المطارحات العلمية الرمضانية (9+10+11+12)




 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المطارحة العلمية الرمضانية التاسعة

نصّ المطارحة العلمية التاسعة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444هـ، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء الجمعة 9 شهر رمضان العظيم1444هـ (31/3/2023م):

1ـ ما هو الفرق بين العلم بحصول الإحتلام إذا نام في نهار شهر رمضان و بين خروج متبقى الطعام من بين الاسنان مع عدم التخليل فلا يبطل الصوم في الأول ويبطل في الثاني؟

ج ـ المسألتان هما من باب واحد، والظاهر أنَّ الأصل فيهما هو البطلان إلّا أنه في الاحتلام في نهار شهر رمضان لم يضر ذلك بصومه؛ باعتبار تمامية أركان قاعدة «لو كان لبان»، ولكن في عدم التخليل، وإن كان أكثر الناس لا يتخللون ولا يستاكون، فإنّ خروج متبقى الطعام من بين اسنانهم لم يكن يقينياً فأركان قاعدة «لو كان لبان» غير تامة في هذا المورد.

قال صاحب العروة: «إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار شهر رمضان يحتلم فالأحوط تركه، وإن كان الظاهر الجواز خصوصاً إذا كان الترك موجباً للحرج» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج10، ص74، م14) فهذه المسألة من المسائل القديمة التي هي محل خلاف بين الفقهاء حتى قبل صاحب العروة، وبعض الفقهاء كتبوا حاشية على هذه المسألة ولم يقبلوا كلام صاحب العروة.

ويقول صاحب العروة أيضاً: «لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم، وإن احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه، ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهواً. نعم لو علم أنَّ تركه يؤدي إلى ذلك، وجب عليه وبطل صومه على فرض الدخول» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج10، ص60، م1).

2ـ ما هو الفرق بين المكرَه وبين المُلجأ فيجب قضاء الصوم على المكره ولا قضاء على الملجأ؟ وما هو حکم عقد المكره والمضطر؟

ج ـ القاعدة في المكلّف المختار أنه لو ارتكب شيئاً من المفطرات يجب عليه قضاء صوم ذلك اليوم ففي المكره ينسب الإتيان بالمفطر إلى المكلّف ولا منافاة بين كونه مكرهاً وبين كونه مختاراً. نعم إنه وإن كان مختاراً إلّا أنه يأتي بالمفطر لدفع الضرر عنه فيجب القضاء عليه ولا كفارة عليه.

ولكن الملجَأ هو من أتى بالمفطر قهراً فيكون مسلوب الاختيار في الإتيان، ولا ينسب الفعل إليه، ولهذا لا يجب القضاء في الملجأ، وإن كان الاضطرار والاكراه ورد في حديث الرفع في سياق واحد. قال صاحب العروة: «اذا كان مكرها في الارتماس لم يصح صومه بخلاف ما إذا كان مقهوراً» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج10، ص103، م40) وقد وقع الكلام هذا مقبولاً عند المحشين.

وقد ذهب الفقهاء إلى أنَّ عقد المكره باطل ولكن عقد المضطر صحيح لأن «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (المائدة، 1) حكمه امتناني فإذا كان عقد المكره صحيحاً يكون ذلك خلاف الامتنان بخلاف ما لو كان عقد المضطر غير صحيح فيكون ذلك خلاف الامتنان.

3ـ ما هو حكم أكل وشرب الشيء الغير المتعارف كما لو أكل المكلف بلاستيكاً أو أكل وشرب شيئاً قليلاً مما لا يعتد به العرف ، كما لو أكل بعض حبة الأرز فهل يكون مثل هذه الأمور مفطراً؟

ج ـ قال صاحب العروة: «الأكل والشرب من غير فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد كالخبز والماء ونحوهما وغيره كالتراب والحصا وعصارة الأشجار ونحوها ولا بين الكثير والقليل كعشر حبة الحنطة أو عشر قطرة من الماء أو غيرها من المائعات، حتى أنه لو بلّ الخياط الخيط بريقه أو غيره ثم رده الى الفم وابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه إلّا إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه، على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجية» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج10، ص59).

4ـ ما هي أدلة وجوب الصوم في القرآن الكريم؟

ج ـ قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ» (البقرة، 183) وكذلك قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيصُمْهُ» (البقرة، 185) فالمستفاد من الآيتين هو الوجوب وباصطلاح الفقهاء يكون على نحو المعرّفات لا علتان لمعلول واحد. والمعرّفات تشبه لوحات المرور التي تدل على طريق مشهد المقدس مثلاً.

5ـ هل الرواية هذه «اجرأكم على الفتيا أجرأكم على الله عزّ وجلّ» (مستدرك الوسائل، ج17، ص343، ح21530) معتبرة أم لا؟

ج ـ هذا الكلام منقول من كتاب مصباح الشريعة، وهو كتاب مجعول فيه الأكاذيب، وفيه ما يشتمل على الكفريات، والمطالب الموجودة في هذا الكتاب لم تعد معتبرة ولو على نحو حديث مرسل. المحدث النوري لم يتمكن من إثبات اعتبار هذا الكتاب مع أنّ دأبه في علم الرجال هو التصحيح والتوثيق بالحد الاقصى الممكن الذي يثبت ويصحح مصادر روايات كتابه مستدرك الوسائل وكان يذكر وجوهاً متعددة لاثبات اعتبار تلك المصادر.

6ـ ما هي مترلة حكم حاكم الشرع في رؤية الهلال؟

ج ـ إن المشهور بين الفقهاء هو أنَّ حكم حاكم الشرع حجة مطلقاً، وإن كان في غير النزاع والمخاصمة، وإن كان بعضهم قد حصر ذلك بما كان في النزاع والمخاصمة.

نعم، في اعتبار حكم حاكم الشرع عند مقلّدي باقي الفقهاء لابد لكل مكلف من الرجوع إلى المرجع الذي يقلّده، فإن كان مرجعه يرى حجية حكم حاكم الشرع في غير النزاع أيضاً، فإنه يكون حكم حاكم الشرع حجة له وإلا فلا حجية لذلك الحكم.

ثم إنّ المقلد إذا أشكل على حكم مرجعه أو مبنى حكمه أو فتواه أو رأى ضعفاً في مستند فتواه فعند ذلك لا يتمكن من اتباع رأيه لأنه لا حجية عندئذٍ للحكم اذا احرز الغلط في الحكم أو المبنى.

7ـ لو قطع حيوان مفترس الأوداج الاربعة من حيوان آخر وبقي شيء من الاوداج لم تقطع فهل يحل أكله إذا تم ذبحه شرعاً؟

ج ـ لقد ذهب الفقهاء إلى صحة الذبح ما لو كان في الحيوان نفس مستقرة وإلا فلا يصح الذبح حينئذٍ، لكنه ورد في بعض الروايات أن حركة عينه أو ذنبه بعد الذبح يكون شرطاً في حليته، وإن كان أغلب الفقهاء أعرضوا عنها دلالة.

8ـ مع أنّ «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» فلماذا تتغير الاحكام؟

ج ـ لا شك ولا شبهة في أن الحلال والحرام اللّذين بيّنهما المعصومون الأربعة عشر (عليهم السلام) لا يطرأ عليهما التغيّر، ولكن قد يتغير الموضوع، وبما أنّ الحكم تابع للموضوع يتغير الحكم كذلك.

وفي بعضها الآخر ليس تغييراً للحكم وإنما يوجد إعراض من الفقهاء عن دلالة تلك الرواية أو سندها فلم تكن الرواية كاشفة عن حكم الوجوب أو الحرمة حينئذٍ.

مثاله أنه ورد في بعض الروايات لزوم التسبيح بالتسبيحات الأربعة ثلاثين مرة بعد كل صلاة قصر للمسافر فانه وإن كان أمراً ظاهراً في الوجوب إلّا أنَّ الفقهاء أعرضوا عنه .

9ـ لو اتفق رجل وامرأة على عقد نكاح دائم ثم أجرى الرجل عقداً مؤقتاً لثلاث سنوات من دون علمها، فولدت طفلاً فما يكون حكم ذلك؟

ج ـ العقد باطل سواءٌ كان جاهلاً بالحكم أو عالماً به والطفل المتولّد منهما إن كانا جاهلين بالحكم هو ولد شبهة، وتجري جميع أحكام الولد الحلال عليه، ولكن إن كان الرجل عالماً بالحكم، تجري عليه جميع الأحكام الخاصة في المقام، فإذا كانت شروط جريان الحد للزنا تاماً يجري الحد عليه والّا يعزّر الرجل ويرجع تعيين ذلك إلى حاكم الشرع.

10ـ هل الروايات الآمرة بقتل الوقواق معتبرة؟ فقد نقل صاحب الوسائل رواية تحت هذا العنوان «كراهة اتخاذ الوقواق في الدار واستحباب ذبحها أو إخراجها» (وسائل الشيعة، ج11، ص528، باب41).

ج ـ إنَّ الروايات المعتبرة دلت على إعطاء الأمان لكل شخص أو شيء استجار بالإنسان، وكانت طريقة أهل البيت (عليهم السلام) وديدنهم كذلك فيحصل التنافي بين الأمرين.

11ـ ما هو حكم الحاق صفتا الرازقية أو الخالقية إلى اهل البيت (علىهم السلام)؟

ج ـ لقد ورد في الروايات النهي عن نسبة الخالقية أو الرازقية إلى أهل البيت (عليهم السلام). فقد ورد عن ياسر الخادم أنه قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما تقول في التفويض؟ فقال: «إنَّ الله تبارك وتعالى فوّض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر دينه، فقال: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» فأما الخلق والرزق فلا، ثم قال عليه السلام: إنَّ الله عزّ وجلّ خالق كل شيء وهو يقول عزّ وجلّ: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (بحار الأنوار، ج17، ص7، ح9).

12ـ إن لم تذكر مسألة ما في القرآن الكريم إلّا أنها وردت في الروايات المعتبرة فما هو تكليفنا؟

ج ـ إنَّ القرآن الكريم قطعي السند وقطعي الحجية والروايات المعتبرة أيضاً قطعية الحجية قال تعالى: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (الحشر، 7) وجعل النبي (صلى الله عليه وآله) حجية الكتاب في عرض حجية العترة في حديث الثقلين وأرجع الناس إلى العترة الطاهرة (عليهم السلام) فلا فرق حينئذ بين ورود حكم في القرآن الكريم وبين وروده في روايات اهل البيت (عليهم السلام) فيكون الحكم الوارد في كل منهما حجة ومعتبرا يمكن الاستناد إليه .

مثلاً قال الله تعالى في كتابه عن صلاة الصبح: «وَقُرْآنَ الْفَجْرِ» (الاسراء، 78) ولكن ورد اجزاء الصلاة وأحكامها وشرائطها في الروايات.

13ـ ما هو المقصود في آية الكرسي من هداية المؤمنين من الظلمات إلى النور واخراج الكفار من النور إلى الظلمات؟

ج ـ إن الله سبحانه جعل المؤمن موفقا للخروج من ظلمات الجهل إلى نور الهداية والعلم اختياراً، وأعرض الكافر عن رحمة الله عزّ وجلّ وخرج من مقتضى نور الهداية والمعرفة إلى ظلمة الجهل والكفر.

14ـ لقد ذكرتم في المجلس السابق أنّ تأذي الوالدين ليس حراماً ولكن يترتّب عليه الآثار السلبية كقصر العمر وغيره فهل يمكن أن يكون الامر الجائز ذا آثار سلبية؟

ج ـ تأذّي الوالدين ليس حراماً لكنه مكروه والمكروهات لها آثار سلبية في الدنيا والآخرة.

 

----------------------

المطارحة العلمية الرمضانية العاشرة

نصّ المطارحة العلمية العاشرة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444هـ، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء السبت 10 شهر رمضان العظيم1444هـ (1/4/2023م):

1ـ في الآية الشريفة: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» (الفاتحة، 6) يقال: إنّه منصوب بنزع الخافض فما هو الحرف المقدّر هنا؟

ج ـ حرف جرّ «إلى» أو «اللام» مقدّر في الجملة وقد وقعت الخلافات الدقّية في معنى هذين الحرفين ذُكرت في كتب فروق اللغة.

2ـ المعصوم هو الصراط المستقيم فكيف يطلب من الله أن يهديه إلى الصراط المستقيم؟

ج ـ مقام المعصوم مقام رفيع، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم لا ينافي هذا المقام، لأنّ طلب المعصوم للهداية ليس في مقابل المعصية، وأدعية ومناجاة المعصومين وتضرعهم عليهم السلام كله من هذا الباب. خلافاً لما يطلبه عامة الناس من الهداية إلى الطريق والصراط المستقيم، مما هو في مقابل المعصية.

3ـ لقد ورد في الآية الشريفة: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ» (البقرة، 187) فما هو المراد من الليل؟

ج _ وإن كان لليل معنىً معين لدى العرف، وفي الموضوعات نرجع إلى العرف أیضا،إلا أنّه إذا عيّن الشارع المقدّس الموضوع، فلا نرجع حينئذٍ إلى العرف لتشخيص الموضوع. وفي الآية الشريفة ـ محل البحث ـ قد عيّن الشارع الموضوع، وهو ذهاب الحمرة المشرقية من قمّة الرأس، واستتار قرص الشمس لم يكن مقصوداً من الليل.

نعم، ورد في تعيين وقت صلاة المغرب قسمان من الروايات: 1ـ استتار القرص، 2ـ ذهاب الحمرة المشرقية من قمة الرأس، وقد أعرض مشهور الفقهاء، بل من لهم الشهرة العظيمة عن القسم الأول، وهو استتار القرص وعملوا بالقسم الثاني من الروايات و ذكروا في توجيه القسم الأول أنها صادرة لأجل التقية.

ثم إنّه؛ وإن كان الأصل الأولي هو تقديم الجمع الدلالي على الجمع العرفي، وفي ما نحن فيه فإن الجمع الدلالي بين الروايات يقتضي جواز الافطار أو قراءة صلاة المغرب بعد استتار القرص لكن المستحب هو تأخيرهما إلى ذهاب الحمرة المشرقية من قمة الرأس، ولكن الفقهاء ذهبوا إلى اولوية الجمع الصدوري بين الطائفتين من الروايات هنا، فقالوا بأنّ الطائفة الأولى صدرت لأجل التقية واعرضوا عنها وتمسّكوا بالطائفة الثانية.

4ـ هل الغاية تدخل في المغَيّى؟ وفي الآية الشريفة: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ» (البقرة، 187) كيف يكون الأمر؟

ج ـ إنّ دخول الغاية في المغيّى تابع للقرائن الموجودة في الكلام، وأمّا بالنسبة للآية المذكورة، فإنَّ الغاية غير داخلة في المغيّى.

5ـ هل الرواية المتواترة في الأمور العقيديّة حجّة أم لا؟

ج ـ نعم، الحديث المتواتر في الأمور العقيديّة حجّة. إنَّ التواتر هو التوالي، وفي الاصطلاح هو كثرة النقل المانع من تواطؤ الرواة على الكذب، نعم لا بحث ولا نقاش في منشأ العلم إذا حصل، كما أنَّ العلم لا قابلية له في رفع أو جعل الحجية.

6ـ هل يكون الدم الذي يبقى بعد التطبير على رأس المعزّي مانعاً من الصلاة؟

ج ـ كلّا ففي فتاوى الفقهاء عدّ الدم الخارج من القروح والجروح معفوّاً عنه في الصلاة، وإن كان نجساً. فإن كان الشخص مُحدثاً وأراد الوضوء، ولم يتمكن من تطهير موضع المسح ففي هذه الحالة يضع خرقة من القماش على رأسه ويتوضأ جبيرة.

الدم الذي يكون أقل من الدرهم البغلي عدّه الفقهاء معفواً في الصلاة، وإن قال بعضهم كصاحب العروة: إذا مُزج الدم هذا بالماء لم يكن معفوّاً لأنَّ الوارد في الروايات هو خصوص الدم لا المتنجس بالدم، لكن الذي يظهر لي تبعاً أو موافقة لباقي الفقهاء أن لا فرق بين الأمرين في المعفوّ عنه في الصلاة والفرع لا يكون أشد من الاصل وقد صرّح بذلك الشيخ حسين الحلّي قدس سره في تقريراته.

7ـ هل تنجز العلم الاجمالي بالنسبة إلى الطرفين أو الملاقي لواحد منهما واحد أم هنالك فرق بينهما؟

ج ـ لقد فرّق الأصوليون بين نفس الأطراف وبين الملاقي. ففي الملاقي لا تعارض بين الأصلين ليتساقطا فيجري فيه، وإذا كان الملاقي لطرف واحد فالاصل التنزيلي لاستصحاب العدم وكذلك الاصل غير التنزيلي جار هنا ولا تعارض بينهما.

لقد ذهب المرحوم آغا ضياء في نهاية الأفكار الی وجوب الاجتناب في مسألة الملاقي لاحد الانائين، ثم حصل بعد الملاقاة العلم بنجاسة أحد الانائين، بحيث إن كان الاناء الذی لاقته العباءة نجسة فالعباءة نجسة أيضاً. وقوله وإن كان دقياً إلا أنه موافق للقاعدة.

8ـ إذا اتفق الشاب والشابة على الزواج وجلبوا رضا الاب بالكذب وكان رضاه مقيداً بصحة كلامهما فما هو حكم هذا العقد؟

ج ـ بناءاً على شرطية رضا الولي في صحة عقد الباكرة الرشيدة يكون هذا العقد باطلاً لأنَّ المقيد عدمٌ عند عدم قيده. لكنه يظهر ـ إن كان قد رضي الأب ـ أن يكون هذا العقد فضولياً ويكشف عن صحة العقد من أول الأمر. اشترط بعض الفقهاء أن لا يكون العقد الفضولي مسبوقاً بالردّ والظاهر لا فرق بينهما من هذه الجهة ففي الصورتين يكون الاذن مصححاً للعقد الفضولي. وما أُشكل من أنَّ ادلة عقد الفضولي، ورد في البيع فقط والتعدّي إلى عقد النكاح لا دليل عليه، ليس تاماً لأن المستفاد من الأدلة عدم الخصوصية لهذه الادلة في خصوص البيع ويجري في الاجارة والرهن ونظائرهما أيضاً.

9ـ لقد ورد في بيع العذرة طائفتان من الروايات: 1ـ ثمن العذرة سحت (وسائل الشيعة، ج17، ص175، ح22284) 2ـ «لا بأس ببيع العذرة» (وسائل الشيعة، ج17، ص175، ح22286) فما هو وجه حلّ التعارض بينهما؟

ج ـ لقد تعرّض صاحب المكاسب لمعنى السحت، وذكر أنّه أعّم من الحرمة والكراهة، فإنّه وإن كان الاستعمال أعّم من الحقيقة، ولكن استعملت مكرراً كلمة السحت في موارد المكروه في الروايات. وفي بعض الروايات استعملت السحت في المعنيين في سياق كلام واحد، كما ورد في الرواية: «السحت أنواع كثيرة، مِنْهَا كَسْبُ اَلْحَجَّامِ إِذَا شَارَطَ وَأَجْرُ اَلزَّانِيةِ وَثَمَنُ اَلْخَمْرِ وَأَمَّا اَلرِّشَا فِي اَلْحُكْمِ فَهُوَ اَلْكُفْرُ بِاللَّهِ اَلْعَظِيمِ» (وسائل الشيعة، ج17، ص92، ح22058) وكذلك «السحت أنواع كثيرة: مِنْهَا كَسْبُ اَلْحَجَّامِ وَأَجْرُ اَلزَّانِيةِ وَثَمَنُ اَلْخَمْرِ» (وسائل الشيعة، ج17، ص93، ح22062).

ففي هذه الصورة لا تعارض بين هاتين الطائفتين من الروايات، لأنه بقرينة رواية «لا بأس» يعرف أنَّ حكم بيع العذرة هو الجواز، ويعرف من الطائفة الثانية كراهة ذلك. ثم إنّه إن قيل: إنَّ موارد استعمال السحت في الكراهة أكثر من الحرمة فظهورها يكون في الكراهة لا الحرمة، فيقال: كما ذكرنا سابقاً أنّ الاستعمال أعم من الحقيقة نظيره ما لو ادّعي أن في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ذكرت الامور المحرمة بلفظ الكراهة ولكن لا يوجب صرف ظهور اللفظ عن الكراهة. قال صاحب المعالم رحمه الله في مبحث صيغة الأمر: إنّها استعملت كثيراً في الاستحباب فيكون ظهورها الأولي هو الاستحباب واستعماله في الوجوب يفتقر إلى القرينة، لكن كلامه رحمه الله ليس تامّاً لأنَّ الوجوب يستفاد عقلاً من نفس صيغة الامر لا القرينة الداخلية أو الخارجية ووالد صاحب المعالم وهو الشهيد الثاني، وكذا معاصره له والمرحوم صاحب المدارك والعلماء بعده أعرضوا عن كلامه وخالفوه، وفيما نحن فيه أيضاً يجري الكلام نفسه.

فإذا كان السحت ظاهراً في الحرمة فإنَّ كلمة «لا بأس» نص في الجواز فیحمل السحت الظاهر في الحرمة على النص فيكون بيع العذرة جائزاً إلا أنّه مكروه.

10ـ ما هو حكم وضوء أو غسل من يعمل بالصبغ أو الجص أو... الذي يصرف وقتاً کثیرا في إزاحة الموانع ولكن مع هذا يبقی بعض ذلك على البشرة؟

ج ـ قال صاحب العروة: إن بقى مانع على البشرة ولو بمقدار رأس إبرة، فإن وضوءه باطل، ولكن يظهر عدم تمامية ذلك، فكما قال المرحوم الاخ (آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي رضوان الله عليه) وكذلك صاحب العروة في نجاة العباد: إن كان قد بحث عن المانع قدر المتعارف لم يكن الباقي مانعاً من الوضوء أو الغسل لتمامية أركان لو كان لبان في ما نحن فيه.

11ـ ما هو الملاك في عدم وجوب الصوم على الشيخ والشيخة؟

ج ـ إنَّ المستفاد من الروايات واللغة اطلاق الشيخ على رجل ذي أربعين سنة، لكن المراد هنا ليس من كان عمره أربعين سنة، بل الملاك في ذلك العجز عن الصوم أو مشقته عليه، ورفع الوجوب عنه في هكذا صورة إن لم يكن ضررياً فهو رخصة له، ولكن إذا كان الصوم ضررياً وتحمّل ذلك الضرر لم يكن جائزاً، فإنَّ الصوم غير جائز له أيضاً.

12ـ ما هو حكم رجوع المريضة إلى الطبيب إذا كان رجلاً وكذا العكس؟

إنَّ رجوع المريض الى الطبيب الذي من غير جنسه بقدر الاضطرار جائز اجماعاً. وقد ورد في بعض الروايات جواز رجوع المريض إلى الأرفق فيكون ـ ظاهراً ـ رجوع المرأة إلى الطبيب الرجل وعكسه جائزاً كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الحروب يستعين بالنساء لتضميد جرح الرجال قال صاحب العروة: إن كان للعمل ظهوراً عرفياً كالألفاظ، جاز التمسّك باطلاقه.

 

----------------------------

المطارحة العلمية الرمضانية الحادية عشرة

نصّ المطارحة العلمية الحادية عشرة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444هـ، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء الأحد 11 شهر رمضان العظيم1444هـ(2/4/2023م):

1ـ هل يعدّ رد المظالم من سهم الإمام (عليه السلام) فيجب صرفه باذن الفقيه؟

ج ـ إنَّ رد المظالم له موارد كثيرة، فما كان منه مجهول المالك مثل ما لو كان عليه ديون لكنّه لا يعرف اصحابها ففي هذه الصورة تعد الاموال من سهم الإمام و يجب صرفها بإذن الفقيه.

2ـ لقد ذكر صاحب الجواهر في إحدى فروض العلم الإجمالي أنه: «العين المقسومة بين اثنين لتعارض البينتين مثلاً. بل ومع العلم بأنها لواحد منهما إذا لم نقل بالقرعة. فإنَّ للغير شراء الجميع من كل واحد منهما، وإن علم أنَّ أحدهما غير مالك للنصف، إجراءً للحكم الظاهري» (جواهر الكلام، ج23، ص192) فما هو رأي سماحتكم في ذلك؟

ج ـ صاحب الجواهر وإن عدّ من الفقهاء الطراز الأول إلّا أنه ليس معصوماً، فإذا صدر منه خطأ أو سهو فلا يضرّ ذلك بعلميته. يجب القول في فرض السؤال أنه: اذا حصل العلم التفصيلي فلا يبقى محل لجريان العلم الظاهري وقد ذكر الشيخ صاحب الجواهر والشيخ الانصاري وصاحب الكفاية كراراً وتكراراً أنَّ العلم التفصيلي حجّة مطلقاً ومع وجود العلم التفصيلي لا تجري أحكام العلم الظاهري في المقام.

3ـ لو كان الماء أو الكهرباء أو الغاز يذهب هَدَراً وعرف ذلك أحد المكلفين فهل يجب عليه المنع من التبذير؟

ج ـ إنَّ المنع من وقوع هذا الأمر في نفسه عمل جيد إلّا أنه لا يوجد دليل  بعنوان مطلق على وجوب المنع من إسراف أو تبذير الآخرين. ولكن إذا دخل ضمن عنوان «التي يجيء منه الفساد محضاً» (وسائل الشيعة، ج17، ص85) أو يترتب عليه موت إنسان وتلفه ممّن يجب حفظه أو كان من المنكرات العظيمة التي لا يريد الشارع حصولها خارجاً بأي نحو كان كالظلم فيجب على المكلّف أن يمنع من ذلك. وفي فرض السؤال إن كان المقدار قليلاً لم يظهر وجوب المنع من ذلك من الادلة، لانه لا دليل على دفع مثل هذه الامور.

نعم، الشارع المقدس قد منع المكلفين من الإسراف والتبذير بقوله تعالى: «وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا» (الاسراء، 26) «وَلَا تُسْرِفُوا» (الاعراف، 31) ثم إنّه إن كان المنع من ذلك من المرتكزات فحينئذٍ يجب ويلزم دفعه.

لقد ذكر الشيخ الأنصاري في كتابه المكاسب هذا البحث تحت عنوان «دفع المنكر كرفعه» (المكاسب، ج1، ص141).

4ـ هل المعاملات الجديدة كالبيع الاستقبالي، وهو أن يكون جميع أوصاف البيع واضحة والمشتري يدفع قسماً من الثمن عاجلاً ولكن القبض يكون آجلاً، فما هو رأيكم في هكذا معاملات؟

ج ـ هذه المعاملة وإن لم تدخل تحت عنوان بيع السلف، إلّا أنها تدخل ضمن العنوان العام وتحت عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (المائدة، 1) ولا يدخل ضمن العناوين المحرّمة من البيع كبيع الكالي بالكالي وكذا لا تدخل ضمن بيع المجهول وأمثاله، فعليه تكون المعاملة جائزة وصحيحة.

والعقود الجديدة التي لم تكن أيام المعصومين (عليهم السلام) كعقد التأمين الموجود في عصرنا تكون من هذا الباب وتدخل ضمن هذا العنوان.

لا بد من ذكر هذه الملاحظة أنَّ «الألف واللام» الوارد في الآية الشريفة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ليست عهداً وانما هي «الف ولام» الاستغراق.

5ـ إذا استأجر المكلّف بيتاً أو أرضاً، ثم جاء شخص ثالث وتصّرف فيهما تصرفاً عدوانياً وغصب البيت أو الارض، فهل يكون المستأجر ضامناً؟

ج ـ إن لم يكن المستأجر مقصّراً في حفظ البيت أو الأرض، بحيث لا يكون الغصب مترتباً على تقصيره في حفظهما، فلا يكون ضامناً لأنه «ليس على الامين إلّا اليمين».

6ـ لو حصل المكلف على صلاة أو صوم استيجاري بقيمة عالية هل يجوز له أن يأتي ببعض العمل ويعطي المتبقي إلى شخص آخر ليأتي بها بقيمة أقل؟

ج ـ إن لم يكن هنالك شرط لفظي أو ارتكازي أو قرينة تدل على أن الشخص نفسه يجب أن يقوم بالعمل لا غير، يجوز له حينئذٍ أن يأتي ببعض العبادة ويأخذ قسماً من المبلغ ويعطي الباقي إلى شخص آخر بأجرة أقل من ذلك.

7ـ هل يمكن اثبات صحة وضوء الشيعة من غير رجوع الى الروايات بل بمجرد التمسك بآية الوضوء وهي: «يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ» (المائدة، 6)؟

ج ـ نعم، يمكن ذلك. فالقاعدة الكلية تقول الأقرب يمنع الأبعد، وفي هذه الآية الشريفة يقول الله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» فالظاهر من السياق هو أن «إلى المرافق» قيد لـِ«أيديكم» وليس قيداً لِـ«فَاغْسِلُوا» ذلك أن لفظ «أيديكم» أقرب ولفظ «فاغسلوا» هو الأبعد.

بعبارة أخرى، إنَّ لفظ «إلى المرافق» قيد للمغسول وليس قيداً للغسل، ويبيّن لنا حدود الغسل لا الغاية من الغسل.

ثم إنّه مضافاً إلى قواعد اللغة العربية، ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما يدلّ على وجوب الرجوع إلى الكتاب والعترة الطاهرة عليهم السلام، وقد ذكر المعصومون عليهم السلام كيفية الوضوء الصحيحة وهي موافقة لوضوء الشيعة.

8ـ إن كان حفظ حياة شخص ما متوقفا على قتل المنقِذِ فهل يجب الانقاذ حينئذٍ؟

ج ـ كلّا، إذا كان الأمر يستلزم قتل المُنقذ لا يجب حينئذٍ انقاذ الآخر.

نعم، لو تعرّض المنقذ لأضرارٍ أقل من القتل، وجب عليه الإقدام لإنقاذ النفس المحترمة.

9ـ إن الأشخاص الذين لا يجب عليهم الصوم، كالمريض والمسافر وامثالهما فهل يجوز لهم الافطار علناً في النهار؟

ج ـ إنَّ الاتيان بالصوم للمسافر حرام شرعاً إلّا أنه لا يدل ذلك على وجوب الأكل، فيجوز له أن يأكل الطعام ويشرب الماء، ويأتي بالمفطرات المحللة غير المحرمة. لكنه إذا اجتمع الأكل أو الشرب المحلّلين مع عنوان محرّم كهتك حرمة شهر رمضان في مصداق كما أنه لو أراد الأكل أو الشرب في الشارع علناً فانه لا يجوز حينئذٍ ذلك.

10ـ اذا كان المكلّف جاهلاً بحرمة الاستمناء وكان يأتي بهذا المفطر في شهر رمضان المبارك ثم تاب لكنه لا زال مبتلى بهذه المعصية فما هو حكم صومه؟

ج ـ الاستمناء حرام، إلّا أنه في فرض السؤال بالنسبة إلى صومه في ما مضى يجب عليه القضاء فقط والاستغفار ويجب عليه أن يسعى في ترويض نفسه وتزكيتها كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وإنما هي نفسي أروّضها بالتقوى» (بحار الأنوار، ج33، ص474) ويجب عليه التوبة من هذا العمل.

11ـ هل يجوز اللّطم والتطبير في الشوارع يوم عاشوراء؟

ج ـ إنَّ اللّطم والتطبير الذي يؤتى بهما في عزاء أهل البيت (عليهم السلام) ليس جائزاً فقط، بل هو مستحبّ أيضاً.

12ـ هل يجوز للمكلّف أن يأتى بعمل يوجب حزن الآخرين وجرح قلوبهم؟

ج ـ العمل هذا غير صحيح بل الأفضل أن يأتي بعمل يجبر خاطرهم ويجمع بين القلوب.

13ـ إذا مرّ المكلف في طريقه بماء مجتمع في مكان ما على أثر المطر ورأى قريباً من الماء المجتمع عذرة كلب فهل يجب عليه الاجتناب عن هذا الماء؟

ج ـ إن حصل له اليقين بتوافر الشروط اللازمة لتنجّس هذا الماء فيجب عليه الاجتناب، وإلّا فإنها من مصاديق الشبهة غير المحصورة فلا يجب الاجتناب.

14ـ إن كان المكلّف مريضاً ويجب عليه أن يأكل الدواء والطعام أو أن يشرب الماء في نهار شهر رمضان فما هو حكم صومه في الفروض المذكورة؟

ج ـ المريض الذي يجب عليه أن يأكل الطعام أو الدواء في نهار شهر رمضان لا يكون صائماً حينئذٍ، ولا يجب عليه الإمساك، فإذا تمكّن من القضاء إلى السنة القادمة وجب عليه، وإلا فعليه الفدية عن كل يوم فقط. لكنه إذا كان مرضه يستلزم شرب الماء فقط فإنه ممّن يطلق عليهم بذي العطاش، ويفهم من عدم الخصوصية في ذلك لحوق المرضى المصابين بكلاهم بذي العطاش أيضاً فيجوز لهم شرب الماء، ولكن وقع الخلاف بين الفقهاء في أمرين:

(أولاً) هل يجب عليه الاقتصار على ما هو ضروري من شرب الماء أم يجوز له أن يشرب حتى يرتوي؟ والذي يظهر لى جواز شرب الماء بالمقدار الذي يريد، لا الاقتصار على مقدار الضرورة.

(ثانياً) هل يجب عليه قضاء اليوم الذي شرب فيه الماء أم لا يجب؟ فالظاهر لي عدم وجوب قضاء ذلك اليوم بل يجب عليه الفدية فقط.

 

----------------------------

المطارحة العلمية الرمضانية الثانية عشرة

نصّ المطارحة العلمية الثانية عشرة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444هـ، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء الإثنين 12 شهر رمضان العظيم1444هـ (3/4/2023م):

1ـ قال صاحب العروة: اذا علم بغصبية أحد الإناءين، عليه التيمم ويجب الاجتناب عن الاثنين (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج1، ص57، م1 وص59 م7 فصل في الماء المشكوك). وذهب بعض الفقهاء إلی احتمال صحة الوضوء لو توضّأ بهما وإن كان قد ارتكب المحرّم؟

ج ـ الواجب على هذا الشخص هو التيمّم ولا يجب له الاجتناب عن الاثنين معاً للتخلّص من مصادفة الغصب ولكنه إذا توضّأ بالإناءین معاً، فقد ارتكب المحرّم على القاعدة، ولكن وضوؤه صحيح لعدم وجود دليل على بطلان وضوئه في هذه الحالة.

لقد ذكر صاحب العروة في مثل هذه المسألة، في العلم الاجمالي الحاصل بتنجّس ماء أحد الإناءين وقال: اذا توضّأ باحدهما ثم غسل مواضع الوضوء وتوضأ بالآخر، فوضوؤه صحيح (في الماءين المشتبهين إذا توضأ بأحدهما أو اغتسل وغسل بدنه من الآخر ثم توضأ به أو اغتسل صحّ وضوؤه أو غسله على الاقوى، لكن الاحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة ومع الانحصار، الأحوط ضم التيمّم أيضاً. (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج1، ص602، م10، فصل في الماء المشترك). وفرض السؤال يشبه هذا المورد إلّا أنَّ ما نحن فيه يشتمل على الحرمة التكليفية أيضاً لانه يقتضي التصّرف في مال الغير. فإذا كان المكلّف عادلاً سقطت عدالته بارتكاب هذا الفعل. وأمّا المشتبه بين اناءین في النجاسة فلا حرمة تكليفية هناك.

إن قيل: إنّ أمر الشارع بإراقة الماءين والتيمم يقتضي بدعية الوضوء في المسألة المذكورة وعدم مشروعية الوضوء حينئذٍ، فيقال: الظاهر هو ارشادية هذه الاوامر وعدم تعبديتها لأن الاصل هو عدم التعبد لدوران الأمر بين الأقل والاكثر، فأصالة التعبدية ليس لها دليل في ما نحن فيه. ولهذا ذهب الفقهاء إلى عدم وجوب إراقة الماء وأنَّ المراد من الرواية أنه لا يتمكن من استعمال الماء.

في فرض السؤال، قد تعلقت النية بالوضوء بالماء المباح أيهما كان، فقصد القربة حاصلة منه وإن كان قد ارتكب فعلاً محرّماً لتصرفه في مال غيره من غير اذنه.

كذلك لو كان لديه ثوبان؛ أحدهما غصبي والآخر ملكه الشخصي، فإنه لا يتمكن من الصلاة فيهما، لكنه إنْ صلّى بالثوبين، وكانت نيته على ما ذكرناه سابقاً في الإناءين، فإنه وإن كان قد ارتكب المُحرَّم لكن صلاته صحيحة. لأن النهي عن الصلاة في كل من الثوبين، والأمر بالاجتناب عنهما مقدمي للتحرز عن ارتكاب الغصب، ولكنه إذا ارتكبه على النحو الذي ذكرناه تكون صلاته صحيحة. فهنالك فرق بين ما ذكر وبين غصبية المكان الذي يتوضأ فيه وتراق ماء الوضوء عليه، فيكون وضوؤه باطلاً، لأن العلم الاجمالي غير حاصل بين الأمرين، بل يوجد علم تفصيلي يقتضي بطلان الوضوء.

2ـ اذا أعطى شخص أمواله لآخر، على أن يتصدّق بها على الفقراء، وقبل قبض الفقراء مات الشخص المعطي المتبرع للفقراء، فهل تعد الاموال هذه مما تركه ويقسّم بعنوان الارث بين ورثته أم هو حقّ الفقراء فيعطی للفقراء؟

ج ـ إذا كنا نحن والقاعدة؛ فالأموال هذه تعدّ إرثاً، ولكن إذا أوصل الاموال إلى وكيل الفقراء أو وليهم تم القبض فلا يعد إرثاً حينئذٍ، كذلك لو ملّكه المتبرع الشخص الوسيط واشترط عليه إيصالها إلى الفقراء فلا يعد ارثاً أيضاً. ووجه ما ذكرناه من أن القاعدة تقتضي أن تكون الاموال من تركته هو أن الوكالة تسقط بموت الموكل وينعزل الوكيل، وإن كانت الوكالة من نوع الوكالة بلا عزل، تبطل الوكالة، لأنَّ الوكالة محدود بزمان حياة الموكِّل، وبقاء الوكالة إلى بعد موت الموكل على خلاف مقتضى عقد الوكالة وكل قيد أو شرط يكون مخالفاً لمقتضى عقد الوكالة فهو باطل.

كذلك لو ذهب المكلف إلى سفر وواعد أشخاصاً بجلب تحفة لهم من السفر، واشترى تلك التحف وقد أخبرهم بانه قد اشترى لهم ذلك، إلّا أنه مات قبل القبض لا يعدّ أحد منهم مالكاً لذلك وتكون كلها من ضمن ما ترك ويقسّم إرثاً، إلا إذا أعطاها لوكيلهم وقبضه الوكيل فحينئذٍ تكون التحف ملكاً لهم.

3ـ هل المؤسسات الخيرية يعدّون وكلاء عن الفقراء؟

ج ـ كلا ليسوا كذلك إلّا اذا أخذوا منهم الوكالة أو إذا كانوا مأذونين من قبل ولي الفقراء وهو الفقيه الجامع للشرائط، ففي هذه الصورة يعدّ قبضهم قبضاً للفقراء وإلا كانت كالمسألة السابقة. ويشبهه تسليم الوجوه الشرعية، الخمس، الزكاة وزكاة الفطرة والكفّارات للفقيه الجامع للشرائط وهذا المقدار من ولاية الفقيه ليس من باب الحسبة بل لعمومات الولاية، ذكره صاحب الجواهر وتسالم عليه الفقهاء أيضاً. (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج1، ص51، كتاب الاجتهاد والتقليد). فمجرد رضا الفقراء أو رجوعهم إلى المؤسسات الخيرية لا يعد وكالة للمؤسسة عن الفقير. نعم وكيل مرجع التقليد والمأذون من قبله اذا قبض مال الفقير يعدّ ذلك قبضاً من قِبَل الفقير نفسه.

ثم إنّ تسليم الاموال من قبل الخيّرين إلى المؤسسات الخيرية لا يعد إعراضاً عن تلك الاموال، فعدم رجوعهم إلى الاموال أو في صورة الموت وعدم توصيلها إلى الفقراء لا يطالب بها الورثة، ليس إلّا لعدم علمهم بالمسألة الشرعية. فإذا كان الشخص قد أعطى مالاً للمؤسسات الخيرية وقبل حلول سنته الخمسية لم تقبض من قبل الفقراء وعلم بذلك وجب عليه تخميس ذلك المال أيضاً، نعم في صورة عدم العلم لا يجب عليه الفحص لأصالة الصحة التي تجري في المقام، فلا يجب عليه تخميس تلك الاموال.

قد تعد المؤسسات الخيرية نفسها وكلاء عن الفقراء ولكن هذا لا يكفي بل يجب أن تكون هنالك وكالة حقيقية عنهم أو إذن من الفقيه الجامع للشرائط وما يقال من ارتكاز الوكالة لدى المتشرعة فانه غير تام، وذلك كالقياس الذي يوجد في ارتكاز العقلاء وهي مسألة عرفية إلّا أنَّ الشارع المقدّس ردّه ولم يعتبره حجّة.

5ـ ما هو الدليل على خروج الاموال من الملكية بسبب الاعراض عنها؟

ج ـ وإن كان بعض الفقهاء لم ير الاعراض خروجاً عن الملكية ولكن يظهر أنَّ الخروج من الملكية هو الصحيح، لأن الشارع لم يقيد الملكية بذلك ومع عدم بيان حدود الملكية أُرجع ذلك إلى فهم العرف والعرف يرى الاعراض خروجاً عن الملكية. نعم إذا كان المال في بيته ويقول بانه قد أعرض عنه لا يعدّه العرف خارجاً من ملكه، لكنه إذا أخرجه الشخص من بيته مثلاً يعده العرف اعراضاً عنه وخارجاً عن ملكيته.

6ـ هل المؤسسة الخيرية بعنوان الشخص الاعتباري لا تکون مالکة لهذه الأموال؟

ج ـ في مثل المسجد والحسينية؛ وإن لم يكونا وقفاً، إلّا أن العنوان (الشخص الاعتباري) مالك لهما، ولكن في مثل المؤسسات الخيرية حيث تصل الأموال غليهم عن طريق الخيرين، لإيصالها إلى الفقراء لا يكون العنوان مالكاً.

7ـ هل مجرد نقل الملكية إلى الطرف الآخر قانوناً، أو تسمية المستمسكات باسم مَن نريد هبته يكون قبضاً للمال؟

ج ـ إنَّ الشارع المقدّس ليس له وضع خاص في القبض ولم يتصرّف فيه، بل احال ذلك إلى العرف فما يعدّه العرف قبضاً يكون كذلك شرعاً.

قال الشيخ الانصاري: قبض كل شيء بحَسَبه، فيظهر أن انتقال الملك باسم المشتري قانوناً يعدّ قبضاً لدى العرف.

8ـ ما هي موارد عدم جواز الرجوع في الهبة؟

ج ـ الهبة وإن لم يقصد فيها قصد القربة، فإنّها نوع من الصدقة، ومع مجرد قبض الموهوب لم يتبدّل العقد الجائز إلى العقد اللازم، إلّا في صور خمس فلا يمكن الرجوع عن الهبة:

(أولاً)إذا كان الواهب قصد القربة من ذلك، فلا يجوز له الرجوع عنه للدليل الخاص. (ثانياً) الهبة المعوَّضة. (ثالثاً) الهبة إلى ذي الرحم. (رابعاً) هبة الزوجين أحدهما للآخر. (خامساً) إن حصل تصرف في الموهوب.

9ـ اذا كان شخص ثقةً وعادلاً عندنا، فاعطيناه من العبادات الاستيجاريّة شيئا، لكنه لم يقم بها مع عدم علمنا بذلك، فهل نكون معذورين يوم القيامة؟

ج ـ إن كان المُعطي يعرف الشخص وقد حصل له العلم التعبّدي أو الوجداني بان الطرف الآخر يأتي بالعبادات، فإنه من جهة أصالة الصحة يكون معذوراً يوم القيامة؛ إن شاء الله، ولكنه ـ لا سمح الله ـ إنْ تساهل في ذلك، فإنه مسؤول يوم القيامة، ولا يكون معذوراً.

21/ شهر رمضان/1444هـ