تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير




 

 

موقع الإمام الشيرازي

19 / ذو القعدة / 1447

 

 

لا تكمن أزمة التدين في المجتمعات المسلمة في غياب الدين، بل في حضوره المشوَّه. فالدين حاضر في الشعارات، وفي الفضاء العام، وفي الطقوس والمناسبات، لكنه غائب - إلى حدٍ كبير - عن السلوك، وعن بنية القيم التي تضبط حياة الفرد والدولة .. هذه المفارقة هي ما يجعل الحديث عن "التديُّن" اليوم أقرب إلى تفكيك أزمة، لا إلى الاحتفاء بواقع.

في كثير من الأحيان، تُختزَل الهوية الدينية أو المذهبية في مجرد انتماء اجتماعي موروث؛ حيث إنه يولد الفرد ضمن طائفة فيرثها كما يرث اسمه، دون معرفة حقيقية بأسسها أو مقاصدها. ثم تتعزز هذه الهوية عبر ممارسات "شكلية" مثل صلاة تؤدّى بلا حضور قلبي، وصوم يُمارس كعادة دون جوهر الصوم، وشعارات تُرفَع أكثر مما تُفهَم، وخطاب يتناقض مع السلوك. وهكذا يتبلور نمط من التديُّن يمكن وصفه بأنه "اجتماعي - تقاليدي"، حيث يصبح الدين جزءاً من الثقافة العامة، لا مشروعاً أخلاقياً واعياً.

في المقابل، يقوم التديُّن الحقيقي على فهم الغاية من الدين، لا الاكتفاء بمظاهره. فإن الصلاة، في جوهرها، ليست حركات جسدية، بل وسيلة لتهذيب النفس؛ والصوم ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل تدريب على ضبط الرغبات؛ والدين كله، في محصلته، منظومة قيم تُترجم إلى سلوك كريم من خلال الصدق، والعدل، والرحمة، والأمانة، واللطف، واحترام للإنسان، ونفع الناس، فإن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) قال: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" (بحار الأنوار: ج16 - ص210)، و رُوِي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "سُئل رسول الله: مَنْ أحبُّ الناس إلى الله؟ قال: أنفع الناس للناس" (بحار الأنوار: ج73 – ص339). وقال (صلى الله عليه وآله): "الخَلْق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" (الكافي: ج2 – ص199). بهذا المعاني الطيبة والنبيلة والسامية، يصبح التمييز ضرورياً بين دينٍ يُعاش كإيمان حي، ودين يُستهلَك كهوية اجتماعية أو وسيلة للانتفاع أو مآرب أخرى(1).

هذا النوع من التديّن المزيَّف ليس طارئاً بل موجود في كل زمان، فإن التاريخ الإسلامي نفسه يقدّم أمثلة صارخة على هذا الانفصال بين الشكل والجوهر. فقد تحدّث القرآن الكريم عن المنافقين الذين أدّوا الشعائر وشاركوا الجماعة، لكن قلوبهم كانت خالية من الإيمان: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾(البقرة: 9). كما مثّل الخوارج نموذجاً آخر لتديُّنٍ مفرغ من روحه؛ إذ بالغوا في الطقوس والتمسك الحرفي بالنصوص، لكنهم انحرفوا حين جعلوا الدين أداة للعنف والتكفير. وقد وصفهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأنهم يقرؤون القرآن لكنه "لايُجاوزُ تراقيهم" (الأمالي: ص334)، أي لا يصل إلى قلوبهم ليهذب سلوكهم.

ولم تكن هذه الظاهرة محصورة بعامة الناس، بل امتدت أحياناً إلى بعض من تصدّروا للعلم والدين، حين تحوّلوا إلى أدوات لتبرير ظلم السلطة، ومخادعة الناس، متناسين أن فساد العالم أخطر من جهل الجاهل، فإنه حين يُستخدَم الدين لتغطية الانحراف، يصبح التدين ذاته جزءاً من المشكلة.

في الواقع المعاصر، تتجلى هذه الأزمة بأشكال متعددة. فهناك مجتمعات تُعلي من المظهر على حساب الجوهر، حيث تُشاد المساجد الفخمة، وتُرفَع الشعارات الدينية، لكن تُهمَل قيم العدالة ونصرة المظلوم. وقد نرى فرداً يلتزم بالطقوس، لكنه يمارس الكذب أو الظلم أو الغش في حياته اليومية. وفي المجال السياسي، تظهر المفارقة بشكل أكثر حدة: مسؤولون يتحدثون باسم الدين أو الطائفة، لكنهم ينخرطون في الفساد، ويبددون المال العام، ويخونون الأمانة التي أقسموا على حفظها.

ومن أخطر تجليات هذا التديُّن الشكلي، "التديُّن الانتقائي"، حيث يختار الفرد أو الجماعة من الدين ما ينسجم مع مصالحه أو ما لا يكلّفه شيئاً، ويتجاهل ما يتطلب مراجعة للذات أو التزاماً أخلاقياً صارماً. وهكذا تتحول العبادة إلى طقس منفصل عن السلوك، ويتحول الدين إلى مساحة تبرير بدلاً من أن يكون معياراً للمحاسبة.

كما يسهم الخطاب الديني المتعصب في تعميق الأزمة، حين يحوّل الانتماء المذهبي إلى هوية صراعية، تبرر الكراهية والانقسام، وتُقصي قيم التعايش والتسامح. فـ ينشغل الناس بصراعات فقهية وتاريخية، بينما يتشاركون في إهمال الإصلاح الأخلاقي، والسكوت عن الظلم، والتخلي عن مسؤولياتهم تجاه الفقير والمظلوم.

هذه المفارقات لا تمر دون نتائج، فإن المجتمعات التي يكثر فيها التديُّن الشكلي (التدين غير الحقيقي)، تشهد غالباً تراجعاً في القيم الأخلاقية الأساسية. وقد أشارت دراسات أكاديمية وتقارير حكومية الى اتساع ظواهر مقلقة مثل ارتفاع نسب الطلاق، وتفشي الجريمة، وتعاطي المخدرات، والانتحار. وهي مؤشرات لا تعكس ضعف التدين الظاهري، بل تكشف هشاشته(2).

وفي العراق، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فإن هذا البلد يُعَد من أكثر الدول نشاطاً في المناسبات والشعائر الدينية، لكنه في الوقت ذاته يعاني من مستويات مرتفعة من الفساد الإداري والمالي. ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2025، جاء العراق في مرتبة متأخرة (154 من أصل 180 دولة)، ما يعكس خللاً عميقاً في منظومة القيم داخل الدولة والمجتمع. هذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمجتمع يزخر بالمظاهر الدينية أن يعاني في الوقت نفسه من هذا القدر من الانحرافات؟

الجواب السبب – بالتأكيد - لا يكمن في الدين ذاته، بل في طريقة تمثّله، فإنه حين يُختزَل الدين في طقوس وعبادات، ويُفصَل عن مكارم الأخلاق، يفقد قدرته على ضبط السلوك الفردي والجماعي. بل قد يتحول إلى غطاء يمنح الفاسد شعوراً زائفاً بالشرعية.

إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة الاعتبار لجوهر الدين بوصفه مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون هوية، فإن المجتمعات لا تُقاس بكثرة شعائرها، بل بمدى انعكاس هذه الشعائر على سلوكها. والدولة التي ترفع شعارات دينية، لكنها تفشل في تحقيق العدالة، إنما تقدم نموذجاً صارخاً على التديُّن الشكلي في أعلى مستوياته.

وهكذا، يتحدد الموقف الحقيقي من الدين بسؤال حاسم: أهو معيار نحتكم إليه في تقويم أنفسنا، أم أداة نوظّفها لتبرير ما نريد أو وسيلة للحصول على منصب أو طريقً للارتزاق؟ والجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد مستقبل المجتمعات، لا في العراق وحده، بل في العالم الإسلامي بأسره.

==================

هامش

(1) رُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "إن الله خصّ رسوله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله وارغبوا إليه في الزيادة منها" (من لا يحضره الفقيه: ج3 - ح4901). وقال (عليه السلام): "عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله عز وجل يحبها وإياكم ومذام الأفعال فإن الله يبغضها - إلى أن قال - وعليكم بحسن الخلق فإنه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم" (وسائل الشيعة:11 - ب6 - ح8)، وقال الإمام الباقر عليه السلام: "إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (أصول الكافي: ج2 – ح2).

(2) في جانب من كلمته الرمضانية السنوية، العام 1445هـ، قال سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "أتذكّر أنه قبل قرابة سبعين سنة كان الفساد نادراً. فمن يساوينا بالعمر، يتذكّرون ندرة وجود الفساد في ذلك الزمان بين الرجال والنساء. وعلى سبيل المثال: كان الطلاق في ذلك الزمان لا يقع إلاّ بالقليل والقليل، وكان مذموماً. وكذلك كان زواج الشباب والشابات في تلك الحقبة الماضية لا يواجه ما يواجهه اليوم من مشاكل وصعوبات، وكان الطلاق في كل شهر لا يتجاوز ثلاث حالات في كل محافظة كربلاء المقدّسة وحواليها وأطرافها، لكن إحصائيات الطلاق اليوم في عموم البلاد الإسلامية فاقت حدّ حتى التصوّر واتّسعت دائرته بشكل رهيب، فالكثير من حالات الطلاق تقع اليوم في أيّام الخطوبة والعقد بل وحتى في مراسيم إجراء عقد الزواج!"

وأضاف سماحته: "الإحصائيات الكثيرة لعمليات الخطف والقتل والانتحار وتعاطي المخدرات والسرقات والرشاوى ازدادت وبتصاعد في المجتمعات البشرية. وخلال ثلاثين سنة من وجودي في مدينة كربلاء المقدّسة لا أتذكّر وقوع حالة واحدة من الانتحار، ولكن نسمع في مجتمع اليوم دائماً انتحار فلان الشخص وآخر وآخر، ويخلقون بانتحارهم ويسبّبون تبعات مؤلمة لوالديهم أو لنسائهم أو لأبنائهم أو لأزواجهم ويتأثّروا به".