
|
كربلاء .. التشيع سؤال العدالة في وجه السلطة |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 13/ محرَّم الحرام/ 1448
العدل قيمة إنسانية ودينية ووجودية، وهو ركيزة أساسية لاستقامة الحياة وصفاء المجتمع وازدهار الدول. ويتجلى العدل في الحق، والإنصاف، والصدق، والأمانة، والنزاهة، والعفة، وهو طريق الورع والنبل والشرف. يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن" (الوافي: ج3 - ص89). وفي رواية عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، عندما سُئل عن جوهر شرائع الدين، أجاب: "قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد" (بحار الأنوار: ج16 - ص125). هذه الكلمات تعكس مدى مركزية العدل في الإسلام، كونه ليس مجرد سلوك فردي، بل منهج حياة يشمل كل جوانب التعامل البشري. في السياق، يوضح المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) أن العدل ليس حكراً على الحكام أو الأمور الشرعية، بل هو واجب على كل إنسان في كل مناحي الحياة. فالحاكم مكلف بالعدل في إدارة شؤون الرعية، والعالم في توجيه الناس دينياً ودنيوياً، والأب في تعامله مع أسرته، والمدير في إدارة موظفيه. أيضاً، يقول (قدس سره): "ليس المراد بالظلم هو الإيذاء فحسب بل كل تعد لساني أو عرضي أو مالي". هنا، يُعرّف (قدس سره) الظلم بأنه ليس مجرد الإيذاء، بل أي تعدٍ على الحقوق، سواء كانت مالية، أو عرضية، أو لفظية. عليه، هذا التوسع في مفهوم العدل يؤكد أنه ليس قيمة نخبوية، بل مسؤولية يومية يتحملها الجميع. في السياق، الإسلام يرفض الظلم بكل أشكاله، صغيراً كان أم كبيراً، على فرد أو جماعة، قريباً أو بعيداً. يقول الله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)(الشورى: 42). ويؤكد سبحانه: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون)(إبراهيم: 42). كما ورد عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إن أهون الخلق على الله من وُلي أمر المسلمين فلم يعدل فيهم" (بحار الأنوار: ج72 – ص352). وقال (صلى الله عليه وآله): "جور ساعة في حكم، أشد وأعظم عند الله من معاصي تسعين سنة" (بحار الأنوار: ج72 – ص352). بالتالي، فإن ساعة واحدة يجور فيها الحاكم أو المسؤول أشَد عند الله من معاصي تسعين سنة، مما يبرز خطورة الظلم وفداحة تداعياته، خاصة عندما يكون من موقع المسؤولية. وانطلاقاً من هذه المبادئ، قاد الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته في كربلاء لمواجهة الظلم الذي مثله الطاغية يزيد، الذي استباح الحرمات وهتك الكرامات. لقد ثار الإمام الشهيد للإصلاح، في وقت استكان فيه الناس خوفاً أو طمعاً أو جهلاً. يقول الباحث الإنجليزي جون أشر في كتابه "رحلة الى العراق": "مأساة الحسين بن علي تجسد أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي". وفي السياق ذاته، يؤكد المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أن "الحسين تحمل مصير الروح الإسلامية، وقُتِلَ في كربلاء دفاعاً عن العدل". فإن عاشوراء مشروع إصلاحي يمتد عبر العصور، يدعو الى الوقوف ضد الظلم والفساد في كل زمان ومكان، يقول المرجع الديني المجدد، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "لم يكن سيد الشهداء مخالفاً ورافضاً ليزيد بن معاوية فقط، بل كان مخالفاً ورافضاً لجميع الظالمين، وفي كل زمان ومكان، عليه، يلزم أن نستثمر ذكرى عاشوراء للدعوة الى جوهر الإيمان والمثل الأخلاقية الرفيعة، والى العمل على أن نحيي الحريات، ونكافح الفساد، ونسعى لتقويم أمور البلاد، وتحسين أحوال الناس، وإلا فإن الشخص الذي يكتفي بالشعائر المقدسة المعروفة، ولا يعمل ببقية مضامين عاشوراء، مثله كمثل المريض الذي يعمل ببعض إرشادات الطبيب ولا يعمل ببعضها الآخر". كما يكشف سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) المساحة البشرية التي تغطيها أهداف الإمام سيد الشهداء فيقول (دام ظله): "لم يكن الذي بذل الإمام الحسين (عليه السلام) مهجته في الله ليستنقذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة هو فئة معينة، أو أمة معينة، أو جيل معين، بل كان هدفه (عليه السلام) الإنسانية جمعاء". وفي السياق، يقول السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره): "إذا كنا نعرف قيمة سيد الشهداء (عليه السلام) لأنقذنا العالم، فقد ورد في مقطع من زيارة الأربعين المروية عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام): (بَذَلَ مُهَجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ). يستنقذ من؟ (عِبَادَكَ) بمعنى جميع العباد، إن القوة الموجودة في نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) بإمكانها أن تُنقذ جميع العباد وجميع البلاد". ويؤكد سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) بتفصيل قائلاً: "مما تعلمناه من سيد الشهداء أنه إذا كان باستطاعتنا التفريح عن كربة مكروب فلا نتردد في ذلك، فيدعونا (عليه السلام) الى أنه إذا كان بإمكان المرء أن يساعد بماله أو لسانه أو التوسط للمساعدة؛ لصالح من يعرفه أو حتى من لا يعرفه، فليفعل، وإن من دروس كربلاء أن نستعمل ألسنتنا ومواقفنا في فعل الخير دائماً ومع الجميع دون استثناء". وهكذا، فإن العدل ليس مجرد قيمة نظرية، بل هو مسؤولية عملية تقع على عاتق كل فرد. إنه دعوة للالتزام بالحق، والإنصاف في التعامل، والوقوف ضد الظلم بكل أشكاله. على هذا، ذكرى كربلاء دعوة بأن العدل ليس خياراً، بل واجب إنساني وديني يحفظ كرامة الإنسان ويصون المجتمع. والسؤال هنا: هل نستطيع أن نكون عادلين في أقوالنا وأفعالنا، متمسكين بالحق، وبعيداً عن كل محاباة لصاحب جاه أو سلطة، وبعيداً عن كل أشكال التجاوز على حقوق الآخرين؟ هذا هو التحدي الذي يضعه الإسلام أمامنا جميعاً، عبر عاشوراء؛ الثورة والفاجعة والرسالة والذكرى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|