زيارة الأربعين .. منهج حياة لا ينقضي بانقضاء الزيارة




 

 

موقع الإمام الشيرازي

20 / صفر / 1448هـ

 

 

أيها الزوار الكرام.. إن الله تعالى جعل لزوار اﻹمام الحسين (عليه السلام) أجراً عظيماً وخصائص كثيرة، منها غفران الذنوب، وحق الشفاعة لمن يشفعون له، وغيرها، وفقاً لروايات عن الطيبين الطاهرين المعصومين (عليهم السلام)، الذين حثوا شيعتهم على زيارة سيد الشهداء الإمام السبط، الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويشجعونهم على ذلك حتى مع وجود الخوف والخطر.

أيها الزوار الكرام.. إن زائر اﻹمام الحسين (عليه السلام) يحظى يوم القيامة بخصائص كثيرة كما ورد في رواية عن اﻹمام محمد الباقر (عليه السلام): "يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر، وتلقاه الملائكة بالبشارة ويقال له لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك" (وسائل الشيعة: ج10 – ص356).

ويقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "ينادي مناد يوم القيامة: أين شيعة آل محمد؟ فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلا الله، فيقومون ناحية من الناس، ثم ينادي مناد: أين زوار قبر الحسين؟ فيقوم أناس كثير فيُقال: لهم: خذوا بيد من أحببتم انطلقوا به إلى الجنة فيأخذ الرجل مَنْ أحب، حتى أن الرجل من الناس يقول لرجل: يا فلان أما تعرفني؟ أنا الذي قمت لك يوم كذا وكذا، فيدخله الجنة لا يدفع ولا يمنع" (كامل الزيارات: ص166).

بالموازاة، ينبغي للكرام الأعزة الذين يُسخّرون أنفسهم وأموالهم وجهودهم وأوقاتهم لخدمة الزائرين أن يتمسكوا بالخلق الكريم والسلوك النبيل، ليكونوا زَيْناً للطيبين الطاهرين محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، فإن الزائر هو ضيف البيت النبوي، وينبغي معاملته بوقار ومحبة، وكذلك الزائرة، فيجب إكرامها بحياء وشهامة وحشمة وكرامة، وعلى الزوَار وخدمة الزوار مع بعضهم مثل ذلك، فإن مسؤولية الزيارة الأربعينية تقع على الجميع، يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "استفيدوا من هذه الزيارة الاستثنائية استفادة استثنائية، ليحاول كل واحد منكم، خلال الأيام التي يقضيها في هذه الزيارة، أن يهتم بمحاسبة نفسه يومياً، ولو لدقائق معدودة، من أجل إصلاحها، كما أكد الأئمة (عليهم السلام) ذلك".

وقال سماحته: "يجدر بالزوار عندما يزورون الإمام الحسين (عليه السلام) أن يحاولوا - إضافة إلى الإلحاح في الطلب والتضرع - أن يصلحوا أنفسهم، وأن يكونوا في وضع تقتضي الحكمة أن يعطيهم الإمام ويستجيب لهم، وعليهم أن يجتهدوا لنيل المراتب العليا في مجالات الحياة، وأن يرتقوا بحال أسرهم ومجتمعهم إلى أفضل حال".

وخاطب (دام ظله) أهل مدينة كربلاء المقدسة بالقول: "على أهل كربلاء الكرام جميعاً بعامة طبقاتهم، ضمن ممارساتهم في تقديم الخدمات المناسبة لمقامهم المترقب منهم, أن يعكسوا للزوار الكرام أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) الرفيعة ومنهجه العظيم وسيرته الوضاءة، حتى إذا رجع الزوار إلى أهاليهم يكونوا قد حملوا معهم نكات الفضيلة والخُلُق السامي الرفيع عن أهل مدينة الإمام الحسين وأبي الفضل العباس (عليهما السلام)، فيكون ذلك مصداقاً واضحاً لأمر الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: "كونوا دعاة الناس بأعمالكم".

أيها الزوار الكرام.. هذه زيارة الأربعين صراط التوبة والاستغفار والتطهر، وسبيل محاسبة النفس والعزم على الورع عن محارم الله، فإن طريق زيارة الأربعين لا ينتهي في مدينة كربلاء، يوم العشرين من شهر صفر، بل يبدأ ويتحرك مع الشيعي في كل مكان، وحتى آخر يوم من حياته، لأن الأربعين ليس طريق حزن ومواساة فقط، بل منهج يتجلى في مسيرة مليونية يشترك فيها مؤمنون ومؤمنات أتوا من كل فج عميق، لمراجعة سيرتهم في هذه الحياة، ومن ثم تصحيحها وجعلها مطابقة لسيرة الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) الذي يقول: "إنّ شيعَتَنا من سَلُمَتْ قُلُوبُهُمْ مِن كلّ غِشٍّ وَغِلٍّ ودَغَلٍ" (بحار الأنوار: ج65 - ص156). وفي هذه الكلمات الكريمة، يوضح الإمام الحسين (عليه السلام) مقياس الانتماء الحقيقي والمحب الصادق لأهل البيت (عليهم السلام)، مؤكداً أن التشيع ليس مجرد شعار باللسان بل هو حقيقة (إيمان وأخلاق) تتجلى في طهارة الباطن وسلامة السيرة، حيث يشترط (عليه السلام) خلو القلب تماماً من ثلاثة أمراض قلبية واجتماعية مهلكة وهي "الغش" الذي يعنى الخديعة والمكر، و"الغل" الذي يمثل الحقد الدفين والحسد، و"الدغل" وهو الفساد والنية الملتوية لإثارة الفتن، ليوجهنا (عليه السلام) بذلك إلى أن الإيمان الحقيقي/التشيع الحقيقي يبدأ من الداخل بامتلاك قلب سليم يفيض بالخير للناس ويخلو من الأحقاد، مما يسهم في بناء مجتمع متماسك ومتراحم.

بالتالي، فإن زيارة الأربعين دعوة لجوهر الإيمان الذي يتجلى بالتقوى في القول والعمل، ويظهر من خلال مكارم الأخلاق والسعي الى نفع الناس، وصولاً الى رضا الله سبحانه. وإن طريق زيارة الأربعين هو طريق تقييم وتقويم ومراجعة ومحاسبة وعزم وإرادة لمن يريد الكرامة والسعادة في حياته، ويرغب في النجاة في الآخرة ويفوز فوزاً عظيماً، قال الله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)(النور:52). وقال سبحانه: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم)(الأعراف:96). ويقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "ليس من شيعتنا مَنْ قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا مَنْ وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا" (بحار الأنوار: ج65 - ص164).

أيها الزوار الكرام.. لقد أوصى الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) شيعته قائلاً: "أوصيكم بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد بذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يُخدَع عن جنته، ولا يُنال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله" (الأنوار البهية. الشيخ عباس القمي: ص45).

أيها الزوار الكرام.. إن الشيعي هو مَنْ وافق المعصومين (عليهم السلام) بلسانه وقلبه، واتبع آثارهم وعمل بأعمالهم!! وأنتم عند ضريح الإمام سيد الشهداء تذكروا وصاياه ومواعظه واعزموا على العمل بها.

ومما قاله (عليه السلام): "إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله" (الكافي: ج2 - ص331).

وقال (عليه السلام): "الصدق عِز، والكذب عجز، والسِرُ أمانة، والجِوارُ قَرابة، والمعونة صداقة، والعمل تجربة، والخُلُق الحَسَنُ عبادة، والصمت زَيْن، والشُّحُّ فقر، والسخاء غِنًى، والرِّفقُ لُبٌّ" (كشف الغمة: ج2 – ص29).

وقال (عليه السلام): "مَنْ تعجَّلَ لأخيه خيراً وجَدَه إذا قَدِم عليه غداً، ومَنْ أراد الله بالصنيعة إلى أخيه، كافأه بها في وقتِ حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومَنْ نَفَّس كربة مؤمن فرَّج الله عنه كُرَب الدنيا والآخرة، ومَنْ أحسَنَ أحسَنَ اللهُ إليه، والله يحب المحسنين" (بحار الأنوار: ج75 – ص122).

وقال (عليه السلام): "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيّها الناس، مَنْ كان له على الله أجرٌ فَلْيَقم، فلا يقوم إلا أهلُ المعروف" (بحار الأنوار: ج75 - ص324).

وقال (عليه السلام): "إن الله في عون المؤمن، ما دام المؤمن في عون أخيه المؤمن، ومَنْ نفَّسَ عن أخيه المؤمن كربةٍ مِنْ كرب الدنيا، نفَّسَ الله عنه سبعين كربة من كُرَبِ الآخرة" (بحار الأنوار: ج71 – ص312).

وقال (عليه السلام): "اعْلَمُوا أَنَ‏ حوَائِجَ‏ الناسِ‏ إليكم مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عليكم، فلا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَحُوزُوا نِقَماً" (نزهة الناظر وتنبيه الخاطر. الشيخ الحسين بن محمد الحلواني: ص81).

وهكذا؛ فإن زيارة الأربعين شعيرة مباركة تستذكر وتذكر وتمجد وتبجل نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) التي لم تكن حدثاً تاريخياً عابراً، بل كانت ثورة دينية وزلزالاً أخلاقياً وفكرياً أعاد توجيه البوصلة لأمة الإسلام نحو قيم الحق والخير والعدالة والرحمة والصدق والأمانة. وإن العمق الحقيقي للحركة الحسينية يتجاوز حدود الجغرافيا والمراسم، ليتجلى في قدرتها المستمرة على صياغة الإنسان، وهدم موروثات الجهل الأخلاقي، وبناء منظومته القيمية من جديد. فالأهداف التي استشهد من أجلها الإمام سيد الشهداء (عليها السلام) تمثل امتداداً حياً للرسالة المحمدية الأصيلة التي جاءت لتتمم مكارم الأخلاق وتزرعها في عمق السلوك البشري.

وفي هذا السياق، فإن قيم عاشوراء تتحول في الزيارة الأربعينية إلى حقل تربوي وتوعوي مفتوح، ومسيرة عالمية تهدف إلى التغيير الذاتي والمجتمعي المستدام. فإن ملايين السائرين نحو كربلاء لا يجددون العهد بالولاء الروحي فحسب، بل يخوضون تجربة عملية في التسامح، والعطاء، والسمو الروحي.

وعلى هذا النحو؛ فإن زيارة الأربعين مسيرة قائمة على ترويض النفس وتطهير السلوك اليومي من شوائب الأنانية والجهل الأخلاقي؛ حيث يذوب الفرد في روح الجماعة، ويتخفف من أثقال الكبر والحسد والمشاحنات، ليحل محلها غسيل روحي شامل يوقظ الضمير ويجدد الطهارة الباطنية ويرفع درجة التقوى ويكرس المحبة للناس. وهذا الأثر التقوائي والتربوي لزيارة الأربعين يجب أن يمتد مفاعيله إلى ما بعد العودة، لينعكس ورعاً إزاء الظلم والحرام، وصبراً في مواجهة الصعاب، وأمانة في العمل، وحسناً ورحمة ولطفاً في التعامل مع الناس. وهكذا؛ فإن زيارة الأربعين المباركة هي منطلق سامق لمحاسبة النفس، وإعادة تقييم الذات، وتقويم المسار الإنساني، ليكون نمط الحياة بأكمله صدىً للقيم الحسينية، وهو ما اختصره وعمّقه المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) في كلماته البليغة:

"لقد تركت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) أثراً بليغاً في تقويم السلوك الإنساني، إذ أحيا بمسيرته الشريفة ونهضته الخالدة مكارم الأخلاق التي شادها جده النبي المصطفى الكريم (صلى الله عليه وآله)، ودعا البشرية للتخلّق بها في شؤون الحياة كافة. ومن هنا، تغدو زيارة الأربعين الميقات المبارك الذي ينبغي أن نتعلم في أيامه كيف نصحح مسارنا في هذه الدنيا، صياغة لسيرتنا على هدي الإمام سيد الشهداء ومنهجه الطيب والنبيل والكريم".