التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني




 

 

موقع الإمام الشيرازي

23 / ذو القعدة / 1447

 

 

ليست أزمة المجتمعات المسلمة اليوم في غياب التدين، بل ربما في نوع التدين السائد نفسه؛ إذ تتسع ظاهرة التدين الشكلي بصورة تدعو إلى القلق، حتى باتت الطقوس والمظاهر الدينية حاضرة بقوة، فيما تتراجع القيم الأخلاقية والسلوكية التي يفترض أن تكون الثمرة الطبيعية للإيمان الحقيقي. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ كيف يمكن لمجتمع يزداد تديناً في الظاهر، أن يزداد في الوقت نفسه فساداً وظلماً وعنفاً وانهياراً أخلاقياً؟

إن فهم الدين بمعزل عن العقل يؤدي الى تشويه الدين نفسه والانحراف بالتدين عن مقاصده الكبرى. ولهذا قال النبي الأعظم والأكرم (صلى الله عليه وآله): "لا دين لمن لا عقل له" (بحار الأنوار: ج74 - ص143). فإنه حين يغيب العقل، تتحول العبادات إلى حركات جوفاء، ويصبح التدين مجرد ممارسات شكلية لا تنعكس على السلوك ولا تضبط الجوارح. عندها قد ترى الإنسان يصلي ويصوم ويحج، ويتحدث عن الورع والفضيلة، لكنه في الوقت نفسه يكذب، ويغش، ويظلم، ويشتم، ويتهم الناس زوراً، بل وربما يخون شعبه أو يسرق أموال الدولة أو يخذل وطنه.

وربما يمكن فهم جانب من قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا...)(طه: 124). بوصفه لا يقتصر على ترك العبادات أو الإنكار الظاهر للدين، بل يشمل أيضاً إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني. فإن الإنسان قد يُكثِر من العبادات والشعائر، لكنه يُعرِض عن "ذِكر الله" بمعناه القيمي حين يظلم الناس، أو يخون الأمانة، أو يستغل موقعه وسلطته، أو يتعامل مع الآخرين بلا عدالة ولا رحمة ولا ضمير. وهكذا يصبح السياسي بعيداً عن حقيقة الدين حين يخذل شعبه، والطبيب حين يتاجر بآلام المرضى، والمعلم حين يفقد رسالته الأخلاقية، والتاجر حين يغش ويحتكر، ورجل الدين حين يتحول الدين عنده إلى وسيلة نفوذ أو تبرير للسلطة. فالإعراض الحقيقي ليس دائماً إنكار الدين، بل قد يكون في تعطيل غاياته الكبرى، وتحويله إلى طقوس منفصلة عن العدل والرحمة والصدق والأمانة واللطف والرأفة.

هذه الأزمة لا تتوقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية أيضاً. فالتدين يصبح شكلياً عندما يتحول إلى عادة اجتماعية تُورَّث دون وعي أو اقتناع، أو حين يُختزل في المظهر والهوية والانتماء الطائفي .. هذا النوع من التدين يصبح أكثر خطورة عندما يُستخدَم كأداة سياسية للوصول إلى السلطة أو تبرير الفشل والفساد، عبر رفع الشعارات الدينية واستثمار العاطفة الإيمانية لدى الناس، بينما تُفرَّغ القيم الدينية نفسها من مضمونها الأخلاقي والإنساني.

كما أن التدين يتحول إلى حالة مشوَّهة حين يغيب عنه النقد والمراجعة والتفكير الحر، فيصبح الإنسان منقاداً بلا بيّنة، ومتبِعاً بلا حجة، ومستسلماً لما ورثه أو اعتاده دون مساءلة أو تأمل. وهنا يفقد الدين دوره في بناء الإنسان الواعي، ويتحول أحياناً إلى غطاء نفسي أو اجتماعي يمنح شعوراً زائفاً بالتفوق الأخلاقي.

ولعل ما يُروى عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يكشف عمق هذه الأزمة منذ وقت مبكر؛ إذ حضر عنده جماعة من شيعته بأجسادهم دون عقولهم وقلوبهم، فكانوا غافلين عما يقول، الأمر الذي أثار استياءه، حتى قال لهم: "ألا يا أشباحاً بلا أرواح، وذباباً بلا مصباح، كأنكم خشب مسندة وأصنام مريدة" (*). لم يكن هذا التوبيخ موجهاً لجماعة بعينها بقدر ما كان تحذيراً دائماً من التدين الفارغ الذي يفقد روحه ومعناه. فإن الإيمان الحقيقي ليس هوية موروثة، ولا انتماءً شكلياً، ولا شعارات تُرفَع، بل هو وعي حيّ ينعكس على السلوك والأخلاق. وكما أن الشجرة اليابسة لا تُثمِر مهما بدا حجمها كبيراً، فإن التدين بلا وعي داخلي ولا أثر أخلاقي يتحول إلى قشرة خاوية، وربما إلى عبء على الدين نفسه.

ومن هنا جاءت تأكيدات المرجع الديني المجدد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) على خطورة الفصل بين العقيدة والسلوك، إذ يقول: "صحة المبادئ شيء، وتطبيق تلك المبادئ على الواقع شيء آخر، وإذا لم يطبّق الإنسان أعماله على تلك المبادئ الصحيحة، عاش حالة الدروشة" (طريق النجاة: ص171). كما يقول(قده): "لا الدين وحده، ولا الأخلاق وحدها، بل دين وأخلاق" (الأخلاق الإسلامية: ص6). وهي رؤية تؤكد أن التدين الحقيقي وحدة عضوية بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والقيم الأخلاقية. وهذا المعنى يتماهى بوضوح مع الرؤية القرآنية التي لا تختزل البرَّ في الطقوس والشعائر الشكلية، بل تربطه بالعدل والإحسان والصدق والوفاء والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ...)(البقرة: 177).

وفي السياق نفسه، يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "كم من صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، وكم من قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر والعناء" (غرر الحكم: ح4763). فإن القيمة الحقيقية للعبادة ليست في شكلها الظاهري، بل في أثرها على النفس والسلوك والعلاقات الإنسانية. مع ذلك، فإن أخطر ما في ظاهرة التدين الشكلي أنها لم تعد حالات فردية معزولة، بل تحولت في كثير من المجتمعات إلى نمط واسع الانتشار، حتى يبدو التدين المظهري أكثر حضوراً من التدين الحقيقي - القيمي والأخلاقي. وهذه ليست مجرد مشكلة وعظية أو أخلاقية بسيطة، بل أزمة إيمانية وحضارية عميقة، لأن المجتمع الذي يفصل بين الدين والأخلاق، وبين الشعائر والسلوك، يُنتِج تناقضاً خطيراً ينعكس على السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ومفهوم الدولة ذاته.

ولهذا فإن أي محاولة حقيقية للإصلاح لا يمكن أن تنجح دون إعادة تعريف "التدين الحقيقي"، بوصفه وحدة لا تنفصل فيها العبادة عن الأخلاق، ولا الإيمان عن احترام الإنسان وكرامته. فجوهر العبادة هو تهذيب النفس وصناعة الضمير الحيّ، لا مجرد أداء الطقوس. ومن هنا قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "مَنْ كَرُمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية" (غرر الحكم: ح8730). فإن احترام الذات جزء من التدين الحقيقي، كما أن حسن التعامل مع الناس جزء من حقيقة الإيمان، سواء مع الأسرة أو الجيران أو المجتمع أو حتى المختلفين معنا. ويصف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) المؤمن الحقيقي بقوله: "المؤمن مَنْ طاب كسبه، وحسنت خليقته، وصحَّت سريرته، وأنفق الفضل مِنْ ماله، وأمسك الفضل مِنْ قوله، وكفى الناس شره، وأنصف الناس مِنْ نفسه" (الكافي: ج2 - ص235).

وأمام هذه المعايير الأخلاقية الرفيعة، يبرز السؤال المؤلم: أين نحن اليوم من هذا النموذج؟! وأين غالبية الناس من هذه القيم التي جعلها الدين معياراً لحقيقة الإيمان، لا مجرد مكملات ثانوية له؟! وهكذا، فإن أزمة التدين في مجتمعاتنا ليست أزمة نقص في الحوزات والحسينيات والشعائر والمنابر والفضائيات والكتب، بل أزمة غياب في الوعي بجوهر الدين ووانحسار الصدق مع الذات. ولهذا، فإن إنقاذ الدين من التشويه يبدأ بإنقاذ التدين نفسه من الزيف، وإعادة الاعتبار للعقل، وللقيم، وللإنسان.

-------------------------------------

هامش

(*)  يُروى أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد وجَّه عتاباً أو نقداً أو توبيخاً لجماعة من شيعته حضروا عنده بأجسادهم دون عقولهم وقلوبهم، فكانوا ساهين ولاهين وغافلين عن إدراك ما كان يقوله، وهو ما أغاظ الإمام، حتى أطرق ملياً، ثم رفع رأسه، وقال لهم كلاماً؛ دعاهم فيه الى التمسك بطاعة الله سبحانه، ثم وعظهم ليستردوا عقولهم، ويعودوا الى الإيمان الحقيقي والتديُّن الواعي، ومما قاله الإمام الصادق: "إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتاً. ألا يا أشباحاً بلا أرواح، وذباباً بلا مصباح، كأنكم خشب مسندة وأصنام مريدة" (تحف العقول: ص291).