلت إلينا عبر عشرات الألوف من الرواة، في مجال العقيدة والأحكام والأخلاق. وفي هؤلاء الرواة، قرابة ألفين، أو أكثر أو أقلّ، جيّدون، من الرجال والنساء، من أصحاب المعصومين صلوات الله عليهم. وفي هذه المجموعة الجيّدة الثقاة هناك مئات منهم جيّدون جدّاً جدّاً، وجيّدات جدّاً جدّاً. وفي هذه المئات، عشرات فيهم هم في القمّة. وفي هذه العشرات هم قمّة القمم، وهم بعدد الأصابع، أو أقلّ من ذلك، ومنهم محمد بن أبي عمير. وأنا أوصي الشباب، ذكوراً وأناثاً، بتتبع ومطالعة تاريخ هذا الرجل القمّة. وسأذكر لكم نقطة واحدة فقط، من التاريخ العظيم لهذا الرجل العظيم جدّاً جدّاً. قال سماحته: كان ابن أبي عمير من الأصحاب التجّار، وذكروا أنّ أمواله التي صادرها هارون العباسي بعد ما سجنه، كانت خمسمائة ألف درهماً. وكانت القوّة الشرائية لهذا المقدار من الأموال يمكن أن يُشترى بها في ذلك الزمان خمسين ألف خروفاً. وكانت تعادل سعر أكثر من مائة وخمسين كغم من الذهب. فهذه كانت ثروة محمد بن أبي عمير، الذي كان من خواصّ الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله عليه، فصادرها هارون العباسي بعد أن أمر بسجن ابن أبي عمير. وبقي ابن أبي عمير مسجوناً سبعة عشر سنة، ولم يعرف أحد عنه شيئاً حتى أهل بيته. وتعرّض لأنواع التعذيب، لأجل كلمة واحدة طلبها هارون منه، لكنه لم يتكلّم بها. فكما ذكر التاريخ انّ هارون أراد من ابن أبي عمير أن يذكر أسماء خواصّ أصحاب الإمام الكاظم صلوات الله عليه، لكنه ما تكلّم، وتحمّل أنواع التعذيب. وكان من أقسام التعذيب الذي عذّب به، هو تعذيباً فريداً، كما وجدته أنا شخصياً. وأضاف سماحته: فخرج ابن أبي عمير من السجن بعد ذلك، وكان محتاجاً حتى إلى درهم واحد. وكان له على رجل عشرة آلاف درهم (أي يطلبه). فباع (المديون) داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه (أي إلى ابن أبي عمير) فخرج إليه، فقال: ما هذا؟ قال: بعتُ داري التي أسكنها لأقضي دَيني. فقال محمد بن أبي عمير: حدّثني ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (الإمام الصادق صلوات الله عليه): (لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدَين). إرفعها، فلا حاجة لي فيها. والله إنّي محتاج في وقتي هذا إلى درهم ولا يدخل ملكي منها درهم. وعقّب سماحته، بقوله: كم تجدون ممن يفعل مثل ما فعله ابن أبي عمير؟ بلى يوجد مثله، ولكنهم قلّة. فلنحاول أن نكون مثله. ولبيان عظمة ما قام به ابن أبي عمير، أقول: في القانون الإسلامي أنه: لا تُباع الدار في الدَين. وهذا موجود ومتّفق عليه في الإسلام وفي كل المذاهب الإسلامية. ويعني أنه إن كان على شخص دَيناً (مديوناً) وكان عنده دار سكن، فلا يجوز للدائن أن يجبره على بيع بيته ليعطيه ما أدانه له من ثمن بيع الدار أو كل الثمن، إن لم يكن للمديون سوى الدار، من أموال وأملاك. ولكن إذا قام المديون بنفسه وترحّماً منه على الدائن، إن قام ببيع داره وأعطى ثمن ذلك للدائن، فهذا لا إشكال فيه، وأجمع كل الفقهاء على أنه يجوز للدائن، أن يأخذ هذا المال، ولكنه ليس من الإنصاف. ويجوز يعني ليس بحرام. والحرام هو إجبار الدائن للمديون على بيع داره ليأخذ من ثمن الدار الدَين أو يأخذ الثمن كله. وأردف سماحته: أما ابن أبي عمير فقد امتنع ولم يأخذ من الرجل المديون، مع أنه كان محتاجاً حتى إلى درهم واحد ليعيش به، كما ذكر هو. وهذا هو الورع. وإنّ أمثال ابن أبي عمير، أينما يذهب، يكون هو الأورع. علماً بأنّ الورع ليس مسألة سلبية، وليس معناه أن لا يذهب الإنسان إلى مكان، أو لا يتكلّم، أو لا يصنع شيئاً، كلا. فالورع إيجابيات كلّه. بل الورع هو أن يعرف الإنسان، ما هي واجباته ويلتزم بها، وما هي المحرّمات عليه، ويلتزم بتركها. وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، إرشاداته القيّمة، مؤكّداً: وهناك الكثير من هذه النماذج من أصحاب الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، ومَن تبع أصحاب الأئمة، ولكنهم قليلون. فليحاول الشباب المؤمن، ولتحاول الفتيات المؤمنات، أن يخطوا في هذا الطريق: (ليس منّا، ولا كرامة، من كان في مِصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه). أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقنا، لأن نخطو خطوات في هذا الطريق، حتى نكون أورع ممن نعيش معهم، ومع كل من نعيش معهم، ببركة مولاتنا فاطمة الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها صلوات الله عليهم أجمعين.
5/ جمادى الآخرة/1438هـ 4/ مارس – آذار/2017م
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
www.s-alshirazi.com |
|