
|
انخفاض عدد زوّار الأربعين لهذا العام .. قراءة وتحليل |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 22 / صفر / 1448
أُعلن رسمياً اليوم في مدينة كربلاء المقدسة عن الحصيلة الإجمالية لزوار زيارة الأربعين للعام الجاري 2026، حيث بلغ عدد الزائرين (19,999,870) زائر، وفقاً للعتبة العباسية المقدسة. وذلك عبر منظومة العد الإلكتروني المعتمدة على تقنية الذكاء الاصطناعي في مداخل مدينة كربلاء المقدسة. يسجل هذا الرقم انخفاضاً تبلغ نسبته نحو (10.7%) أي بتراجع يقارب 2.4 مليون زائر) مقارنة بالذروة التي تم تسجيلها في العام الماضي 2025 والتي بلغت (22.4 مليون زائر). ويُعدّ هذا التراجع العددي الأول من نوعه منذ سنوات طويلة تدرجت فيها أعداد الحشود بين النمو الاستثنائي والاستقرار عند حدود السقف الاستيعابي. وإن قراءة هذه الأرقام تتطلب تجاوز النظرة السطحية المبسطة، والانتقال نحو تفكيك الظواهر الاجتماعية والإدارية والديموغرافية والتنظيمية التي تكشف عنها بيانات العقد الأخير (2016–2026). أولاً: قراءة تتبع المسار الزمني (2016 - 2026) عند النظر في الإحصائيات الممتدة لـ 11 عاماً (2016–2026)، يمكن تقسيم التطور العددي لحركة الزائرين إلى ثلاث مراحل تاريخية ومحطة تحول راهنة: 1. مرحلة النمو الطبيعي والمتزن (2016 – 2021).. ارتفع عدد الزائرين خلال هذه الفترة من 11.2 مليون إلى 16.3 مليون زائر، محققاً نسبة نمو بلغت حوالي 45% خلال خمس سنوات. وتعزى هذه الزيادة إلى تحسن الوضع الأمني التدريجي في العراق عقب دحر تنظيم "داعش"، وتحسن محدود في شبكات الطرق والنقل، وتنامي قدرات الإدارة اللوجستية للمواكب والمؤسسات الخدمية. 2. مرحلة القفزة الاستثنائية (2022).. شكّل عام 2022 نقطة تحول مفصلية، حيث قفز العدد قفزة هائلة من 16.3 مليون إلى 21.6 مليون زائر (إضافة 5.3 ملايين زائر في عام واحد). تعود هذه القفزة غير الاعتيادية إلى الفتح الكامل للحدود عقب انحسار التقييدات الصحية لجائحة كورونا، وعودة تدفق الزوار الأجانب بكثافة، والتغطية الإعلامية الإقليمية والدولية الواسعة. 3. مرحلة التشبع والاستقرار الإحصائي (2023 – 2025).. شهدت هذه الأعوام استقراراً حول سقف رقمي متقارب جداً ( 22.0ثم 22.1 ثم 22.4 مليون زائر). وفي الدراسات السكانية والديموغرافية، يعتبر الاستقرار عند نقطة محددة أمراً طبيعياً حين يصل أي حدث جماهيري إلى الطاقة الاستيعابية الفائقة للبنية التحتية والجغرافية. 4. محطة 2026 (الانخفاض وتباين القراءات) .. فيها تسجيل ( (19,999,870زائر يعيد الأرقام إلى حدود عام 2022 تقريباً. وتفسير هذا الانخفاض الرقمي يتجاذب بين فرضيتين: * الفرضية الميدانية والظرفية: قد يعود هذا التراجع إلى ظروف اقتصادية وتضخم تكاليف السفر، وتوترات أمنية وإقليمية أثرت على حركة الطيران والنقل الدولي، فضلاً عن تردي الخدمات الأساسية في العراق (كالكهرباء والارتفاع الشديد في درجات الحرارة) والضغط المجهد على طرق السفر. * فرضية تحديث منهجية العد الإحصائي: وهي الفرضية الأكثر رجحاناً لدى المختصين؛ إذ إن أدوات العد وأجهزة الاستشعار الإلكترونية والحساسات المتطورة على منافذ مدينة كربلاء قد تكون شهدت تحديثاً دقيقاً يمنع ظاهرة "العدّ المزدوج" للشخص الواحد أثناء تنقله بين المنافذ، مما أظهر انخفاضاً رقمياً تجميعياً مع بقاء الحشد الميداني الفعلي قريباً من مستوياته السابقة. ثانياً: مفارقة المواكب والسقف الاستيعابي الهيكلي تظهر البيانات الجدولية مقارنة مثيرة بين أعداد الزوار وأعداد المواكب الخدمية المسجلة: * عام 2016: بلغ عدد الزوار 11.2 مليون مقابل 8,100 موكب خدمي. * عام 2026: بلغ عدد الزوار 19.99 مليون مقابل 15,817 موكباً خدمياً. بينما ارتفع عدد الزوار بنسبة 78% خلال هذا العقد، تضاعف عدد المواكب المسجلة بنسبة تقارب 95% . تشير هذه المفارقة إلى اتجاهين: إما زيادة ملموسة في حجم وحجم الخدمات والتكافل المقدم للزائر الواحد، أو اتساع نطاق التسجيل والتنظيم الإداري لشبكات التضامن الاجتماعي. وفي كلا الاحتمالين، تبرهن هذه الأرقام على أن البنية (الخدمية) التحتية التعاونية والتضامنية والتنظيمية للمجتمع الأهلي/الحسيني تملك مرونة وقابلية اتساع تفوق معدل النمو العددي للحشود المتدفقة الزائرة. من جانب آخر، تثبت أرقام السنوات الخمس الأخيرة (2022–2026) التي تراوحت في نطاق (20-22 مليوناً) وجود سقف استيعابي هيكلي حقيقي فرضته محددات الطاقة الفندقية، ومدن الزائرين، وسعة الطرق، ووسائل النقل، والخدمات البلدية، والقدرات الأمنية، والمدة الزمنية للزيارة. وبناءً عليه، فإن الحدث قد دخل مرحلة "التشبع العددي"، وأصبح التحدي الأساسي لا يكمن في إضافة ملايين جديدة، بل في تحسين جودة الإدارة ورفع مستوى الأمان والراحة. ويُفتَرَض أن هذا يحفز الهمم والجهود على العمل لبناء دولة الحرية والعدالة والرفاه في العراق، فإن هذا ليس مجرد مطلب سياسي وحق يستحقه الشعب العراقي بجدارة، بل هو في جوهره خدمة جليلة ومباشرة لزيارة الأربعين؛ فماذا لو حُلّت هذه الأزمات ودخل العراق وضع الرفاه؟! كم من المتاعب والمعاناة ستُرفَع عن كاهل الزائر والمواطن معاً؟ وكم ستتضاعف الأعداد والقدرة الاستيعابية للبلد حين تدار المنافذ والمدن بعقلية الدولة والمؤسسات لا بعقلية الأزمة .. بعقلية الأمانة والمسؤولية لا بعقلية الأحزاب والمصالح الضيقة؟ ثالثاً: المنظور الاجتماعي وسؤال "المجتمع الممكن" من منظور علم الاجتماع، تعكس حركة زوار الأربعين قدرة استثنائية للمجتمع على التعبئة والتكافل الاجتماعي الذاتي وإنتاج فعل جماعي واسع النطاق وبشكل منتظم ومترابط، وهو أمر نادر الحدوث عالمياً، غير أن النجاح التنظيمي لا ينبغي أن يُختزَل في الكثافة العددية وحدها. 1. الانتقال من الحشد العددي إلى الأثر الحضاري .. إذا كانت هذه المناسبة الإيمانية العالمية تعبّر عن طاقة اجتماعية وروحية هائلة، فإن السؤال الأهم ليس: "كم بلغ عدد المشاركين؟" بل: "إلى أي مدى تنعكس هذه الطاقة الإيمانية على صلاح الإنسان، وبناء المجتمع السليم، وإقامة الدولة العادلة، وترسيخ قيم النزاهة وحكم القانون؟" فإن النجاح العددي وحده لا يصح أن يكون مؤشراً ناجزاً على النجاح الحضاري؛ فالمجتمعات قد تحشد الملايين في الفعاليات والطقوس الكبرى، لكن اختبارها الحضاري الحقيقي يكمن في قدرتها على تحويل تلك الطاقة الروحية والوجدانية إلى ورع عن المحارم، وأمانة في الوظيفة، وسلوك مؤسسي، وتقدم في التعليم، واستثمار في الاقتصاد، واحترام للقانون والتنوع. 2. البناء السياسي ومفهوم حُسن التدبير .. في ظل الأزمات التي يعاني منها الواقع الخَدَمي والتنموي في العراق (من سوء إدارة، ونقص في الكهرباء والماء، وتردي التعليم والصحة، وتفشي الفساد الإداري والمالي)، يفرض الواقع (انخفاض عدد الزائرين تحديداً) تساؤلاً جوهرياً للطبقة السياسية وللمجتمع ككل: ماذا لو اقترن هذا الجمع الشعبي ببيئة حوكمة رشيدة وإدارة مخلصة تعيد بناء التنمية؟ كم كان سيتضاعف الأثر الإيجابي للزيارة، محلياً ودولياً؟ إذن، من المهم الوقوف عند سبب انخفاض عدد الزائرين في هذا العام، لكن الأكثر أهمية هو: ماذا عاد هؤلاء الملايين ليغيّروا في أنفسهم ومجتمعاتهم ومدنهم وواقعهم؟ فإذا بقيت أزمات الفساد، وسوء الإدارة، وضعف الإنتاج، وتراجع التعليم، على حالها، فإن نجاح الحدث جماهيرياً لا يتحول تلقائياً إلى نجاح حضاري. وهنا يبرز السؤال برسم الشيعة (في العراق وغير العراق): هل حان وقت بناء الإنسان وإعمار البلدان؟ بالتأكيد هذا السؤال لا يدعو إلى ترك القيم أو التخلي عن الهوية، بل يدعو إلى استعادة معنى عميق وهو أن معيار نجاح السلطة، بل ونجاح المجتمع أيضاً، ليس توسع النفوذ والتأثير الخارجي ولا تحقيق انتصارات خارجية، وإنما مقدار ما يصونه من كرامة الإنسان وعدل الحياة، فإنما الدولة، في منطق الإمام أمير المؤمنين، ليست مجرد سلطة تُمارَس، بل مسؤولية أخلاقية تُؤدى وقيم دينية وإنسانية تُطبَق، يقول (عليه السلام): "مَنْ حسُنَتْ سياسته دامت رياسته" (غرر الحكم: 8438). هكذا، يحدد الإمام العلاقة الجوهرية بين الحُكْم الصالح والاستدامة السياسية، فإنه ليس المال أو القوة أو العصبيات الدينية أو القومية أو العرقية مَنْ يحفظ كيان الدولة ويكفل نجاحها، بل حُسْنِ التدبير، والعدل في التوزيع، والرفق بالرعية. ويقول (عليه السلام): "أحسَنُ المُلوكِ حالاً مَنْ حَسُنَ عَيشُ النّاسِ في عَيشِهِ، وعَمَّ رعِيَّتَهُ بعَدلِه" (غرر الحكم: 3261)، ليؤكد (عليه السلام) أن معيار نجاح الدولة لا يقاس برفاه الحاكم، بل برفاه المحكومين. كما تؤكد هذه القواعد العَلَوية في الحكم أن معيار نجاح الدولة والسلطة ليس كثرة الحشود أو العصبيات، ولا رفاه الحاكم، بل هو حسن التدبير، والعدل في التوزيع، والرفق بالرعية، وصيانة كرامة الإنسان، وكل ذلك ينعكس تديناً واعياً في المجتمع الذي يشكل الدين فيه بنية أساسية في تركيبته وثقافته وموروثاته؛ كالمجتمع العراقي على وجه الخصوص، والمجتمعات الشيعية عموماً. وهكذا؛ فإن مفهوم "المجتمع الممكن" لا ينشأ من مجرد القدرة على جمع 20 أو 22 مليون إنسان في رقعة جغرافية واحدة خلال أيام معدودة، بل هو المجتمع الذي يستطيع بعد انقضاء المناسبة أن يعود فيه هؤلاء الملايين إلى مدنهم ومؤسساتهم ليكونوا أكثر تقوى، وأكثر أمانة، وأشد التزاماً بالقانون، وأكثر محاربة للفساد، وأعلى إنتاجية في العمل، وأكثر انفتاحاً على العلم والرحمة. في الوقت أن تراجع العدد في 2026 بأكثر من مليوني زائر ينبغي أن يكون دعوة لإعادة ترتيب الأولويات من خلال التحول من منطق السباق الإحصائي وحساب الأعداد إلى قياس الأثر التقوائي والحضاري والأخلاقي والتنموي، وبناء الإنسان الصالح والمنتج الذي يبني البلدان الناهضة والأمم الحيّة والزاهرة. فإن الأمم الحيّة والحضارات الزاهرة لا تُبنى بالمشاعر والتمنيات وحدها، مهما كانت صادقة، وإنما تُبنى عندما تتحول القيم إلى ثقافة، والثقافة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سلوك يومي يحكم حياة الناس. ولعل أعظم رسالة تقدمها زيارة الأربعين للعالم ليست أنها من أكبر التجمعات الدينية في العالم، بل أنها تقدم نموذجاً مصغراً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع، بمضمونه الأرقى وصورته الأجمل، عندما تتغلب القيم على المصالح، والرحمة على الأنانية، والخدمة على الاستغلال. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|