في الشهر الكريم .. جلسات فقهية (1)




 

موقع الإمام الشيرازي

 

مع حلول شهر رمضان العظيم، في كل عام، وفي سائر ليالي الشهر العظيم، يتوافد علماء وفضلاء وطلاب من الحوزة العلمية وشخصيات مجتمعية وجمع من المؤمنين الى بيت سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، في مدينة قم المقدّسة، للمشاركة في مباحث علمية والحديث في مسائل فقهية وتاريخية وثقافية، لمناقشتها والإجابة عن الأسئلة والاستفهامات التي تثار حولها أو بخصوصها، ويستمع الحضور إلى آراء سماحة المرجع الشيرازي دام ظله فيما يُطرح في هذه الجلسات من أسئلة واستفسارات.

علماً بأن الجلسات العلمية تبدأ في الساعة الثانية عشر مساء، ويمكن متابعتها عبر الموقع الرسمي لقناة المرجعية الفضائية بعد ثلاث ساعات من انتهاء الجلسات.

كما يمكن مشاهدة هذه الجلسات بشكل مباشر وحيّ على صفحات قناة المرجعية الفضائية العالمية، على مواقع التواصل الاجتماعي، الفيس بوك وتويتر واليوتيوب والانستغرام، وكذلك عبر بعض القنوات الفضائية الشيعية المستقلّة الأخرى.

أدناه تقريراً عن الجلسة الأولى:

 

• صيام المدمن:

في بداية الجلسة سُئل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: عن شخص مدمن على المخدّرات، ولهذا السبب ﻻ يستطيع الصيام، هل له حكم المريض ليكون عليه القضاء دون الكفّارة أم لا ينطبق عليه عنوان المريض فيكون حكمه حكم المفطر عمداً؟

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظلّه: لم يرد عنوان المدمن لاسيما في الأدلّة، نعم ورد فيها عنوان المريض، (فمن كان منكم مريضاً)، والمريض عنوان عرفي، وإذا كان المريض بحالة يضرّه الصيام. ومن الواضح انّ المراد من الضرر، وطبعاً ليس الضرر القادر على التحمّل والمتعارف عليه، لأنّ هذا المقدار من الضرر المتعارف وإن كان يُعدّ ضرراً ولكنّ الأدلّة، منصرفة عنه فيكون خارجاً عن شمول الأدلّة، بل إنّ الضرر المعتدّ به والمقصود منه هو ما يُضرّه الصوم، كما ورد في الروايات، فقد سُئل الإمام (عليه الصلاة والسلام): ما هو حدّ المرض الذي يجوز مع الإفطار؟ فقرأ الإمام (عليه الصلاة والسلام) هذه الآية المباركة ردّاً على جوابه: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) ، هذا الضرر الذي ينشأ نتيجة الصيام يجوز ويسوغ الترخيص له بالإفطار.

أما المدمن إذا صام وكان الضرر عليه معتدّاً به، فيرتفع عنه حينئذ وجوب الصيام، وعليه القضاء فقط دون الكفّارة، ويجب عليه القضاء حينما يتمكّن من الصيام. هذا ولا يخفى انّه لا يجوز الإدمان على المخدّرات أساساً، وحكمه الحرمة، ولكن على الشخص المدمن عنوان المريض ويترتب عليه حكمه بالنسبة للصيام.

 

• حُرمة الإدمان:

طبعاً ﻻ يجوز الإدمان على المخدّرات في الأصل، ولكن في النهاية يصدق على الشخص المدمن مصداق المريض، وبالنسبة للصيام فله حكم المريض.

 

مفطرية الدخانيات:

سُئل: التدخين ليس من قبيل الأكل والشرب، فلم يكون مفطراً للصيام؟

فأجاب سماحته: لدينا عنوانان اثنان: أحدهما عنوان الأكل والشرب، والآخر عنوان الغبار، وبشأن الغبار فقد ورد فيه تعبير الغبار الغليظ، وقد ذهب كثير من الفقهاء وأنا أيضاً تابعاً لهم، على الاحتياط الوجوبي بالنسبة إلى مفطريته، وبعضهم قالوا بمفطريته أيضاً.

والدليل روائي، وإن كان السند محلّ بحث وكلام، ولكن العمل به منسوب إلى المشهور، والرواية هي: (أو كنس بيتاً فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين فإنّ ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب).

وألحق الفقهاء الدخان الغليظ بالغبار الغليظ، واليوم يُعبّر العرب والمتحدّثين بالعربية عن استعمال السجائر والتبغ بالشرب، على الرغم من أنّه يمكن القول بأن استعمالهم هذا مجاز، ولكنّي اذكر ذلك بعنوان المؤيّد لا الدليل.

ومع ذلك فإنّ مسألة التبغ تبقى مناقشة وبحثاً علمياً، ولكن أغلب الفقهاء اعتبروه مفطراً، وذلك استناداً إلى هذه الرواية.

 

• جابرية وكاسرية الشهرة:

لأنّ المشهور عمل بها، والشهرة العملية جابرة سنداً ودلالةً، كما أنّ الإعراض المشهور كاسر سنداً ودﻻلةً، وهذا الأساس هو ما عمل به على الأقل ٩٠% من الفقهاء بدءاً من الشيخ المفيد قدّس سرّه وحتّى يومنا هذا، إن لم يكن أكثر.

لاحظوا حتّى أنّ السادة العلماء الذين لم يقولوا في الأصول بجابرية وكاسرية الشهرة كالمحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك، فإنّهم في الفقه وفي موارد عديدة قاموا بالجبر والكسر في الشهرة.

 

• المخدّرات من دون الدخان:

سُئل: استعمال المخدّرات من دون الدخان، بل بالمسح والتدليك مثلاً، هل يُبطل الصيام أم ﻻ؟

فأجاب سماحته: لأنّه ليس عن طريق الأكل والشرب فلا يكون مبطلاً للصيام، إلاّ إذا وصل إلى مقدار يؤدّي إلى الغيبوبة وفقدان العقل، ومن الواضح انّ أصل الإدمان على المخدّرات من جهة مستلزماته غير المشروعة لا يجوز، وكذلك يحرم من جهة ارتكاز المتشرّعة، ومن الممكن أن تكون كبرى الارتكاز إجماعياً ومتسالماً عليها، ويبدو أنّ للصغرى متحقّقة في هذا المورد. ولكن حرمته غير مستلزم لبطلان الصيام، بل هو من قبيل النظر إلى الأجنبية فهو محرّم ولكن غير مبطل للصيام.

 

• الإنسان المدمن وحكم ذو العطاش:

قيل: من باب تنقيح المناط في ذي العطاش هل يمكننا القول بأنّ الإنسان المدمن على المخدّرات يستطيع استعمال التبغ وما أشبه ولا يكون مبطلاً لصومه؟

فقال سماحته: هذا الاستظهار صعب ومشكل، وإن كنّا في باب ذو العطاش نعدّ الإحساس بالعطش طريقياً لا موضوعياً، ولكن توسّعت الاستفادة من ذي العطاش إلى هذا المقدار مشكل وصعب.

 

• بخّاخ ضيق التنفّس:

سُئل: ما هو حكم بخّاخ ضيق التنفّس؟ هل يبطل الصيام؟

فقال سماحته: على الأغلب يقول الفقهاء بالجواز لأنّ السائل يدخل إلى الرئتين لا المعدة، والرطوبة قليلة جدّاً، وهو لا يحكم بحكم الغبار الغليظ أيضاً.

 

• حريم المِلك:

سُئل: ما معنى حريم الملك؟ وما هو حكمه؟

فقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظلّه:

هذا البحث تطرّق إليه الراحل الأخ (قدّس سرّه) مفصّلاً وقال: لكلّ ملك حريم، والحريم بمعنى يشمل مقداراً من أطراف الملك التي تكون صاحب الملك بحاجة إليها من أجل الذهاب والإياب أو الضيف أو موقفاً للسيارة وما شابه ذلك، وتختلف الخصوصية والحريم، فهناك اختلاف بين حريم الحديقة أو المسجد أو الحسينية أو البيت الصغير أو البيت الكبير، ومعيار المعرفة وتحديدها هو العرف، وبناءً على هذا المقدار الذي يُعدّ حريماً عرفاً لا يحقّ لشخص أن يزاحم صاحب الملك فيه.

علماً أنّ الحريم يختلف عن الملكية، فالحريم يعني اختصاص المكان للشخص المذكور من جهة ملكه، وتصرّف الآخرين في ذلك الإطار يكون (لا ضرر) و(حقّ الغير)، ولكن إذا كان بشكل لا يعدّ المزاحم بحاجة إلى صاحب الملك، أو ﻻ يصيبه ضرر ما، فلا يحقّ لصاحب الملك أن يمنعه، وعلى سبيل المثال:

إذا سافر صاحب العقار لمدّة شهر واحد وأغلق باب بيته، يستطيع شخص آخر أن يفرش أمام بيته للعمل أو ينام بجانب بيته أو يجلس، أو أن يوقف سيارته، فلا مانع من مثل هذه التصرّفات على الفرض المذكور، ولا يخفى بشرط ألاّ يكون هناك عارض لعنوان آخر، وعلى سبيل المثال أن لا يكون هناك إزعاج أو زحمة للمارّة.

ويجب أن نرى كم هو مقدار دليل الحريم والخصوصية على الظهور في الشمول، ويبدو أنّ دليل الحريم ﻻ يشمل هذا المقدار، ولا أقلّ من الشكّ، والأصل عدم الإشكال فيها.

وملخّص الحريم يعني: المكان الذي يكون الشخص فيه مالكاً بالتصرّف لجهة ملكه، ويكون المالك مانعاً للآخر من تصرّف المزاحم له وتصرّف المضرّ معه، وليس الحريم أن يكون مالكاً طلقاً له، ويكون لديه حقّ البيع أو الإجارة بعنوان الملكية، والحريم حقّ، وللحقّ مرتبة دون الملك.

على أية حال هناك خلاف بشأن الحقّ ومحلّ للكلام، هو ما إذا كان يمكن استبداله بالمال، وعلى سبيل المثال أن يبيع أو يستأجر، فقال الشيخ (قدّس سرّه): لا يمكن الاستبدال بالمال، والبعض قالوا ـ كالراحل الأخ (قدّس سرّه) في مقام البحث العلمي ـ أنّ الحقّ يمكن استبداله بالمال.

 

• التحديد الشّرعي للحريم:

ورد في بعض الموارد دليل خاص على تحديد الحريم، كمثل البئر ما هو حريمه، وفي هذه الحالات اختلف العلماء حولها أنّ الحريم المذكور هل هو من باب بيان المصداق أم بيان المفهوم، فآراء الفقهاء هنا مختلفة.

فقال البعض جموداً على النص: حريم البئر حتّى إذا لم يكن ضررياً على صاحب البئر لا يمكن التصرّف فيه إلاّ بإجازة صاحب البئر، والبعض الآخر وبمناسبة الحكم والموضوع قد حمل النصّ على الحالة التي يكون التصرّف مضرّاً على حال المالك.

مع ذلك فإنّ الحريم في الأدلّة من المفاهيم التي تخضع لموضوع حكم شرعي، وموضوعات الأحكام الشرعية أكثرها عرفية، لأنّ الشارع المقدّس لم يعبّر عنها ببيان خاص أو تحديد خاص، وبالطبع فإنّ لكلّ مفهوم مصاديق معلومة الوجود أو معلومة العدم، ومن ناحية أخرى له مصاديق مشكوكة، وحتّى أنّ (الماء) وهو أوضح المفاهيم فإنّ له بالنسبة إلى بعض المصاديق كمثل المياه الكبريتية قد وقع مورداً للشكّ، وأيضاً في مسألة الحريم يمكن أن يشكّ في بعض مصاديقها.

 

• القصر والتمام في الأماكن الأربعة:

المسألة الأخرى التي طرحها أحد الحاضرين، كانت مسألة حكم التخيير بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة. فقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظلّه في تبيين هذه المسألة:

روايات هذه المسألة مختلفة، وهذا التخيير للمسافر فقط للصلاة وليس للصيام، ولذلك فإنّ المسافر ﻻ يستطيع الصيام في هذه الأماكن. وقال بعض الفقهاء، ومنهم صاحب العروة والعشرات من الفقهاء الذين لهم حاشية وشرحاً على العروة:

جميع هذه المدن الأربعة موضوع للتخيير، وقد ورد في الرواية المعمول بها أنّ: مكّة حرم الله سبحانه، والمدينة حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والكوفة حرم الإمام أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام)، وكربلاء حرم الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وأنّ موضوع تخيير حكم هذه المدن الأربعة: مكّة، المدينة، الكوفة، وكربلاء، ولهذا فكلّما توسّعت هذه المدن فإنّ حكم التخيير سوف يشملها، واليوم لجهة اتصال مسجد السهلة مع مدينة الكوفة، فإنّ مسجد السهلة أيضاً يجوز للمسافر التخيير بين القصر والتمام، وهكذا بالنسبة إلى مدينة مكّة التي كانت صغيرة قبل ذلك وهي اليوم قد توسّعت كثيراً، وهكذا بالنسبة إلى المدينة، ومدينة كربلاء، وفي المقابل فإنّ رأي بعض الفقهاء كالراحل الوالد (قدّس سرّه) هو لأنّ الروايات قد وردت في مقام التحديد، وللحدّ مفهوم عرفي، لذلك فإنّ حكم التخيير لدى هؤلاء البعض من الفقهاء يشمل فقط تلك المحدودة فقط وهو لا يشمل كلّ المدينة مع التوسعة.

 

• عدم التخيير في مدينة النجف:

سأل أحد الحضور: بالنظر إلى اتصال مدينتي الكوفة والنجف في هذا الوقت، لم لا تقولوا بتخيير المسافر في مدينة النجف الأشرف؟

أجاب سماحته: لأنّ النجف الأشرف بحدّ ذاته عنوان خاص، لوجود الضريح المظهر للإمام أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام) وهذا العنوان الخاص أدّى إلى أن لا تكون تحت شعاع عنوان الكوفة وفي دليل التخيير، فقد جعلت عنوان الكوفة للموضوع، لذلك لا يمكن تحميل الحكم الخاص بالكوفة للنجف التي تحمل بدورها عنواناً خاصّاً ومستقلاً.

 

• أراضي كربلاء المقدّسة:

سأل أحد الفضلاء: ما مدى صحّة الرواية التي تقول بأنّ الإمام سيّد الشهداء (عليه الصلاة والسلام) قد قام بشراء أربعة أميال في أربعة أميال من أرض كربلاء وقد وزّعها على أولئك الذين يقطنون فيها شرط ان يقوموا بضيافة زوّار الإمام (الحسين صلوات الله عليه)؟

قال سماحته: هذه الرواية مرسلة وهي لم تؤيّد ولم يعمل بها الفقهاء، ولذلك فهي ليست ملاكاً للحجيّة، نعم إنّه موضوع تاريخي نقله بعضهم، ولم أرَ أحداً من الفقهاء قد رتّب عليه حكماً شرعياً، وإذا رأى أحد بأنّه حجّة لابدّ أن يقول: لا يجوز بيع وشراء هذا المقدار من أرض كربلاء، ولكن لم يقل أحد من العلماء بذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

9/ شهر رمضان/1439هـ


www.s-alshirazi.com