
|
في ذكرى رحيل نبي الإسلام .. وصايا للوصيّ عن جوهر الإسلام |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 27 / صفر / 1448هـ
تحلّ ذكرى استشهاد النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) في كل عام، فيغمر المؤمنين والمؤمنات الحزن وتعمّ مجالس العزاء. فإن الحدث جليل بحزنه ومفجع بتفاصيله، فقد روى الكليني عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: "لما قُبِضَ رسول اللّه بات آل محمد بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم ولا أرض تُقِلُّهم" (الكافي. الشيخ الكليني: ج1 - ص445). مع ذلك، فإن هذه الذكرى الأليمة، لا ينبغي أن تنحصر في مظاهر العاطفة والندب، فإن الهدف الأسمى الذي أراده نبي الإسلام من دعوته يتمثل في بناء الإنسان المتدين حقاً، والمجتمع الصالح فعلاً، والدولة العادلة واقعاً. لذلك، فإن أعظم احتفاء بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو التأسي بوصاياه التي اختصر فيها جوهر رسالته، ومنها ما أوصى به الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). العبادة والورع والقناعة أوصى (صلى الله عليه وآله) وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ أتى الله بما افترض عليه فهو مِنْ أعبد الناس، ومَنْ ورع عن محارم الله فهو مِنْ أورع الناس، ومَنْ قنع بما رزقه الله فهو مِنْ أغنى الناس"(1). هنا، تتضح معادلة عميقة بين العبادة الشكلية والعبادة الحقيقية. فإن الإيمان ليس طقوساً وشعائر مجردة، بل التزام بالواجب، وورع عن الحرام، وقناعة بما قسم الله. أيضاً، يعلّمنا (صلى الله عليه وآله) أن الغنى الحقيقي ليس في التكديس المادي، بل في الاستغناء عن الناس والرضا بما في اليد. من مكارم الأخلاق وفي وصية أخرى، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): "ثلاث من مكارم الأخلاق: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك"(2). هنا، يظهر قلب الرسالة الأخلاقية. فالنبي الكريم (صلى الله عليه وآله) لا يكتفي بالدعوة إلى رد الجميل، بل يطلب السمو الأخلاقي، حيث يصبح العطاء في مواجهة الحرمان، والوصل في وجه القطيعة، والعفو مقابل الظلم. بالتالي، هي الأخلاق التي يحتاجها المسلمون وتحتاجها الإنسانية اليوم حيث تتفاقم اللامبالاة والأنانية والقسوة والفضاضة. الإنصاف والأخوّة وذكر الله ومن وصاياه (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): "إنصافك الناس مِنْ نفسك، ومساواة الأخ في الله، وذكر الله على كل حال"(3). هذه الوصية النبوية المباركة تختصر أبعاد العدالة الفردية والاجتماعية والأخلاقية، وأيضاً الدينية، حيث إن الإنصاف يعني أن يبدأ الإنسان بنفسه قبل أن يطالب غيره، والأخوّة تعني إزالة الفوارق المصطنعة، أما ذكر الله فهو البوصلة التي تحفظ الروح من التيه في خضم الحياة. البرّ وسخاء النفس وقال (صلى الله عليه وآله) في وصية لوصيه (عليه السلام) عن أعمال البر: "سخاء النفس، وطيب الكلام، والصبر على الأذى"(4)، يرسخ النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) قاعدة التعامل مع الآخر، وهي أن السخاء ليس بالمال وحده، بل بالروح، فيعطي الإنسان ويده سَمْحة، عن طيب خاطر ورضا كامل، دون إكراه داخلي أو رياء، والسخاء هنا ينبع من الداخل؛ فالنفس السخية تفرح بالعطاء كما يفرح الآخر بالأخذ. أيضاً، يفصِّل (صلى الله عليه وآله) في أعمال البر، وإن منها؛ الكلمة الطيبة فهي صدقة، والصبر على الأذى، وكل ذلك ضمانة لاستمرار العلاقات الإنسانية. التحذير من الغدر وقطع الرحم أما تحذيره (صلى الله عليه وآله) في إحدى وصاياه فكان من "أربع أسرع شيء عقوبة: رجلٌ أحسنتَ إليه فكافأك بالإساءة... ورجل تصله رحمه ويقطعها"(5). هذا التحذير النبوي يكشف أن الأخلاق ليست مجرد فضيلة فردية، بل قاعدة لعمران المجتمع، حيث إن الغدر ونكران الجميل وقطع الرحم عوامل تفكك البنى الإنسانية، ولذلك جعلها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أسرع أسباب العقوبة. كمال الإسلام ويقول (صلى الله عليه وآله) في وصاياه لأمير المؤمنين (عليه السلام): "أربع مَنْ يكن فيه كمُل إسلامه: الصدق، والشكر، والحياء، وحسن الخلق"(6)، يضع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) معيار الكمال الديني بعيداً عن الشكليات، فإن الإسلام الذي لا يثمر صدقاً وشكراً وحياءً وخلقاً، يظل قشوراً بلا لب. الغنى والفقر الحاضران ويقول (صلى الله عليه وآله) في وصاياه للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "قلة طلب الحوائج مِن الناس هو الغنى الحاضر، وكثرة الحوائج إلى الناس مذلة وهو الفقر الحاضر"(7). بهذا يبين النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) أن الكرامة الإنسانية أساس الغنى، وأن التذلل للآخرين هو عين الفقر مهما امتلك الإنسان من مال. وهكذا، فإن ذكرى رحيل النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) الى الرفيق الأعلى، لحظة حزن عظيم، كما أنها أيضاً دعوة للمراجعة والتأمل والمحاسبة: هل نحن نعيش وصاياه (صلى الله عليه وآله)، أم أننا اكتفينا بالحديث عن إيماننا به وحبّنا له دون الاقتداء به؟ فإن الأمة التي تستعيد هذه الوصايا وتحوّلها إلى سلوك يومي، هي الأمة التي تحتفي بنبيها حقاً، وتثبت أنها لم تكتفِ بالاسم والشعار، بل جسدت "الأسوة الحسنة" التي أرادها الله سبحانه في كتابه الكريم: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(الأحزاب 21) -------------------------- الهوامش (1) "يا علي؛ أحب العمل إلى الله ثلاث خصال: مَنْ أتي الله بما افترض عليه فهو من أعبد الناس، ومَنْ ورع عن محارم الله فهو مِنْ أورع الناس، ومَنْ قنع بما رزقه الله فهو مِنْ أغنى الناس" (تحف العقول. ابن شعبة الحراني: ص7). (2) "يا علي؛ ثلاث من مكارم الأخلاق: تصل مَنْ قطعك، وتعطي مَنْ حرمك وتعفو عمن ظلمك" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي: ج74 – ص62). (3) "يا علي؛ سيد الأعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس من نفسك، ومساواة الأخ في الله، وذكر الله على كل حال" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي: ج72 – ص27). (4) "يا علي؛ ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس، وطيب الكلام، والصبر على الأذى" (وسائل الشيعة. الحر العاملي: ج12 – ص125). (5) "يا علي؛ أربع أسرع شيء عقوبة: رجلٌ أحسنتَ إليه فكافأك بالإحسان إساءة، ورجلٌ لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجلٌ عاقدته على أمر فمِن ْأمرك الوفاء له ومِنْ أمره الغدر بك. ورجلٌ تصله رحمه ويقطعها" (الخصال. الشيخ الصدوق: ص230). (6) "يا علي؛ أربع مَنْ يكن فيه كمل إسلامه: الصدق، والشكر، والحياء وحسن الخلق" (تحف العقول. ابن شعبة الحراني: ص9). (7) "يا علي؛ قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر، وكثرة الحوائج إلى الناس مذلة وهو الفقر الحاضر" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي: ج74 – ص64). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|