زيارة الأربعين .. يمكننا أن نكون أفضل ونعيش حياة أفضل




 

الإمام الصادق (عليه السلام): "موضع قبر الحسين منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة .. موضع قبر الحسين ترعة من ترع الجنة" (ثواب الأعمال: ص120)

 

موقع الإمام الشيرازي

17 / صفر/ 1447هـ

 

 

كربلاء ليست مجرد أحداث تاريخية أو مواقف بطولية أو قصة مأساوية، بل هي فكرة أوسع وأعظم، فإن كربلاء مشروع إصلاحي يمتد عبر العصور، يدعو الى الوقوف ضد الظلم والفساد في كل زمان ومكان، وهذه القيم الكربلائية كلها تتجسد في أيام زيارة الأربعين

---------------------

في مشهد مهيب يتكرر كل عام، يتحول الطريق إلى مدينة كربلاء المقدسة الى مدرسة متنقلة يتعلم فيها الملايين معنى الإنسانية الحقيقية، والزائر السائر في هذا الطريق/الطرق سيشاهد مجتمعاً مثالياً. كما أن هذه المسيرة المليونية، الاستثنائية على مستوى العالم، ليست مجرد رحلة جسدية، بل هي رحلة روحية تهدف إلى إعادة صياغة الإنسان من الداخل، وتأهيل المجتمع ليكون أفضل.

المعرفة أساس الزيارة

لا تكفي الخطوات نحو كربلاء لتحقيق الغاية من الزيارة، بل لا بد من معرفة حقيقية بالإمام الحسين (عليه السلام) وفكره وقيمه. روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام): "أدنى ما يثاب به زائر الحسين بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (كامل الزيارات: ص263). على هذا، كلما ازداد الزائر معرفة، كلما تعمق تأثره واستفادته من هذه الرحلة المقدسة. لذلك، فإن قراءة سيرة الإمام والتعرف على أخلاقه خلال المسير الى كربلاء يضاعف أجر الزائر ويرفع منزلته عند الله سبحانه. بالتالي، الزائر العارف بحق الإمام الشهيد سيفوز ببشرى الإمام الصادق (عليه السلام) لزوار الإمام الحسين (عليه السلام). ورد عن عليّ بن ميمونٍ الصّائغ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "يا عليّ، زر الحسين ولا تدعه". قلت: ما لمن زاره من الثّواب؟ قال: "من أتاه ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومحا عنه سيّئة، وترفع له درجة" (وسائل الشيعة: ج‌14 - ص441).

الزيارة بقلب نقي

كما يهتم بالطهارة الظاهرية من خلال الاغتسال وارتداء الثياب النظيفة والتعطر بالعطر الأطيب، يجدر بالزائر/الزائرة أن يهتم أكثر وأكثر بطهارة القلب والنفس، يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "طهروا قلوبكم من درن السيئات تضاعف لكم الحسنات" (غرر الحكم: 6021). وقال (عليه السلام): "طهروا أنفسكم من دنس الشهوات تدركوا رفيع الدرجات" (غرر الحكم: 6017).

كما ينبغي الحفاظ على السكينة والوقار، وتجنب كل ما يسيء إلى قدسية هذه الرحلة المباركة. فإن الزائر/الزائرة ينبغي أن يتذكر أنه يمثل الدين والإمام، في كل لحظة، فينبغي أن يكون خير سفير للإسلام وللإمام الحسين (عليه السلام).

أخلاق الزائر .. رسالة للعالم

في كل خطوة يخطوها في الطريق الى مدينة كربلاء، يجدر بالزائر/الزائرة أن يكون قدوة في السلوك والأخلاق. فلا يتأخر في مساعدة الضعيف، والعطف على المريض، والرحمة بالصغير، وإكرام الكبير، وألا يقول إلا طيباً، ولا يعمل إلا صالحاً. كما يجب للزائر/الزائرة الابتعاد عن كل ما يخدش الحياء أو يسيء إلى سمعة الزيارة المباركة، وليتذكر قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "معاشر الشيعة؛ كونوا لنا زيْناً، ولا تكونوا علينا شَيْناً، قولوا للناس حسناَ، واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول" (أمالي الصدوق: ص240).

آداب المسير .. دروس في التواضع

أيها الزائر/الزائرة امشِ بتؤدة ووقار، ولا تتسرع في خطواتك. اجلس عندما تأكل، ولا تأكل أثناء المشي إلا للضرورة. هذه الآداب التي علمنا إياها الأئمة (عليهم السلام) هي جزء من تربية النفس وتهذيبها. كما قال تعالى: (واقصد في مشيك)(لقمان: 19). قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن" (بحار الأنوار: ج73 – ص302).

كربلاء .. مدينة لا تشبه المدن

تشكّل زيارة الأربعين نموذجاً فريداً للمجتمع المثالي، حيث التعاون والتكافل والتنظيم الذاتي. الملايين من مختلف الأعمار والأعراق يجتمعون في سلام ومحبة، يخدم بعضهم بعضاً بدون مقابل، في مشهد نادر يذهل المراقبين الدوليين. هذا مثال وتأكيد على أننا يمكن أن نكون أفضل، وأن تكون بلداننا أفضل، وأن نعيش حياة أفضل.

النظافة .. شعار المؤمن

أيها الزائر/الزائرة حافظ على نظافة الطريق كما تحافظ على نظافة قلبك، وكما تحافظ على نظافة ملابسك. لا ترم النفايات ولا ترمي الأكل بالطرقات إلا في الأماكن المخصصة، وكن قدوة في الحفاظ على مدينة كربلاء، وكل المدن التي تمر عليها، والبيئة عموماً. بالتالي، هذه السلوكيات الكريمة هي ترجمة عملية لتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) في النظافة والترتيب والمسؤولية.

أيها الزائر/الزائرة الأربعيني

لتكن زيارتك نقطة تحول في حياتك!

عد منها بإرادة جديدة لتطبيق قيم الحسين (عليه السلام) في كل جوانب حياتك. كما قال تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". فإن حب الحسين (عليه السلام) ليس بالدموع فحسب، وليست بإقامة الشعائر الحسينية والمشاركة فيها فحسب، بل بالاقتداء والتأسي والعمل.

أيها الزائر/الزائرة الأربعيني

دُمْتَ ملبياً نداء الحسين (عليه السلام)، ودُمْتَ سالكاً درب الإيمان والإصلاح، فإنما خرج الإمام الشهيد "طلباً للإصلاح" فلا تهادن ظالماً ولا تجامل فاسداً.

قال الله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(آل عمران: 186).

أيها الزائر/الزائرة الأربعيني

إنك تحمل في قلبك نوراً عظيماً،

فلا تطفئه بالمعصية بعد العودة،

واجعله مصباحاً يهديك إلى الحق والخير والقول الطيب والعمل الصالح أبداً.