
|
تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 18/ ذو القعدة/1447هـ
على الرغم من النماذج المضيئة التي تجَسِّد جوهر الإيمان من خلال المزج المتناسق والمتوافق والمتجانس بين الشعائر التعبدية والسلوك الأخلاقي الرفيع، إلا أن الأوساط الاجتماعية غالباً ما تضجّ بتساؤلات مشروعة حول الفجوة الآخذة في الاتساع بين "الخطاب الديني" و"الممارسة السلوكية". ويبرز هذا التناقض بوضوح في ظاهرة "التدين الشكلي"؛ حيث نجد من يحرص أشد الحرص على إقامة الصلاة والصيام وسائر العبادات بتفاصيلها الدقيقة، لكن هذا الالتزام يظل حبيس الإطار الطقسي، فلا ينعكس أثره رحمةً في التعامل مع الأهل، أو إنصافاً في حق الجار، أو رقياً في خُلق المعاملة مع الناس. بلا شك في إن هذه الفجوة لا تعكس خللاً في فهم العبادة فحسب، بل تشير إلى انفصال حاد بين طقوس الجوارح وقيم القلوب، مما يحوّل التدين من حالة سموّ أخلاقي شاملة إلى مجرد مظهر خارجي يفتقر للروح والجوهر. وهكذا، حتى أصبح من المعتاد أن نرى.. سياسياً "متديناً" يهمل مصالح بلده ويخون أمانة شعبه! مسؤولاً "متديناً" أو موظفاً "متديناً" يقصِّر في واجبه، ولا يحترم حقوق الناس! قاضياً "متديناً" يتقاعس عن إقامة العدل أو طبيباً "متديناً" يتهاون بصحة مريضه! جماعة "متدينة" أو أو حزباً "متديناً" يتجاوز على أموال الدولة التي هي أموال الشعب، ويخرق القانون! رجل دين يدعو الناس الى التقوى والعمل الصالح لكنه يتردد في قول الحق، ويفرِّط في نصرة المظلوم، ويتجافى عن نقد الفاسد، ويحجم عن مخاصمة الظالم، حتى كأنه لم يسمع بآخر وصايا سيد العادلين وأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب لولديه الإمامين السبطين الحسن والحسين (عليهم السلام): "وقولا بالحق، واعملا للآخرة، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً" (نهج البلاغة). بكلمة أخرى؛ هؤلاء "متدينون" بلا إيمان و"متدينون" بلا ورع ولا أخلاق؛ إنه تناقض فج أو إنه أشبه بالانفصام، انفصام بين الجوهر والمظهر، وبين الحقيقة والوهم. وهنا السؤال: هذا التدين الظاهري أو التدين الناقص أو التدين غير الحقيقي أو التدين الشكلي هل يكمن في أفراد، أم إنه موجود في مساحة أوسع من ذلك، أو إنه أصبح ظاهرة تهدد إيمان المجتمعات المسلمة؟! لا شك في أن هذا السؤال يطرح قضية مهمة ومعقدة تتعلق بالتدين الشكلي مقابل الجوهر الأخلاقي للإيمان. نعم، ظاهرة التدين الشكلي – أي التركيز على الطقوس والمظاهر الدينية دون تجسيد القيم الأخلاقية والإنسانية في السلوك – يمكن ملاحظتها في أفراد وجماعات في المجتمعات المسلمة. مع ذلك، بالتأكيد لا يمكن تعميم هذا الحكم على الجميع. لكن، لماذا تحدث هذه الظاهرة؟ ظاهرة التدين الشكلي أو "غير الحقيقي" تعود الى عدة أسباب؛ ويمكن الإشارة الى أبرزها: * الفهم السطحي للدين، حيث إن بعض الأشخاص يركزون على الجانب الشكلي "الأدائي" من العبادات دون استيعاب الغايات الأخلاقية والروحية العميقة، مثل الرحمة، والعدل، وحسن الخلق. * الضغوط الاجتماعية، فإنه في بعض المجتمعات، التدين الشكلي قد يكون مجرد وسيلة لكسب القبول الاجتماعي أو إثبات الهوية، أو كسب فائدة، مما يؤدي إلى إهمال الجوانب الأخلاقية. * الانفصال بين العقيدة والسلوك، فقد ينشأ هذا الانفصام من ضعف التعليم الديني الشامل الذي يربط بين العبادات والأخلاق، أو من تأثيرات ثقافية تعلي من شأن الطقوس على حساب القيم. * التأثيرات النفسية والاجتماعية، فإن بعض الأفراد قد يجدون في التدين الشكلي نوعاً من "التعويض" عن نقص داخلي أو ضغوط خارجية، مما يؤدي إلى إهمال التطبيق العملي للأخلاق. وللحدّ من هذه تفاقم هذه الظاهرة المَرَضية فإن البداية تكمن في التعليم الديني الذي ينبغي التركيز فيه على تعليم القيم الأخلاقية والإنسانية كجزء لا يتجزأ من التدين. أيضاً، لابد من تشجيع النقد الذاتي، والحث على مراجعة النوايا والسلوكيات بما يتماشى مع جوهر الدين. ثم القدوة الحسنة، فإن من المهم تقديم نماذج مشرقة تجمع بين العلم والعبادة والأخلاق لتكون مصدر إلهام واقتداء. وهكذا، فإن التدين الشكلي دون أخلاق ليس سمة عامة للمجتمعات المسلمة، لكنه موجود .. للأسف موجود وبشكل غير محدود. بالتالي وجود هذا التدين المزيف يُعَد مشكلة ولابد من العمل على حلها. فإن الإيمان الحقيقي، يتجلى في أداء العبادات والشعائر، والمشاركة بالنشاطات الدينية، بالإضافة الى حسن الخلق والتعامل الأمين واللطيف والكريم مع الآخرين، أفراداً أو جماعات أو مجتمعاً أو شعباً، أيّاً كان انتماؤهم الديني والعرقي، وكما قال النبي الكريم (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مستدرك الوسائل: ج11 – ص187). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|