
|
الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 1 / ذو الحجّة/ 1447
تتعدد الأوصاف والتعبيرات التي تفكك ظاهرة "التدين الشكلي"؛ فمنها "التدين الطقوسي" الذي يختزل العبادات في حركات آلية جامدة بلا أثر أخلاقي، و"التدين القشري" الذي يكتفي بالمظهر الخارجي ويهمل اللب والجوهر القيمي العميق. كما يبرز "التدين المغشوش" كأداة لتزييف التقوى بهدف خداع الآخرين، ويتوازى معه "التدين النفعي أو المصلحي" الذي يُحوِّل الدين إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية ومادية. وأخيراً، يأتي "التدين السياسي" ليُوَظِّف الشعائر والرموز الدينية في خدمة مصالح حزبية أو سلطوية ضيقة. في السياق، وفي واحدة من أكثر الوصايا عمقاً وحسماً، يضع الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) معياراً فاصلاً بين التديّن الحقيقي والتديّن المزيّف، حين يقول: "ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا" (بحار الأنوار: ج65 – ص164). إنها موعظة أخلاقية، وإنها واضحة وقاطعة، كما أنها تعريف حاسم لمعنى التدين؛ فإن الدين هنا لا يقاس بالشعارات، ولا بالهويات الموروثة، ولا بكثرة العبادات والشعائر، وإنما التدين يقاس بالسلوك العملي الطيب والأثر الأخلاقي الكريم في حياة الناس .. أي الأسرة، والأقارب، والجيران، والأصدقاء، والزملاء، والمجتمع، والبشرية. هذه الفكرة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في مجتمعات يزداد فيها الحضور الديني الشكلي، بينما تتراجع القيم التي يفترض أن تكون ثمرة هذا التدين؛ كالصدق، والعدالة، والأمانة، والرحمة، واحترام الإنسان. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف يمكن لمجتمعات ترفع شعارات الدين ليل نهار أن تغرق في الفساد والظلم والعنف والكراهية؟! إن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لا يربط التشيّع بالمحبة العاطفية المجردة، بل بالمشايعة العملية؛ أي متابعة النبي الأعظم وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) في أخلاقهم وسيرتهم. ولهذا فإن الادعاء اللفظي لا قيمة له إذا لم يتحول إلى مواقف وسلوك. تماهياً مع المعنى القرآني: ﴿قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني﴾(آل عمران/31). ومن هنا، فإن أخطر أشكال التدين هو ذلك الذي يمنح الإنسان شعوراً زائفاً بالطهارة والتفوق الأخلاقي، بينما هو يمارس الظلم أو يبرره أو يصمت عنه. ولهذا جاءت وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لـ عبد الله بن جندب حاسمة حين قال: "فوالله لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الإخوان… وليس من شيعتنا من يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص281). هذه الكلمات وحدها تكفي لهدم جبال من التدين الشكلي الذي امتلأت به الحياة العامة خلال العقود الأخيرة. فإن الإمام هنا يضع الظلم معياراً فاصلاً في حقيقة التدين والانتماء. بمعنى أن الإنسان قد يؤدي العبادات والشعائر كلها، لكنه يسقط أخلاقياً ودينياً حين يظلم الناس، أو يشارك في الفساد، أو يهدر كرامة الإنسان، أو يتواطأ مع الظالم. وهنا يصبح السؤال بالغ الخطورة في واقعنا المعاصر: كيف تحوّل الدين عند بعض الناس الى هوية تبرر الظلم بدل أن تواجهه؟ وكيف أصبح بعض "المتدينين" أكثر استعداداً لتبرير فساد السياسي الذي ينتمي إلى طائفتهم، من استعدادهم للدفاع عن المظلوم أو الفقير أو الضحية؟! لقد أراد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن يكون التديّن مشروعاً أخلاقياً ينهض بالإنسان، لا غطاءً للعصبية أو السلطة أو المصالح. ولهذا شدد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، فقال: "حقٌّ على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه؛ فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). إنها دعوة إلى النقد الذاتي الدائم، وإلى كسر وهم القداسة الشخصية الذي يصيب الأفراد والجماعات والتيارات الدينية حين تتوقف عن مراجعة أخطائها. في السياق، الإمام الصادق (عليه السلام) يحذّر من الانبهار بالسلطة والمال وسطوة الظالمين، فيقول: "طوبى لعبدٍ لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). فإن الانبهار بالفساد الناجح، أو بالقوة المنفلتة من الأخلاق، هو بداية الانهيار الإيماني/التقوائي للمجتمع. وحين يصبح الفاسد نموذجاً للنجاح، يبدأ الضمير الجماعي بالتفسخ والتآكل. ولذلك ربط الإمام الصادق (عليه السلام) بين العدالة الاجتماعية ومصير الأمم، حين قال: "وما عذّب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). إنها رؤية تتجاوز الوعظ الفردي إلى فهم اجتماعي وأخلاقي للدين؛ فإن الفقر والحرمان والخذلان ليست مجرد أزمات اقتصادية، بل علامات على اختلال الضمير الجمعي، وعلى فشل المجتمع في حماية الإنسان الضعيف.
وهذا المعنى يتقاطع بوضوح مع الرؤية
القرآنية التي لا تختزل الإيمان في الطقوس والشعائر، بل تربطه بموقف
الإنسان من العدالة والرحمة وحقوق الناس. وربما يمكن فهم جانب من قوله
تعالى: ولهذا أيضاً، قال النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله): "ليجيئنّ أقوام يوم القيامة لهم حسنات كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار" (بحار الأنوار: ج67 – ص286). وعندما سُئل عنهم قال (صلى الله عليه وآله): "كانوا يصلون ويصومون .. لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا إليه" (بحار الأنوار: ج67 – ص286). إن المشكلة ليست دائماً في غياب العبادة، بل أحياناً في غياب الورع الذي يمنع الإنسان من خيانة ضميره عند أول امتحان أو اختبار أو صفقة الحصول على منصب أو جاه أو مال أو نفوذ (*). ومن هنا نفهم لماذا أكد النبي الأكرم والأعظم أيضاً أن الأعمال لا قيمة لها بلا ورع، فقال (صلى الله عليه وآله): "لو صليتم حتى تكونوا كالأوتار، وصمتم حتى تكونوا كالحنايا، لم يقبل الله منكم إلا بورع" (بحار الأنوار: ج84 – ص258). فالورع هنا ليس انعزالاً عن الحياة، بل رقابة أخلاقية داخلية تمنع الإنسان من ظلم الآخرين حتى عندما يكون قادراً على ذلك. إن أزمة المجتمعات المسلمة اليوم ليست في قلة المتدينين، بل ربما في انتشار التدين الشكلي الذي يفصل بين العبادة والأخلاق، وبين الدين والعدالة، وبين الشعائر والسلوك العام. ولهذا يمكن لإنسان أن يبدو متديناً في الظاهر، بينما يمارس في الواقع الغش والكراهية والفساد والسباب والاتهام والبهتان والكذب والشماتة والتحريض والفتنة والتبرير للظالمين. وفي هذا الإطار، تتحول بعض أشكال التدين إلى أداة خطيرة لإنتاج العمى الأخلاقي؛ إذ يصبح الانتماء الطائفي أو الحزبي أهم من الحقيقة والعدالة والإنسان. وهنا يفقد الدين وظيفته الأساسية في تهذيب النفس، ويتحول أحياناً إلى وسيلة لتبرير القسوة والتعصب والفساد. إن كلمات الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مشروع إصلاح وتغيير أخلاقي لمجتمعات أنهكها النفاق الديني والانقسام والكراهية وتبرير الظلم. ولهذا فإن استعادة هذه الوصايا الكريمة والمباركة اليوم ضرورة دينية وأخلاقية وحضارية. فإن الدين الذي لا يهذّب النفس ولا يردع عن الظلم، يفقد روحه، والتديّن الذي لا يثمر عدالة ورحمة ونزاهة، يبقى مجرد شكل بلا أثر. ولهذا لم يجعل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) التشيّع ادعاءً باللسان، بل ورعاً ينعكس في السلوك، وعدالة تنصف الناس، وضميراً يخشى ظلم الإنسان.
------------------------------ (*) عندما يتحول الدين من رسالة قيمية تُهذِّب السلوك وتكافح الظلم والفساد، إلى مجرد هوية دينية أو طائفية أو أداة للاستعلاء الاجتماعي والبراغماتية السياسية، يقع الفشل الأخلاقي الأكبر؛ حيث يرتفع صوت الشعارات الدينية ليل نهار، بينما تغرق الحياة اليومية في أنانية مفرطة، وتبرير للظلم، وصمت عن إهدار كرامة الإنسان والاستهانة بحقوقه. وهكذا، فإن المحك الحقيقي للإيمان أو التدين يقاس بتجسيد قيم الدين كالصدق والعدالة والأمانة والسلام والإحسان والرحمة والمروءة، وفي صياغة سلوك عملي يدافع عن المظلومين ويعين الفقراء ويغيث المحتاجين ويساعد الضحايا، وأيضاً يمثل ضميراً حياً يرفض التواطؤ مع الفساد تحت أي غطاء ديني أو مذهبي أو أيديولوجي مزيف.
مقالات ذات صلة * التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب * التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني * تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير * تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال * تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم * المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|