تقرير الجلسة الرمضانية العلمية الثانية/1442هـ




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين

 

 

رواة الحديث ومسألة التقليد

في ابتداء الجلسة طرح هذا السؤال: إحدى الشبهات المطروحة حول التقليد هذه الشبهة: انّ إحدى أدلة جواز التقليد هو التوقيع الشريف الصادر من قبل الإمام الحجّة صلوات الله عليه: «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ أحَادِيثِنَا» قالوا: أي دلالة لـ«رُوَاةِ أحَادِيثِنَا» على أن يكون الرواة مجتهدين حتماً؟

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: يتّضح بالسبر والتقسيم أنّ رواة الحديث هم الذّين يفهمون الحديث ويلاحظون معارضه، وأحياناً لو كان الحديث معرضاً عنه فيلاحظونه، وبالنتيجة يعلمون أطراف ذلك الحديث وجوانبه، وليس المراد من الراوي من نقل الحديث فقط. وجاء في رواية: الفقيه هو من يعرف معاريض كلامنا.

عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: «وَلَا يكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهاً حَتَّى يعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا وَإِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ‌». وجاء في رواية أخرى: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيرٌ مِنْ أَلْفٍ تَرْوِيهِ».

من جانب آخر: إذا أرجع عليه السلام أخذ الحكم في الحوادث الواقعة إلى رواة الحديث يفهم منه أنّه يجب عليكم أن تأخذوا الأحكام الشرعية منهم، ومعلوم أنّ من كان ناقل الحديث فقط لا يقدر أن يستخرج ويستنبط الأحكام الشرعية فعلى هذا الجمع بين الروايات يدلّ على أنّ الراوي لا بدّ له من أن يكون فقيهاً مجتهداً.

هل التورية كذب؟

طرح سؤال آخر حول التورية هل هي كذب أم لا؟

قال دام ظله: في التورية قولان: قال جماعة من الفقهاء: إنّها كذب، لأنّ لها ظهوراً في الكذب عرفاً. وقال آخرون: إنّها ليست بكذب لأنها منصرفة عن موضوع الكذب، والكذب هو الإخبار على خلاف الواقع. وأمّا التورية فهي مطابقة مع الواقع إلّا أنّ المخاطب يفهم منها خلاف الواقع، فسئل: ما هو رأيكم الشريف؟ قال سماحته: أرجّح من النظر الصناعي أنّ التورية ليست كذباً ولا بأس بها إلاّ أنّ الاحتياط حسن.

الحروف الزائدة في القرآن

سأل أحد من الفضلاء: ما هي فائدة الحروف الزائدة في القرآن؟ كما في الآية الشريفة (ليس كمثله شيء) قال علماء النحو: الكاف فيها زائدة.

أجاب دام ظله: معنى زيادتها هنا أنّها لو لم تذكر لم يكن الكلام ناقصاً ولكنّ هذه الحروف يحتاج إليها في تأدية المعنى المراد منها من حيث البلاغة ودقائق أسرار الفصاحة. وفي الآية الشريفة، أنّ الله تعالى ليس له مثل وهذا المعنى يؤدّى بدون ذكر الكاف أيضاً إلاّ أنّ في ذكرها لحظات مختلفة بلاغية منها حسن التعبير وزيادة الوجاهة والملاحة والجمال في الكلام. كما أشار الى هذه الجهات المرحوم الشيخ الطوسي في تفسير التبيان أحياناً. ولو تأمّل الإنسان في كل واحد من الموارد التي جاءت في الكلام الفصيح مثل القرآن الكريم ونهج البلاغة والصحيفة السجادية لربّما يصل إلى بعض من وجوه بلاغتها وفصاحتها، ونفس مسألة الفصاحة والبلاغة هي من وجوه كون القرآن معجزاً وهذه المسألة بالنسبة إلى القرآن مهمة كثيراً.

جاء في التاريخ أو في الرواية أنّ فصحاء المشركين وبلغائهم كانوا ينشؤون كلمات فصيحة وبليغة أو ينشدون قصائد بليغة ويعلّقونها على الكعبة المقدّسة للمفاخرة كي يتأمّلها الناس وصارت معروفة بالمعلّقات. فلو كان أحد ينشئ كلاماً أبلغ يعلّقه جنب الكلام الذّي قد علّق عليها قبله وإذا رأى صاحب الكلام القبلي أنّ كلامه أدنى في الفصاحة من الكلام الجديد، يرفه ويأخذه، وإذا نزلت آيات من القرآن الكريم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعلّقوها على الكعبة. ولما رأى المشركون آيات القرآن وشاهدوا بلاغتها وفصاحتها، رأوا أنّ كلامهم في مقابل القرآن أدنى وأخف كثيراً وجدّاً، فسحبوا قصائدهم وكلامهم من جدار الكعبة.

ذكر التاريخ نموذجين من ذلك:

أحدهما جملة كانت مكتوبة من قبل فصحاء العرب في بيان أهمية القصاص وهي: «القتل أنفى للقتل» وقد علّقوها على الكعبة الشريفة، فلما نزلت آية القصاص الكريمة: (ولكم في القصاص حياة) أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعلّقوها على الكعبة وإذ ارآها المشركون، أخذوا جملتهم التي علّقوها مسبقاً، لأنّ كثيراً منهم كانوا متخصّصين في معرفة الفصاحة والبلاغة ويعرفون فصاحة القرآن العليا وبلاغته إلى حدّ.

نموذج آخر: أنشد أحد من شعرائهم قصيدة قال فيها: «دنت الساعة وانشق القمر» وقد علّقها على الكعبة، فلما نزلت الآية الشريفة (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) جاء الشاعر المذكور وانتزع قصيدته من الكعبة.

سأل أحد من الحاضرين: فلو أنّ درك الفصاحة والبلاغة بحاجة إلى التخصّص مع أنّ من وجوه إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته فليكن الفصاحة والبلاغة قابلين لأن يدركهما كل شخص حتى يعرفوا إعجاز القرآن.

أجاب سماحته دام ظله: نعم درك الفصاحة يحتاج إلى التخصّص. وفي زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان فئة متخصّصين في معرفة الفصاحة والبلاغة والباقون يقبلون قولهم ويعتقدون صدقهم وهم يذعنون ويعترفون بأنّ فصاحة القرآن في مستوى أعلى وخارج عن قدرة البشر العادي ومثل هذا المطلب كان في زمن كلّ نبي (عليهم السلام) كما نقل أنّه لما سمع أحد من الفلاسفة والأحبار أنّ موسى (عليه السلام) ادّعى النبوّة وقال: أنا كليم الله، جاء اليه وقال: هل أنت تقول وتدّعي أنّ علّة العلل كلّمك؟ قال موسى (عليه السلام) نعم، قال: كيف كلّمك؟ قال موسى (عليه السلام): «من جميع الجهات وبكل اللغات» فقال ذلك الحبر للناس: هذا الشخص نبيّ حقّاً فاتّبعوه.

بناء على هذا، كان أهل الاختصاص موجودين في كل زمن وكانوا يشخّصون الإعجاز ويعرفونه، كما عرف السحرة الإعجاز وخرّوا ساجدين. ومن جانب آخر: يمكن أن لا يكون الإنسان من أهل الاختصاص ولكن يعرف عظمة الشيء إلى حدّ ما.

المتوكّل العباسي يهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)

سئل سماحته: عندما هدم المتوكّل وعمّاله قبر الامام الحسين (عليه السلام) الطاهر هل وصلوا إلى بدنه الشريف وتعرّضوا له؟

أجاب دام ظله: طبقاً إلى ما نقل، قد هدم القبر الشريف مرّة واحدة شخص يسمى ديزج بأمر المتوكّل وأراد أن يشقّ القبر ويكشف عنه فلم يقدر عليه. وما نقل من تهديم قبره الشريف في زمن المتوكّل سبع عشرة مرة يعني هدم المتوكّل حرم الإمام الشريف مثل القبة الشريفة أو الغرفة التي كانت على القبر الطاهر. فكان الشيعة يعدون البناء ومرة أخرى يهدمه المتوكّل.

المصل والإبرة للصائم

سؤال آخر طرحه أحد الحضور حول استعمال المصل والإبرة المقوية للصائم هل يبطل الصوم أم لا؟ أجاب دام ظله: عدّة من الفقهاء ـ مثل المرحوم آية الله البروجردي ـ قد استشكلوا في ذلك وأرادوا استفادة الملاك بأنّ الصائم كما يرتفع عطشه وجوعه بالشرب والأكل فكذلك المصل وإبرة التقوية يرفع العطش والجوع، فحكمهما حكم الأكل والشرب. ولم أر البتة أحداً من الفقهاء قد افتى بهذا، بل احتاطوا احتياطاً وجوبياً. وأمّا استفادة الملاك فليست واضحة، والذّي يبدو انّ المصل والإبرة لا بأس بهما ولا يبطلان الصوم ويستحبّ تركهما احتياطاً استحبابياً.

اطلاع المقلّد على خطأ المجتهد في فتواه

في آخر الجلسة طرح هذا السؤال: هل فتوى المجتهد حجّة للمقلّد ولو علم أنّ فتواه خطأ؟

أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: فتوى المجتهد أمارة، وإنما تكون الأمارة حجّة في ظرف الشك، وإلّا فلو حصل العلم لشخص بوفاق الأمارة فجعل حجيّة الأمارة حينئذ من أردأ أنواع اجتماع المثلين، ولو علم بخلاف الأمارة فلازم جعل الامارة حجّة حينئذ هو اجتماع الضدّين أوالنقيضين. وقال الفقهاء في فتوى المجتهد: لو حصل العلم بأنّ فتوى المجتهد خطأ أو مستند فتواه خطأ، فهذا الفتوى ليست حجّة، لأنّ حجيّة العلم أمر ذاتي وليست قابلة للجعل والرفع حتى أنّهم قالوا: قطع القطّاع حجّة لنفسه. وبلى، خالفهم من العلماء المرحوم الشيخ كاشف الغطاء فقط في أصوله المختصر الّذي كتبه في مقدّمة كشف الغطاء وشرحه ابنه المرحوم الشيخ حسن كاشف الغطاء حيث قال: قطع القطّاع ليس بحجّة. ولابدّ من توجيه كلامه بأنّ المراد هو القطاع الذي لم يلتفت هو نفسه بأنّه قطاع. وأمّا إذا لم يلتفت بكونه قطّاعاً ولا يحسب نفسه قطّاعاً ويحسبه الآخرون قطّاعاً، فقطعه حجّة لنفسه.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

 

10/شهر رمضان/1442هـ

 


www.s-alshirazi.com