
|
المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 15/ ذو القعدة/1447
تقدّم الآية الكريمة (وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: 108) قاعدة أخلاقية عميقة تتجاوز ظاهرها اللفظي، إذ تحظر الإساءة حتى إلى آلهة الكافرين، حمايةً لقيم الاحترام وضبط النفس، ولمنع انحدار الحوار إلى مستوى البذاءة ورد الفعل. هذا النهي لم يكن دفاعاً عن الأصنام، بل دفاعاً عن كرامة الخطاب الإيماني؛ لأن الدين الحق لا يقوم على السباب والتهجم، بل على الحجة والخلق الكريم. لقد عمّم الأئمة (عليهم السلام) هذا المبدأ ليشمل كل قول أو فعل يؤدي إلى سبِّ الله أو أوليائه أو رموز الدين، مؤكدين أن مَنْ سبّ وليّ الله فقد سبّ الله. فإن الكرامة الدينية تصان لا بالخصومة اللفظية، بل بالوقار وضبط اللسان، كما ورد في روايات الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "وجاملوا الناس، ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم، وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم، «فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ»، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله، كيف هو إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله، ومَنْ أظلم عند الله ممن استسب لله ولأولياء الله، فمهلاً مهلاً؛ فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" (مرآة العقول للعلامة المجلسي: ج25 - ص16). لكن المؤسف أن هذه القيم القرآنية والروائية غابت اليوم عن عموم المشهد السياسي والإعلامي؛ بل والمجتمعي وأحياناً حتى الديني، في العالمين العربي والإسلامي. فقد صار السبّ والشتم والاتهام أسلحة يومية تُستَخدَم ضد المختلفين بالرأي، وأحياناً مِنْ قبل مَنْ يزعمون أنهم يرفعون راية "الدفاع عن الدين". إن هذا الانحدار الأخلاقي ليس مجرّد انفعال عابر، بل نكوص عن روح الإسلام نفسه الذي جعل من الكلمة الطيبة صدقة، ومن كظم الغيظ فضيلة، ومن الحوار بالحكمة مبدأ. المتدين الحقيقي، وفق ميزان القرآن الكريم، هو مَنْ تسمو خُلقُه فوق انفعاله، ويضبط لسانه قبل أن يطلقه في انتهاك كرامات الآخرين أو التجاوز على أعراض الناس. فلا مبرر سياسي أو مذهبي أو اجتماعي يبيح انتهاك الأخلاق باسم الدين، لأن الله تعالى لم يربط الإيمان بالانتماء، بل بالسلوك: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(آل عمران:31). وقال (صلى الله عليه وآله): "أفضل الناس إيماناً أحسنهم خُلُقاً" (الأمالي: ص73). ورُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) قال: "ما يقْدُم المؤمن على اللّه بعمل، بعد الفرائض، أحب إلى اللّه تعالى مِنْ أن يسع الناس خلقه" (بحار الأنوار: ج68 - ص375). وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه" (بحار الأنوار: ج68 - ص 392). ورُوي عن الإمام الحسن الزكيّ المجتبى (عليه السلام): "إنّ أحسنَ الحَسَن الخُلُق الحسَن" (الخصال: ص 29). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|