
|
التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب |
|
|
|
|
|
|
|
|
دولة الإمام علي بن أبي طالب .. النموذج المغَيَّب في زمن الإدعاء الديني
موقع الإمام الشيرازي 26/ ذو القعدة/ 1447
رغم تزايد الشعارات والفعاليات الدينية، في عموم المجتمعات الإسلامية، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: أين أثر الدين في حياة الناس؟! وأين انعكاسه في الدولة والمجتمع والسلطة؟! فإنه حين تتفاقم الأزمات، ويترسخ الفساد، وتتهمش القيم، وتنحسر مكارم الأخلاق، وتتفكك العلاقات بين السلطة والشعب، وتتشوه العلاقات بين أفراد المجتمع، بينما ترتفع في المقابل صور ورموز وخطابات تدّعي الاقتداء بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإن المفارقة تصبح جارحة إلى حد يصعب تجاهلها. لقد تحوّل اسم الإمام أمير المؤمنين، في كثير من الأحيان، من مشروع أخلاقي وحضاري إلى مجرد هوية سياسية أو مذهبية تُستَخْدَم في الخطاب أكثر مما تُتَرْجَم في الواقع. وهنا تحديداً تتكشف الفجوة الكبرى .. أي الفجوة بين الإمام أمير المؤمنين وعموم الذين يزعمون أنه يتبعوه وعلى خطاه يسيرون، الفجوة بين النموذج والتطبيق، والفجوة بين الدين بوصفه قِيَماً ومعاملات، والدين بوصفه شعاراً ومظاهر. لم يكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مجرد حاكم في التاريخ الإسلامي، بل قدَّم معنى مختلفاً لمعنى السلطة نفسها. ففي زمن كان العالم فيه غارقاً في الاستبداد، قدّم نموذجاً فريداً لدولة تقوم على العدل والعقل والرحمة والأمانة والحرية. وقد لخّص فلسفته السياسية بقوله: "إذا بُني الملك على قواعد العدل ودُعِمَ بدعائم العقل، نصر الله مواليه وخذل معاديه" (غرر الحكم: 4118). هذه العبارة لا تبدو اليوم مجرد حكمة أخلاقية، بل تشخيصاً دقيقاً لأسباب انهيار الدول المعاصرة؛ إذ لا يمكن لدولة أن تستقر بالبطش، ولا أن تزدهر بالفساد والمحاصصة وتهميش حقوق الإنسان وكرامته. لقد حَكَم الإمام أمير المؤمنين دولة مترامية الأطراف، تعادل في جغرافيتها عشرات الدول الحديثة، في عالم اليوم، ومع ذلك لم يجعل (عليه السلام) من القمع وسيلته لإدارة الخلاف، بل إن من أعظم ما يلفت في سيرته أنه منح مساحة واسعة لحرية الرأي والتعبير، حتى لأولئك الذين عارضوه بشدة. لم يكن يعتبر كل معارض خائناً" أو "منافقاً"، ولم يحوّل الدولة إلى جهاز لتصفية المختلفين معه. وكان (عليه السلام) يؤمن أن الحجة تُواجَه بالحجة، لا بالسجون ولا بالاغتيالات ولا بإسكات الأصوات(*). هذه النقطة بالذات تكشف أزمة السلطات والأحزاب والحركات التي ترفع اليوم اسم الإمام أمير المؤمنين بينما تمارس نقيض قيمه. فكم من سلطة تتحدث عن "النهج العلوي" لكنها تضيق بالنقد، وتخشى الكلمة الحرة، وتتعامل مع المعارضة باعتبارها تهديداً وجودياً؟ وكم من جماعة ترفع رايات الدين، لكنها تبني سلطتها على التخويف والانقسام والتحريض؟ ولعل أكثر ما يكشف جوهر تجربة الإمام أمير المؤمنين هو فهمه الأخلاقي للسلطة. فقد كان (عليه السلام) يرى الحكم مسؤولية ثقيلة، لا امتيازاً شخصياً. ولذلك لم يكن زهده انعزالاً عن الحياة، بل موقفاً نبيلاً وسامياً على المستوى السياسي والأخلاقي والإنساني. حين قال إنه اكتفى "من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه"(**)، لم يكن يقدّم صورة مثالية للتقشف فقط، بل كان يريد تجريد السلطة من شهوة الترف والاستعلاء. كان يدرك أن الحاكم الذي يعيش بعيداً عن معاناة الناس يفقد إحساسه بالعدالة. ولذلك أراد للحاكم أن يشعر بجوع الفقير، وبثقل الحرمان، لا أن يختبئ خلف القصور والمواكب والحمايات. وفي رسالته الشهيرة إلى مالك الأشتر، رسم فلسفة حكم تُعَد من أرقى ما كُتِبَ في الفكر السياسي الإنساني، حين قال: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" (نهج البلاغة) .. هذه الكلمات العَلَوية الطيبة الخالدة وحدها كافية لفضح كثير من الممارسات السياسية المعاصرة، خاصة تلك التي تزعم أنها تسير على نهجه (عليه السلام). فإن الإمام أمير المؤمنين لم ينظر إلى الناس بوصفهم أدوات انتخابية أو أتباعاً أو خصوماً، بل بوصفهم بشراً لهم حقوقهم وكرامتهم الإنسانية. أما اليوم، فكثيراً ما تُختَزَل الشعوب إلى جماهير تُستَثمَر طائفياً أو حزبياً، بينما تتراكم معاناتها – معاناة الناس - في الفقر والبطالة وضعف الخدمات وغياب العدالة. في العراق خصوصاً، تبدو المفارقة أكثر قسوة وغرابة، فإنه بعد أكثر من عقدين على نظام سياسي يرفع شعارات دينية شيعية، ما تزال البلاد تغرق في الفساد والانقسامات والأزمات .. في العراق اليوم ملايين الفقراء، وانهيار الخدمات، وضعف القانون، وهجرة العقول، وتآكل الطبقة الوسطى .. كل ذلك يحدث في ظل خطاب يكرر الحديث عن الاقتداء بـ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). لكن المشكلة في الطريقة التي جرى التعامل بها مع فكر الإمام أمير المؤمنين وسيرته. إذ تم اختزال الإمام أمير المؤمنين في الرموز والطقوس والخطابات، بينما غابت قيمه الأخلاقية والإنسانية عن الدولة والمجتمع. وهكذا أصبح الانتماء إليه أحياناً انتماءً عاطفياً أو هوياتياً أكثر منه التزاماً بقيمه. وما ينبغي الالتفات إليه هو إن أخطر ما في التدين غير الحقيقي أنه يسمح للإنسان أن يشعر بالرضا الأخلاقي لمجرد رفع الشعارات، حتى لو كان سلوكه يناقضها تماماً. وهنا تتحول القدوة إلى غطاء، ويصبح الدين أداة للتبرير بدل أن يكون معياراً للمحاسبة. لقد كان الإمام أمير المؤمنين شديد الوضوح في ربط شرعية الحكم بعدالة حياة الناس، فيقول (عليه السلام): "أحسن الملوك حالاً من حسن عيش الناس في عيشه" (غرر الحكم: 3261). أي أن نجاح الدولة لا يقاس بحجم خطاباتها ووعودها، بل بقدرتها على حماية حقوق وكرامة الإنسان وتحقيق العدالة والرفاه. فإن الحاكم العادل ليس من يُكثر الحديث عن الدين والأخلاق، بل من ينعكس أثر حكمه على حياة الناس اليومية حرية وأماناً وازدهاراً. ومن هنا، فإن استحضار تجربة الإمام أمير المؤمنين، اليوم، لا ينبغي أن يكون تكراراً عاطفياً للماضي، بل مراجعة نقدية للحاضر. فإن الدول لا تُبنى بالهويات وحدها ولا بالخطابات ولا التمنيات وحدها، بل بالمؤسسات الرصينة والعدالة والكفاءة والأمانة واحترام الإنسان. وأن السلطة التي تدّعي الانتساب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم تعجز عن حماية الفقراء، أو تسمح بتفشي الفساد، أو لا تبالي بتوفير حياة كريمة للشعب، أو تقمع الحريات، إنما تكشف عن اتساع الفجوة بينها وبين النموذج الذي تزعم الاقتداء به. وهكذا، لا تبدو أزمة العالم الإسلامي اليوم أزمة نقص في الخطاب الديني، بل أزمة غياب المعنى الأخلاقي للدين. فإن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مشروع كامل للعدالة والحرية والرحمة والعقل والرفاه. ولهذا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يُرفع اسم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كثيراً، بينما تغيب قيمه/دولته أكثر من أي وقت مضى؟
------------------------------ هوامش (*) يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "أعقَلُ المُلوكِ مَن ساسَ نفسَهُ لِلرَّعيَّةِ بما يُسقِطُ عنهُ حُجَّتَها، وساسَ الرَّعيَّةَ بما تَثبُتُ بهِ حُجَّتُهُ علَيها" (غرر الحكم: 3350). ما يعني أنه لكي يكون الحاكم عادلاً، فهو يجب أن يكون قوياً في حُكْمِ نفسه وأن يلتزم بالاستقامة قبل أن يطالب الشعب بالعدل والالتزام بالقوانين، وأن الحاكم الذي يحكم نفسه بالعدل ويطبق العدل على الشعب هو الذي يستطيع أن يثبت سلطته في قلوب الناس ويحظى باحترام شعبه. وهكذا، كل ما في دولة علي بن أبي طالب تذكير الحكام بأن الحُكْم أمانة، لا سلطة مطلقة. بالتالي، إذا أرادت الدول/دولنا الخروج من أزماتها، فإن على الذين بيدهم أمور البلاد اتباع الإمام أمير المؤمنين لا بالكلام فقط، بل أيضاً بالعمل، وذلك من خلال الزهد في المنافع الشخصية، وحماية أموال الدولة/الشعب، والأمانة والكفاءة في أداء المسؤولية، ثم العدل والرحمة والتسامح في التعامل مع الشعب، فإن في ذلك سبيل الخلاص والازدهار. (**) من كتاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: "ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضئ بنور علمه. ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزتُ من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وقرأ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً" (بحار الأنوار: ج33 – ص474).
مقالات ذات صلة * التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني * تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير * تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال * تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم * المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|