
|
زيارة الأربعين .. تحديات وأسئلة وتطلعات |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 15 / صفر / 1448
تشهد مدينة كربلاء المقدسة سنوياً واحداً من أعظم التجمعات البشرية الإيمانية في التاريخ الحديث، حيث يتوافد ملايين الزائرين مشياً على الأقدام لإحياء ذكرى أربعينية سيد الشهداء، الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). فبعد أن كانت زيارة الأربعين من مدينة النجف الأشرف إلى مدينة كربلاء المقدسة تكاد تنحصر بعدد من علماء الدين الذين كانوا يتوجهون إلى مرقد سيد الشهداء (عليه السلام)، قبل حلول 20 صفر مشياً على الأقدام، تحولت (بعد 2003) تدريجياً الى مسيرة مليونية وظاهرة شعبية متنامية. وتكشف لغة الأرقام عن طفرة ديموغرافية استثنائية؛ فبعد أن كانت أعداد زوار الأربعينية تُقدَّر بنصف مليون زائر في أواخر الستينات (1968)، ومليون زائر في أوائل السبعينات، قفزت خلال السنوات الأخيرة لتتجاوز عتبة العشرين مليوناً. هذا النمو الهائل ينقل هذا الحدث الحسيني من إطاره الديني التقليدي المعتاد، ليصبح ملحمة إنسانية وظاهرة عالمية عابرة للحدود تلفت أنظار الباحثين، والمفكرين، ووسائل الإعلام الدولية. الإعجاز التنظيمي واللوجستي يتميز العراق بكونه حاضنة لمناسبتين دينيتين كبيرتين على مستوى العالم (زيارة الأربعين والزيارة الشعبانية)، وهو ما يمنح هذا البلد خصوصية حضارية فريدة. وإن إدارة هذا التدفق البشري المليوني يمثل نموذجاً يجمع بين الأصالة الإيمانية والأخلاقية والحداثة التنظيمية. ويتجلى هذا النجاح في "ثقافة مواكب المحبة والخدمة الحسينية" التي تطورت آلياتها لتصبح شبكة دعم لوجستي متكاملة (طعام، وإقامة، ورعاية صحية، وخدمات متنوعة) تُقدّم مجاناً ومُحَمَلَة بالاحترام والمحبة. ويعكس التزايد العددي والتطور الخدماتي للمواكب كفاءة هذا التنظيم الذاتي؛ إذ قفز عدد المواكب الخدمية من (8100) موكب في عام 2016 إلى (15817) موكباً في الأعوام الأخيرة، من بينها أكثر من مئتي موكب دولي. وهنا لا بد من الالتفات إلى أن زيارة الأربعين ليست حدثاً محصوراً في حدود مدينة كربلاء المقدسة؛ فالزوار يقطعون مسافات تمتد لمئات الكيلومترات، وبانتظارهم - على طول هذه المسارات الطويلة - مئات الآلاف من العراقيين – أطفال وشباب وشيَبَة ورجال ونساء وعوائل بكافة أفرادها - الذين يفتحون بيوتهم للاستضافة ويشرعون قلوبهم للخدمة. هذا يعني أن العراق من أقصاه إلى أقصاه – بقراه ومدنه، وشوارعه وأزقته، وبيوته ومساجده وحسينياته – ينخرط بكليته في حدث الزيارة الأربعينية، ليصبح كل عراقي تقريباً شريكاً ومستنفراً في هذه الملحمة الحسينية، يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "إن الشعب العراقي الكريم لجدير بالثناء والتقدير، فكلنا نرى في زيارات الأربعين ونلامس عن قرب، بأن الكثير من العراقيين؛ ومع ابتلائهم بالعوز وبالكثير من المشاكل ومع فقر الكثير منهم، نراهم يقدمون كل قدراتهم وإمكاناتهم المالية ويقومون بكل جهدهم لاستضافة الزائرين الحسينيين". التحدي الراهن مع هذا العطاء الشعبي الشامل، وهو عطاء كريم وكبير واستثنائي وغامر وإعجازي ومدهش، يبرز تساؤل بنيوي حاد يفرض نفسه على الخطاب الديني عموماً وأيضاً يجدر بالمؤسسة الدينية التجاوب معه: كيف ينعكس الواقع العراقي المأزوم على هذه ظاهرة زيارة الأربعين العالمية المليونية؟ يمر العراق اليوم بمرحلة دقيقة تحاول فيها حكومة جديدة التخفيف من تركة ثقيلة امتدت لأكثر من عقدين من الفساد والفشل الإداري. وهنا تظهر المفارقة الصارخة: يعيش المواطن العراقي - الذي يبهر العالم بكرمه الاستثنائي - وسط واقع سياسي واجتماعي وخدمي مأزوم حد التخمة رغم ثراء البلد الفاحش. إن قراءة موضوعية للداخل العراقي تكشف عن أزمات حادة تكاد تقوض البنية الاجتماعية؛ فبينما يحتضن العراقيون ملايين الزوار، يعانون هم أنفسهم يعانون من أزمات عديدة كالفقر والبطالة. كما تسجل المؤشرات ارتفاعاً مقلقاً في معدلات الأمية، والطلاق، والعزوف عن الزواج، بالتزامن مع إهمال شرائح هشّة كالأيتام والأرامل وكبار السن. يضاف إلى ذلك واقع البنية التحتية المتهالك؛ من "طرق الموت" التي تحصد آلاف الأرواح سنوياً، إلى أزمات المطارات والحدود ومداخل المدن، فضلاً عن التراجع المزمن في الخدمات الأساسية (الكهرباء، والماء، والصرف الصحي، والصحة، والتعليم)، وهشاشة المؤسسات، وغياب الحوكمة الرشيدة، وتقويض الحريات بفعل الفساد السياسي والمالي. إن هذا التناقض يدفع إلى طرح أسئلة نقدية وجوهرية: * كيف يمكن فهم سلوك بعض أطراف الطبقة السياسية "المحسوبة على الفضاء الإسلامي" التي تحاول استعراض تقديم خدمات حكومية موسمية للزوار، في الوقت الذي تهدر وتبدد وتسرق فيه ثروات الشعب العراقي الذي يقدّم من قوته اليومي الخدمات الكريمة للزوار؟! * إن بناء دولة الحرية والعدالة والرفاه في العراق ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو في جوهره خدمة جليلة ومباشرة لزيارة الأربعين؛ فماذا لو حُلّت هذه الأزمات ودخل العراق وضع الرفاه؟! كم من المتاعب والمعاناة ستُرفَع عن كاهل الزائر والمواطن معاً؟ وكم ستتضاعف الأعداد والقدرة الاستيعابية للبلد حين تدار المنافذ والمدن بعقلية الدولة والمؤسسات لا بعقلية الأزمة؟ رافع حضاري وإصلاحي وهكذا، لم تعد زيارة الأربعين مجرد حدث ديني ضخم محلي/عراقي، بل نمت وازدهرت وازدادت ظهوراً وعلواً لتصبح ظاهرة دينية، وثقافية، واجتماعية، وأخلاقية متكاملة تشهد مشاركة مواطنين/زائرين من أكثر من ستين دولة. في الوقت نفسه، فإن الزيارة تشكل فرصة كبيرة للعراق ليعرض للعالم وجهه المشرق وقدرة شعبه الاستثنائية على قيادة أكبر تجمع سلمي بروحية العطاء والتسامح. بالتالي، فإن هذا الحدث يثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المورد الحقيقي للعراق ليس النفط أو المال، بل هو هذا الإنسان العراقي المعطاء المرتبط بقيم التضحية والإباء التي استلهمها من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وهي طاقة حية متجددة قادرة - إذا ما اقترنت بوعي سياسي وحوكمة رشيدة - على انتشال البلاد من أزماتها وبناء دولة العدالة والرفاه.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|