رحيل صاحب الخلق العظيم .. بين الذكرى والتأسي




 

 

موقع الإمام الشيرازي

28 / صفر / 1448هـ

 

 

ليس الاحتفاء بالعظماء، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، مجرد ذكرهم في أيام الولادة والوفاة، وإبداء الإعجاب بهم، وتسمية أولادنا بأسمائهم، ولا هو شعيرة عزائية أو احتفالية تقتصر على المظاهر والشكليات، بل الاحتفاء بالعظماء يستحق ما هو أكثر وأكثر. وهكذا، فإن الإحتفاء الحقيقي بذكرى النبي أو الإمام ينبغي أن يتجاوز الشعائر والمهرجانات والاحتفالات إلى تعلّم علومهم، والتأمل في مواقفهم، والاقتداء بسلوكهم، واستلهام القيم والمعاني التي جسّدوها في حياتهم.

فالإنسان الواعي حين يعلن إيمانه وحبّه للنبي أو الإمام، لا يفعل ذلك من فراغ، بل بعد أن يقتنع بعقيدته وأخلاقه. عليه، فإن حبّ المؤمن للنبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) هنا ليس شعوراً عاطفياً مجرداً، وإنما هو ثمرة فكر ووعي، وامتداد لطريق سار فيه نبي ديننا، وعلينا أن نتابعه ونتبعه بخطى سليمة وصادقة وثابتة. بالتالي، فإنّ التعرف على أفكار النبي (صلى الله عليه وآله) ومسار حياته هو الطريق الأمثل للتصالح مع الذات، ومع الإيمان، ومع النبي الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله) الذي هو من المفترض القدوة الأعظم في وجداننا وذاكرتنا ووعينا.

من هنا، فإنّ أفضل احتفاء بالنبي الكريم (صلى الله عليه وآله) لا يكمن في مظاهر الحزن أو الفرح، بل في تجسيد أخلاقه وقيمه مع الذات وفي الأسرة والمجتمع، وأن نعيد إنتاج رسالته الأخلاقية والإنسانية في حياتنا اليومية، لنكون مرآةً صادقة لما جاء به. (صلى الله عليه وآله). وقد أشار سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) إلى هذا البعد الغائب في الوعي الإسلامي، حين قال:

"يقول سيّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لا يبقى من الإسلام إلاّ رسمه، ومن الإسلام إلاّ اسمه" (بحار الأنوار: ج52 – ص190). ففي كل مكان من عالم اليوم، يُذكَر الإسلام وتُتلى آيات القرآن الكريم، ولكن هل ترى مثل ما عمله النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) من الإسلام والقرآن الكريم في مكان ما؟! وهل الدول الإسلامية ملتزمة بعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بمقدار واحد بالمئة؟! الجواب: لا! وإن عالم الإسلام اليوم يختلف كثيراً كثيراً عن إسلام نبي الإسلام"

هنا، سماحته (دام ظله) يطرح تساؤلاً صادماً:

أين هو إسلام النبي في عالم اليوم؟

وأين أثر القرآن في حياة الدول والمجتمعات التي تزعم الانتماء إليه؟

والجواب – كما يوضح – أن الالتزام الفعلي لا يكاد يبلغ واحداً بالمئة مما أراده النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)!!

كلام سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يكشف عن أزمة عميقة تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم، حيث تكثر الشعائر الدينية والمظاهر "الإيمانية"، بينما يقل الالتزام الفعلي بجوهر الإسلام وتعاليم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله). فهل يمكن أن نجد في واقعنا اليوم تطبيقاً حقيقياً لما دعا إليه النبي الأكرم من عدالة، ورحمة، وأخلاق، وأمانة، والشعور بالمسؤولية، ونفع الناس؟ للأسف، الجواب غالباً هو "لا". فإن الدول الإسلامية، كما يشير سماحته (دام ظله)، بعيدة كل البعد عن تطبيق نموذج النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) حتى بمقدار ضئيل.

هذا الانفصام بين المسلمين والإسلام، أو المبدأ والتطبيق، أو هذا التناقض بين ادعاء الإيمان وسلوك الواقع، هو ما يجعل ذكرى وفاة النبي الأكرم والاعظم (صلى الله عليه وآله) تمرّ على كثيرين فيما يغيب عنهم أن الله تعالى قال في كتابه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(الأحزاب: 21). وإن الأسوة بالنبي الصادق الأمين تقتضي جعل القيم النبوية حيّة فينا؛ من خلال العدل الذي نقيمه، والصدق الذي نلتزمه، والرحمة التي نغرسها في بيوتنا ومجتمعاتنا، والخير الذي نحرص على تقديمه للناس، ومقارعة الظلم، ونصرة المظلوم، ومد العون للمرضى والفقراء والأيتام والأرامل.

وعليه، فإنّ ذكرى رحيل النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) – التي يستحضرها المسلمون في الثامن والعشرين من شهر صفر من كل عام – لا ينبغي أن تكون مجرد لحظة حزن وانفعال وجداني، بل فرصة لوقفة صادقة مع النفس: هل نحن اليوم أقرب إلى النبي الأكرم الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أم أبعد عنه، رغم كثرة الادعاءات والشعارات والاحتفاءات؟!

وهكذا، فإن أصدق عزاء وأفضل احتفاء نقدّمه في يوم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، صاحب الخلق العظيم، هو أن نبرهن في حياتنا أن ذكراه ليست مجرد قصة تاريخية نستذكرها بحزن كل عام، بل هي محطة لاستذكار منهج حياة، وأنها ذكرى تقتضي منا التعرف على مبادئه وقيمه ومواقفه ومواعظه وأخلاقه (صلى الله عليه وآله)، ثم تجسيدها في واقعنا؛ في البيت والأسرة والمجتمع، وفي الشارع والسوق، وفي المستشفى والجامعة، وفي مكان العمل والمسؤولية، وفي غرف الحكومة والسياسة، وفي أروقة المؤسسة الدينية والحوزة العلمية.