هوية التشيع بين التشوّه والاستعادة والتجديد




 

 

موقع الإمام الشيرازي

16 / شعبان / 1447

 

 

مع حلول شهر شعبان، يتجدد الأمل المهدوي في قلوب الملايين من الشيعة؛ أمل في مخلّص يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت جوراً. لكن هذا الأمل العظيم يصطدم اليوم بواقع مؤلم؛ حيث تشوه عميق أصاب هوية التشيع خلال العقدين الأخيرين، بفعل الشيعية السياسية الحاكمة وتماهي بعض الفاعليات الدينية الشيعية معها.

وصلت طبقة سياسية شيعية إلى السلطة باسم المظلومية التاريخية، لكنها لم تبن دولة عادلة ولا حتى دولة وطنية حقيقية. بدلاً من ذلك، أعادت إنتاج الاستبداد بغطاء مذهبي، وحولت الطائفة إلى رأسمال انتخابي وتعبوي، وبنت شبكات مصالح مغلقة تقوم على المحاصصة والفساد وتخويف الجمهور باسم "التهديد المذهبي". هذا التماهي بين السلطة وشريحة من المؤسسة الدينية أدى إلى تحويل التشيع – في نظر قطاعات واسعة – من مشروع أخلاقي إنساني يقوم على نصرة المظلوم والعدل والكرامة، إلى أداة سياسية تخدم النخبة، مما انعكس على المجتمعات الشيعية بتراجع مكارم الأخلاق، وانتشار التبرير للفساد والعنف، وصولاً الى فقدان الثقة في الخطاب الديني، وعزوف أجيال شابة عن الالتزام الديني الواعي.

من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى استعادة الهوية الشيعية الأصلية وتجديدها في آن واحد.

استعادة الهوية الشيعية تعني العودة إلى الجوهر الذي علّمه أهل البيت (عليهم السلام)؛ ويتمثل في التقوى، ومكارم الأخلاق، ونصرة المظلوم، ورفض الظلم بكل أشكاله، احترام كرامة الإنسان، والقول بالحق أمام السلطان الجائر. استعادة الهوية تعني أيضاً استعادة لروح عاشوراء التي لم تكن مجرد مأساة، بل ثورة أخلاقية ضد الفساد والاستبداد، واستعادة لوصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52).

أما تجديد الهوية فلا يعني التخلي عن الأصل، بل تحريره من التشوهات والأخطاء التاريخية والمعاصرة، ومواكبة تطور العقل الإنساني والمعرفة والحياة. يعني فتح أبواب النقد الذاتي الشجاع، وإعادة قراءة التراث ثم قراءة الأحداث والواقع الشيعي المأزوم اليوم بطريقة عقلانية منفتحة، والإجابة عن أسئلة الشباب المعاصرة، والاندماج الإيجابي في المجتمعات الوطنية كمواطنين يحملون هوية شيعية واعية ومنفتحة، لا معزولين طائفياً ولا مستَغَلِين سياسياً.

التجديد يعني أيضاً إعادة بناء المؤسسة الدينية على أسس العقل المؤسسي والاستقلالية الحقيقية، لتعود مؤسسة هداية لا سلطة، وخدمة لا إخضاع، وتجديداً لا تجميداً. كما التجديد يعني تمييزاً واضحاً بين "شيعة السلطة" (النخبة الحاكمة التي حكمت باسم الشيعة واستغلت المذهب) و"شيعة العراق" و"شيعة الأمة" (الناس العاديين، والفقراء، والمثقفين، والضحايا) الذين دفعوا ثمن التشوه وهم أولى باستعادة الهوية النقية.

وهكذا؛ فإن بداية استعادة الهوية الشيعية وتجديدها تكمن في الإصلاح .. والإصلاح يبدأ منّا، ومن تزكية النفوس، ومن رفض الظلم في أنفسنا وفي محيطنا.

إذن؛ بعد كل هذه الخسائر البشرية والمادية والقيمية؛ وهي خسائر تاريخية، لنشرع بـ استعادة هويتنا الشيعية من خلال التمسك بقيم أهل البيت (عليهم السلام)؛ التقوى، ومكارم الأخلاق، ونصرة المظلوم، والصدق، والعدل، والرحمة، والأمانة، واحترام كرامة كل إنسان. لنبدأ بـ تجديد هويتنا الشيعية بفتح العقل والقلب على أسئلة العصر وتحدياته، وقبول النقد البنّاء، والحوار مع الواقع المتغير، والتفاعل مع تطور الفكر والعلم والحياة، دون خوف أو انغلاق. فإن التشيع يمكن أن يكون نوراً يضيء دروب الإنسانية، لا ظلاماً يغطي الظلم، ويكون راية للعدل والكرامة، لا غطاء للفساد والاستبداد، ويكون صوتاً للحرية والتعايش لا أداة للتقسيم والكراهية.

بالتالي، الخيار اليوم بين أيدينا، واضح وحاسم؛ فإما أن نستمر في قبول التشوه والانكفاء والتبرير، فنبقى أسرى مرحلة أزمة أو نكبة ونفقد أجيالاً كاملة، أو أن نسلك طريق الاستعادة الواعية والتجديد الشجاع، فنعيد للتشيع بهاءه الأصيل، ونبني معاً مستقبلاً زاهراً يليق بتراث أهل البيت (عليهم السلام)، ويشرق على الإنسانية جمعاء .. لنبدأ الآن؛ من أنفسنا، ومن بيوتنا، ومن كلماتنا، ومن مواقفنا اليومية، فإن الغد لا يُنتَظَر، بل يُصنَع.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83)