تقرير الجلسة الرمضانية العلمية الثالثة/1442هـ




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

 

 

 

قول الوالد لولده: الصوم يضرّك

سأل أحد الفضلاء: لو قال الوالدان لولدهما البالغ حديثاً: نحن نعلم أنّ الصوم يضرّك. فهل قول الوالدين حجّة له أم لا؟

قال سماحته دام ظله: في قانون الضرر والحرج ورفع التكاليف، الملاك هو تشخيص الشخص نفسه، وفي الصوم أيضاً كذلك، قال الفقهاء ومنهم صاحب العروة: لو قال الطبيب الحاذق الثقة لشخص: الصوم يضرّك وهو يعلم أنّ الصوم لايضرّه، فالملاك هو تشخيصه نفسه و يجب عليه الصوم، وكذلك العكس، يعني لو قال الطبيب: الصوم لا يضرّك وأنت تستطيع أن تصوم ولكن تشخيصه نفسه أنّ الصوم يضرّه فهنا يعمل حسب نظره و تشخيصه، وهنا لو أنّ الوالد البالغ حديثا الّذي يريد أن يصوم لو كان رشيداً على نسبة عمره فليعمل بوجهة نظره نفسه وتشخيصه، وأما لو لم يكن له رشد عقلي وفكري بنسبة عمره فله أن يعمل وفق قول والديه وتشخيصهما.

شبهة التعارض بين روايات تقديم الحجّ الندبي على الصدقة وبين روايات تقديم الصدقة على الحّج

سُئل سماحته: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا رسول الله قد منعتني المشاغل في هذه السنة أن أحجّ حجّة مندوبة وأنا رجل ذو مال فلو اُنفق في سبيل الله شيئا من مالي يحصل لي ثواب الحجّ؟ فأشار رسول الله إلى جبل أبي قبيس وقال: لو أنفقت مقدار هذا الجبل ذهباً في سبيل الله لا تدرك ثواب الحجّ. ومنها:

عن معاوية بن عمار قال: لمّا أفاض رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلقّاه أعرابي بالابطح فقال: يا رسول الله إني خرجت أريد الحجّ فعاقني، وأنا رجل ميل ـ يعني كثير المال ـ فمرني أصنع في مالي ما أبلغ به ما يبلغ به الحاج، قال: فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أبي قبيس فقال: لوأنّ أباقبيس لك زنته ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت ما بلغ الحاج. (الكافي ج 4 ص 258 باب فضل الحج والعمرة و ثوابهما ج 25).

وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: لو كان لأحدكم مثل أبي قبيس ذهب ينفقه في سبيل الله ما عدل الحج، ولدرهم ينفقه الحاج يعدل ألفي ألف درهم في سبيل الله (المحاسن للبرقي ج1،ص64،ح114). وفي قبال ذلك روايات تقول: قضاء حاجة مؤمن أفضل من الحجّ أومن عشرة أطواف حول بيت الله فكيف يمكن التوفيق بين هذه الروايات؟

أجاب دام ظله: يوجد مثل هذه الروايات في الأبواب المختلفة، كالصلوات المستحبّة والحجّ والزيارة وغير ذلك والذي قاله الأكابر في الجمع بين هذه الروايات ـ ويبدو أنّه جيد وتامّ ـ أنّ هذه كلها من قبيل المقتضيات لا العلل التامة يعني انّها تؤثر لو لم يمنعه مانع، وهذه لجهة حفط كلام الحكيم من اللغوية والخطأ، والأئمة عليهم السلام سادات الحكماء وكلام كل واحد منهم في حكم كلام واحد من متكلم واحد. وقيل وجوه اخر أيضا للجمع بين هذه الروايات ـ البتّة ـ مثل أنّ الحجّ والصدقة لهما مراتب، ولكن هذا الجمع لايتأتّى في جميع الموارد، فعلى هذا العمدة في الجمع بينها هو كونها مقتضيات.

مفطرات الصوم

سئل: شخص يخرج الدم من لثّته دائماً وبحاجة إلى أن يغسل فمه ويبصق بزاقه، ويحصل خروج الدم حين النوم، فما هو تكليفه في صوم شهر رمضان؟

أجاب دام ظله: لو بلع الدم في النوم أو عن غير اختيار فلا إشكال فيه، وصومه صحيح، ولا يجوز بلعه عن عمد واختيار كما أنّه لا يجوز بلعه في سائر الأيام أيضاً.

سأل أحد من الحاضرين: لواستهلك دم اللثة في البصاق فما حكمه؟

قال سماحته دام ظله: لا إشكال عند الاستهلاك. قال صاحب العروة: لو خرج دم يسير من اللثة فاستهلك لا يخلً بالصوم لأن الدم إذا استهلك تغير العنوان، والاحكام تابعة للعناوين. قال لنا الدليل الشرعي: الدم نجس ولا يجوز أكله ولكن إذا استهلك فليس هو دم عرفاً وإن بقي ذرّات الدم دقةً، لكن في الموضوعات نظر العرف هو الملاك دائماً إلّا أنّ بلعه يوجد دليل خاص على الخلاف. مثلاً لو بلع بقايا الطعام بين الأسنان فلا يعدّ كلاً عرفاً ولكن بدليل الارتكاز يبطل الصوم ولا تبطل الصلاة. وكذلك لو اضطرّ المريض أن يأكل كل يوم قرصاً صغيراً جدا فربما لا يعد أكله عرفاً أكلاً ولا يحسبه العرف مضرا للامساك، لكن لنا دليل على أنّ هذا المقدار من الأكل أيضاً يبطل الصوم والدليل هو ارتكاز المتشرعة.

الائتمام بذوي الأعذار

كان السؤال الآخر حول إمامة ذوي الأعذار وهل يجوز إمامتهم؟

قال دام ظله: نعم يجوز إمامته والدليل عليه إطلاقات ادلّة الجماعة، بلى فيه استثناء واحد فقط أنّه لا يجوز امامة الجالس للقائمين وينحصر الحكم فيه على الامام المعصوم فيجوز إمامته جالساً كما أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) في آخر ايام عمره الشريف جاء إلى المسجد وأقام الجماعة جالساً.

فسئل: إذا نشك في صحتة إمامة ذي العذر أليس لنا إجراء أصالة عدم الصحة؟

أجاب دام ظله: هذا أصل مسببي، لأنّ إطلاقات الجماعة إذا تشمل هذا المورد فلا يبقى لهذا الشك محل.

شبهة تعارض أدلّة الأمر بالمعروف مع أدلّة وجوب حفظ الوحدة وحفظ نظم الاجتماع

سأل أحد الفضلاء عن التعارض بين أدلّة الأمر بالمعروف وأدلة عدم جواز ايجاد التفرقة، فمن جانب يجب حفظ النظام الاجتماعي ولايجوز ايجاد التفرقة والتشتّت في الاجتماع، ومن جانب آخر مقتضى أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أنّ الحاكم إذا كان فاسقاً وظالماً يجب امره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فإذا أوجب القيام بهذه الوظيفة أن يختل النظام الاجتماعي فعند التعارض أيهما يقدّم؟

أجاب دام ظله: ليس هنا تعارض؛ لأنّ أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لجهة كونها ناظرة فهي حاكمة، ويشترط في التعارض تكافؤ الدليلين. والشاهد على تقدّم أدلة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الآية الشريفة، قال عزّ من قائل: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (سورة البقرة،213) أوجب بعث الأنبياء أن يختل اجتماع الناس على كفرهم، فعلم أنّ التفرقة والاختلاف ليس مذموماً في كلّ مورد.

التضرّع إلى الله تعالى

سال أحد الحضور: قال الإمام السجاد صلوات الله عليه في دعاء أبي حمزة: «أنا الذي أعطيت على معاصي الجليل الرشا». أو يقول (عليه السلام) في فقرة أخرى: «إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد» إليس كلّ ذلك منافياً للعصمة؟

أجاب دام ظله: قد ورد مثل هذا الكلام عن المعصومين عليهم السلام في أدعيتهم وكلماتهم فلابد من تأويلها وتوجيهها لأنّ لنا أدلة قطعية على أنّ المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم لا يعصون الله بل لا يرتكبون المكروه وحتى ترك الأولى وحتى لا يختلج فكرها ببالهم، ولكن في مقام العصمة العليا كانوا يرون أنفسهم في مقابل الله تعالى مقصّرين دائماً وربما يرون الأكل والنوم اللذين لا محيص عنهما عصيانا في حضرة البارى تعالى وكانوا يستغفرون الله تعالى لهذه الامور التي لابد منها في الحياة لأنهم يحسبونها تقصيراً امام المقام الربوبي كما قيل: (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين) وهذا ليس رواية ولكن كلام جيد. وهنا أذكر مثالاً:

افرضوا أنّ شخصا تمنّى طول سنين أن يتشرّف بلقاء الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وبعد مدة مديدة تشرّف بلقائه (عليه السلام) وفي رجله ألم ووجع فيمدّد رجله بسبب الألم عند حضرته مع أنه ليس مقصّراً بل هو معذور ولكن هو يشعر بالخجل الى آخر العمر ويطلب العفو منه (عليه السلام).

قال أحد من الحاضرين: أليس هذا كله لتعليم الآخرين؟

أجاب حفظه الله: نعم كان جهة التعليم أيضا منظوراً لكن ما كان لجهة التعليم فقط مثلاً الأمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يبكي من خوف الله تعالى بحيث يسقط على الأرض مغشياً عليه. ولما رآه أحد من أصحابه يوماً بهذه الحالة حسب أنه قد مات وجاء إلى بيت فاطمة (عليه السلام) فأخبرها بذلك فقالت سلام الله عليها: إنه لم يمت بل تعرض له هذه الحالة من خشية‌ الله تعالى وخوفه. وكذلك بكاء الإمام السجاد صلوات الله عليه عند قراءة الدعاء المأثور بأبي حمزة الثمالي أو بكاء باقي الأئمة صلوات الله عليهم، فإن بكاءهم ما كان للتعليم فقط بل كانوا يبكون لخوفهم من الله تعالى وكان تجري دموعهم من خشية الله.

وقال أحد من الفضلاء الحاضرين: جاء في بعض الروايات: كان هذا الاستغفار منهم لمغفرة ذنوب شيعتهم.

قال دام ظله: نعم هذا يمكن أن يكون وجهاً أيضاً. وبالنتيجة المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم لا يفكرون بالمعصية قطعاً ولا بالمكروه ولا حتى بترك الأولى، وما كان منافيا لهذا الأمر القطعي والمسلّم فلا بد من التوجيه والتأويل.

عدم توبة ظالمي السيدة الزهراء عليها السلام

سئل: نقلوا أن بعض أعداء السيدة فاطمة سلام الله عليها أظهر الندم في لحظات النزع وقال: ليتني لم اكشف بيت فاطمة، فهل هذا يدل على التوبة؟

قال دام ظله: كلا، لأنّه يشترط في التوبة الندم واقعياً وحقيقياً لا التظاهر بالندم. وبالنظر إلى الأدلّة وقرائن أخر، نقطع أن ندامته ما كانت واقعية بل كان متصنّعاً كذباً وتظاهراً.

حكم صوم ذي ‌العطاش

سئل: ما حكم ذي‌ العطاش ومن له داء العطش؟

أجاب دام ‌ظله: هذه المسألة محل خلاف ونقاش، وقد تناولها صاحب العروة رحمه الله. وتطرح عدّة مسائل في ذي العطاش، وبتعبير صاحب العروة: من به داء العطش:

1ـ هل يجب عليه قضاء الصوم أم لا؟ في رواية صحيحة أنّه لا قضاء عليه وهو عندي كذلك. مع انّه أفتى جماعة، كالمرحوم صاحب العروة، بقولهم: يجب عليه القضاء عند تمكنه.

2ـ أي مقدار من الماء يشربه؟ بمقدار الضرورة أو أكثر منه؟

على رأي جماعة، وهو قوي عندي أيضاً: له أن يشرب ما شاء ولا يجب الاقتصار على مقدار الضرورة وإن كان الاقتصار عليه احتياطا مستحباً، ولكن لا يجوز له أكل الطعام وإن قال بعضهم: يمكنه أن يأكل الطعام أيضاً.

3ـ هل يجب عليه الفدية.

سأل أحدٌ من الحاضرين: لو تمكن ذو العطاش من قضاء الصوم بعد ذلك وقضاه، فهل يجب عليه الفدية أيضاً؟

أجاب دام ظله: الفدية في كل حال، واجب تعييني. بلى في خصوص المريض والمسافر لو قضيا الصوم بعد شهر رمضان بطول السنة، يسقط عنهما الفدية. واما ذو العطاش والشيخ والشيخة والحامل المقرب والمرضع قليلة اللبن، هذه الطوائف الخمس يجب عليهم الفدية لإفطارهم في شهر رمضان وإن تمكنوا من القضاء بعدها.

نوّاب الإمام الحجّة الخواص

سئل: نقل أنّ جدّة الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف (أمّ الإمام العسكري عليه السلام) كان لها الوصاية أو الو كالة بزمن الغيبة الصغرى من قبل الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه، فكيف قالوا بأنّ سفراء الإمام ونوّابه في الغيبة الصغرى كانوا أربعة؟

أجاب دام ظله: لامنافاة في أنّ الإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، مع أن سفراءه كانوا اربعة وكانوا هم الواسطة بينه وبين الناس وهم يبلغون قضايا الشيعة وحوائجهم إليه عليه السلام ويوصلون أجوبة اسئلتهم إليهم وهو عليه السلام في ذلك الحال كان يرسل كتاباً الى أشخاص جاءت اسماؤهم في التاريخ ومنهم المرحوم الشيخ المفيد وهو كان يعيش بعد زمن الغيبة الصغرى واوائل الغيبة الكبرى، فلا منافاة أن تكون جدّته وصياً له في بعض الأمور.

كيفية الصلوات

كان السؤال الأخير: هل يلزم في ذكر الصلوات أن يقال وسلم أيضاً ؟ وهل يحتاج إضافة «وسلم» أم لا؟ كما قال تعالى: «يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا»؟

أجاب دام ظله: ما جاء في الأدعية عن المعصومين صلوات الله عليهم كأدعية الصحيفة السجادية أنّه لم ترد «وسلّم» غالباً. بلى وردت في بعض الموارد إلاّ أنّها نادرة ولا إشكال أن يقال: «وسلّم» أيضاً. وما جاء في تفسير الآية الشريفة المذكورة، أنّه لا يعني أن يقول «وسلّم» بل المقصود: كونوا مسلّمين له صلّى الله عليه وآله.

وصّلى الله على محمّد وآله الطاهرين

 

11/شهر رمضان/1442هـ


www.s-alshirazi.com