في ذكرى رحيل نبي الإسلام .. نشر دينه بجمال وكرم خلقه




من كتابات المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده)

 

موقع الإمام الشيرازي

29 / صفر / 1448هـ

 

 

حينما بُعِثَ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) شعر الجميع بأن عهداًً جديداً أطل عليهم، فتهافتت القلوب إلى الإسلام، وأخذ الناس يلتفون حوله بالرضا والطاعة، ثم بدأت البلاد والقبائل والجماعات المحاربة للإسلام تتتابع في الدخول تحت لوائه بفضل شعبية الحاكم/النبي؛ الصادق الأمين الرؤوف الرحيم، وبأثر الحرية التي أخذ الناس يعيشون فيها؛ تلك الحرية الممتزجة بالإيمان والفضيلة والتقوى والتعاون وحب الخير. فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤكد بقوله وفعله وتقريره على حرية الفكر والعقيدة، فكان يكرم وفود المشركين، ويسعى في دعوتهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان يجادلهم بالتي هي أحسن.

في سياق كرم أخلاقه وسموها وعلوها، لم يرض (صلى الله عليه وآله) أن يقابل الإساءة بالإساءة، بل قابلها بالإحسان، ليعطي درساً حيوياً للعاملين على إصلاح المجتمع في التأثير فيهم بالأسلوب الأقرب للإيمان والتقوى. كما كان (صلى الله عليه وآله) يبين للناس ويؤكد للمسلمين أن الإسلام يرفض كل ما يمس بكرامة الإنسان، فلا إهانة، ولا ضرب، ولا شتم، ولا طعن، ولا فحش، ولا بذاءة، ولا غيبة، ولا بهتان، ولا.. ولا .. وهذا حتى مع العدو الكافر.

وورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه‌ السلام) إنه كان إذا وصف رسول الله (صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله‌) يقول: كان أجود الناس كفاً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لم أرَ قبله، ولا بعده مثله (صلى الله عليه وآله)(مكارم الأخلاق للطبرسي: ص18).

وكان (صلى الله عليه وآله) يؤلفهم الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، وكان يقول (صلى الله عليه وآله): "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" (بحار الأنوار: ج16 ص239)، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه، من جالسه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها، أو بميسور من القول.

وإن المتتبع لسيرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) وآل بيته الأطهار (عليهم السلام) يلاحظ بوضوح أن منهجهم بعيد كل البعد عن العنف والغضب وأقرب إلى السلم والتفاهم، في الوقت كان سلوكهم يقوم على اللين والتسامح والرفق. كما أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)؛ رغم الآلام والخطوب التي حفت بحياته، نجده باسم الثغر، ويعامل صديقه وعدوه بصدر رحب ملؤه الرحمة واللطف والبر. وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا لم يتمكن من قضاء حاجة محتاج في وقت الطلب والسؤال كان يجعل قضاءها ديناً على نفسه .. بهذه الأخلاق النبوية الكريمة العالية دخل الناس في الإسلام أفواجاً، وبهذه الأخلاق ظهر الإسلام على الدين كله.

وإذا قمنا بإحصائية ميدانية لعدد المسلمين الذين دخلوا الإسلام كرهاً، وعدد المسلمين الذين دخلوه طوعاً، في زمن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، فماذا سنجد؟ هل عدد المسلمين الداخلين كرهاً هم الأكثر أم الداخلين طوعاً؟ التاريخ يشهد بأن الداخلين إلى الإسلام طوعاً هم الأكثر ولا حصر لعددهم، مقارنة بعدد الذين دخلوا كرهاً. ويكاد هذا العدد - الأخير - أن يكون معروفاً بأصحابه من (مسلمي الفتح) وبعض المنافقين المعدودين.

إذن، هذا الكم الهائل من الداخلين طوعاً إلى الإسلام، بماذا تأثر وما الذي جذبه إلى الإسلام؟ أليس قوة الشد لجمال خلق الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله)؟ بلى، وإشادة الباري (عزّ وجل) به (صلى الله عليه وآله) خير دليل على ذلك، في قوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران/159).

في الوقت نفسه، إذا آمن المجتمع اليوم بالمثل الإسلامية العليا، التي تمثلت في الرسول الأعظم وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام)، تتضاءل فيه المشاكل الفردية والنزاعات الشخصية، والتوترات المجتمعية والسياسية، ويغلب على الناس روح الجماعة، والاتجاه إلى البذل والعطاء وتجنب الوقوع في المعاصي والجرائم والآثام.