تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

16 / ذو القعدة / 1447

 

 

يركز المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)؛ في تفسيره وفكره الأخلاقي، على الربط الوثيق بين الإيمان والعمل الاجتماعي، وهو تفسير أوضح لجوهر "التديّن" الذي ينبغي أن يكون عليه "المؤمن"، معتبراً أن تزكية النفس هي المحرك الأساسي لإصلاح الفرد والمجتمع معاً.

في كتابه "تقريب القرآن إلى الأذهان"، يرى(قده) أن التزكية (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)(الشمس: 9) تتجسد في الإنماء والإعلاء بالتقوى والعمل الصالح، فإن التزكية ليست مجرد كف عن الذنوب، بل هي عملية بناء وتنمية للقدرات الدينية والإيمانية والروحية للإنسان.

ويؤكد(قده) أن الله تعالى نَسَب الفعل للإنسان (مَنْ زَكَّاهَا) ليبيّن على أن الفلاح هو اختيار شخصي وقرار إرادي، وأن الله ألهم النفس القدرة على التمييز بين التقوى والفجور.

وفي مقابل التزكية (التدسية)، يرى(قده) أن (دَسَّاهَا) من الآية الكريمة (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(الشمس:10) تعني إخفاء النفس في المعاصي وإهلاكها في الذنوب، مما يؤدي إلى خيبة الإنسان وخسرانه لغايته النهائية.

وهكذا، يتجلى فكر الإمام الشيرازي الراحل في تزكية النفس؛ وتجسيد جوهر التديّن أو التدين الحقيقي (لا التديّن الشكلي)، من خلال منهجه الأخلاقي والتربوي الذي يركّز على ما يلي:

اليقظة (الانتباه والحذر)، ويعتبرها الخطوة الأولى، التي بها يدرك الإنسان أنه في خطر معنوي، مما يولد لديه حالة من "الإشفاق" والحذر التي تدفعه للإصلاح/التقوى.

المحاسبة الدقيقة، فيشدد(قده) على أن السبيل الوحيد للفلاح هو محاسبة النفس يومياً؛ بحيث لا يترك الإنسان واجباً ولا يرضخ لذنب، وإنْ وقع فيه سارع للتوبة فوراً.

تطوير الملكات الأخلاقية، فإن التزكية عنده(قده) لا تنفصل عن "حسن الخلق" والتواضع والرفق بالناس؛ فهي الثمار الظاهرة لتزكية الباطن.

الارتباط بالنماذج الكاملة، حيث يرى(قده) في سيرة النبي الأعظم والأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السلام) والعلماء الربانيين منهجاً عملياً.

العمل الاجتماعي، فيؤكد(قده) إن التزكية ليست عزلة، بل هي تحفيز لهداية الناس والعمل في كل ما يخدم المجتمع؛ فكلما طهرت النفس، زاد عطاؤها العام.

بالتالي، فإن القرب من الله سبحانه لا يكون بالاعتقاد وحده، بل بتزكية مستمرة ومتواصلة للنفس، كما قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)(الشمس: 9). وقد رُوِي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه" (مكارم الأخلاق: ص375).

كذلك، فإن الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام) يتطلب التزاماً صارماً بمكارم الأخلاق، كما قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: "فَوَاللهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ" (الكافي: ج2 - ص74).

ورُوِي أنه بعد أن يجمع الله سبحانه أصحاب الإمام المهدي فيحضرون عنده، يبيّن لهم الإمام أنه لن يقطع أمرًا حتى يبايعوه على خصال. هذه الخصال التي يريدها الإمام من أصحابه، بعد ظهوره، هي نفسها التي يريدها من شيعته وهو في غيبته. يقول الإمام المهدي (عليه السلام): "...ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا محرماً، ولا تأتوا فاحشة.. ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون.. ولا تسفكوا دماً حراماً، وليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة" (عقد الدرر للسلمي الشافعي: ص96).

أما رضا الإمام المهدي (عجَّل الله ظهوره)، فيتحقق بالتورع عن المحارم والعمل الصالح، لا بالمحبة الشكلية، كما أكد سماحة المرجع الديني، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بقوله: "يجدر بالمؤمنين والمؤمنات العلم بأن محبة الإمام المهدي تقتضي التورع عن محارم الله والعمل الصالح، كما أن إظهار الإنسان محبته للإمام، ليس دليلاً قاطعاً على محبة اﻹمام لذلك الإنسان، أو أنه يوجب محبة اﻹمام، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم وتحدث عنه اﻹمام، بل إن الامتثال لسيرة اﻹمام والالتزام بها، هو الذي يوجب محبة اﻹمام المهدي. أيضاً، يجدر بالمؤمنين والمؤمنات معاهدة الله على أن يكونوا عند مرور ذكرى مولد الإمام المهدي  في كل سنة أحسن من السنة السابقة، وفي هذه الذكرى العظيمة لكل مؤمن أن يسعى لإصلاح نفسه، فلو أصلح المؤمنون والمؤمنات أنفسهم فإن الإمام المهدي هو الذي سيأتي إليهم قبل أن يذهبون إليه (عجل الله فرجه)".

أما الإصلاح فإنه مستمر حتى في غَيْبَة الإمام المهدي (عجَّل الله ظهوره)، كما شدد المرجع الديني المجدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "لا يسقط التكليف في زمن غَيْبَة الإمام المهدي، بذريعة أن الإمام سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً. فلا شك في ظهوره، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأها عدلاً وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً". لكن الكلام في أنه هل يجوز للإنسان عقلاً وشرعاً أن يترك ما ندب الله إليه، في مختلف شؤون الحياة، إلى ذلك اليوم، أم يلزم العمل بالتكليف الذي أمر به الله (عزّ وجلّ)؟ لا شك في لزوم السعي لإصلاح المجتمع، ونشر الخير والفضيلة".

فإن الإنسان/المتديّن مطالب بالسعي على الدوام الى إصلاح ما فسد من أمور الدولة والمجتمع، وهذا السعي سيكون حتى في عهد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، كما أوضح الفقيه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رحمه الله): "إن حركة الإمام المهدي تشبه حركة النبي (صلى الله عليه وآله)، فهي حركة طبيعية – غيبية في آن واحد، وكما أن النبي كان يستند إلى الإمداد الغيبي، لكن حركته كانت تعتمد على منطق المعادلات الطبيعية أيضاً". ويلفت (رحمه الله) الى أن "الروايات تنفي التصور الموجود لدى بعضنا بأن الإمام المهدي سيأتي ومن دون أية مقدمات أو مؤنة، وتصبح الكرة الأرضية كلها خاضعة له، فهنالك جبابرة وطغاة يحكمون في هذا العالم، وهنالك أفراد ستتعرض مصالحهم للخطر. وهناك جماعة تخرج إلى الإمام (عجل الله فرجه) وتقول له: "لا حاجة لنا بك، فارجع من حيث أتيت، وفقاً للروايات".

وهكذا، يجسد المتديّن جوهر التديّن، وهكذا يُفضّح أصحاب التديّن الشكلي (غير الحقيقي) والسياسي أو رجل الدين الذي يتخذ الدين غطاء أو وسيلة لمصالح خاصة ولا ينظر الى الدين كإيمان وقيم إنسانية وأخلاقية، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): "السياسي أو رجل الدين الذي يريد تزييف الدين أو الذي يتظاهر بالتدين؛ في مجتمع متدين عموماً، لا يستطيع الوصول الى غايته، وسرعان ما يلفظه المجتمع ويدينهما ويستنكر سلوكه؛ وحتى إذا تمكن من أن يخدع المجتمع بطريقة ما، برهة من الزمان، فإنه لن يحصد سوى الفشل والخيبة والمهانة، ولذا رُوِي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: "للباطل جولة وللحق دولة" (الكافي. ج2 - ص447)، وقبل ذلك قال سبحانه: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل)(آل عمران: 196)، وقوله تعالى تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)(الإسراء 81)".