
|
المؤسسة الدينية .. النقد وبقاء المعنى |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 6/ ربيع الأول/ 1448
لا تقاس حيوية المؤسسات بقدرتها على إطلاق التوجيهات وتوجيه الإرشادات وإنتاج القرارات فقط، بل بقدرتها على تصحيح ذاتها قبل أن تتراكم أخطاؤها. فإن المؤسسة - أية مؤسسة - التي لا تسمع لا تتعلم، والتي لا تتعلم تتصلّب، ومع الزمن تفقد علاقتها بالواقع وبالناس معاً. من هنا، لا يكون النقد خطراً على المؤسسات الحيّة، بل علامة من علامات عافيتها، شرط أن يُفهَم - النقد - بوصفه أداة إصلاح لا وسيلة هدم. وفي التفكير المؤسساتي العميق، لا يُنظَر إلى النقد باعتباره تهديداً للمكانة أو انتقاصاً من الهيبة، بل باعتباره مرآة داخلية تكشف مواضع الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات. ولهذا يلفت لمرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (اعلى الله درجاته) الى حقيقة بالغة الدقة حين يؤكد أن قيادة أي جماعة أو أمة بلا تفكير، تفضي إلى الفشل، وإن تعطيل العقل يفتح الباب أمام تحكّم الحاشية وصناعة القرار بالنيابة عن القيادة نفسها. وهنا لا يعود الخلل شخصياً، بل مؤسسياً بنيوياً(1). وتكمن خطورة غياب النقد في أنه لا ينتج استقراراً، بل تراكم أخطاء صامتة. فإن المؤسسة التي تحيط نفسها بدوائر مغلقة من النفعيين أو اللامبالين أو المصفقين، تفقد تدريجياً القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين النصيحة والعداء. وفي هذا السياق، لا يصنع غياب النقد استقراراً، بل يفرز ركاماً من الأخطاء الصامتة، وحين تطوق المؤسسة نفسها ببطانة من النفعيين والمنقادين، يصيبها الجمود البنيوي؛ فلا تعود قادرة على فرز الصواب من الخطأ، أو التمييز بين صدق النصيحة ونقيضه. ومع الوقت، تتحول القيادة إلى واجهة رمزية تُدار تفاصيلها من قِبل الحاشية المحيطة؛ الأمر الذي يوقع المؤسسة في حالة جمود، تنكفئ معها على الدفاع عن وجودها، بدلاً من التوجه نحو التطوير، ومواكبة ضرورات التجديد الفكري، والتعاطي مع تحديات العصر. ومن هنا، يشدد الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سره) على ضرورة أن ينظر المرجع الديني في عمله الى الهدف الكبير والواسع، لا بالمكاسب الآنية أو الحسابات الضيقة. فإن المؤسسة الدينية التي تفتقر إلى الرؤية المستقبلية، تنكفئ على ذاتها وتعيد إنتاج أدواتها التقليدية، دون التفات لمتغيرات العصر وأسئلته المتجددة(2). في مثل هذا السياق، لا يعد النقد ترفاً فكرياً، بل يغدو شرطاً أساسياً لاستمرار دور المؤسسة وبقاء معناها وجدواها؛ لا سيما في الأوقات التي تواجه فيها قضايا المجتمع أزمات وجودية وتحديات معيشية؛ وهي ملفات بالغة الحسّاسية، وتستوجب من المرجع الديني دراستها بعمق، وحساب انعكاساتها بدقة. وبالرغم من ذلك، فإن الإصغاء إلى النقد لا يعني التسليم بكل ما يقال .. وهذه نقطة محورية في التفكير الإصلاحي الهادف والهادئ. فإن الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سره) يميّز بوضوح بين النقد القائم على الأوهام أو الأغراض، وبين النقد الذي ينطلق من حرص صادق على الإصلاح. الأول يُربك ولا يبني، أما الثاني فهو طريق للتقدم المؤسسي والأخلاقي معاً. إن القدرة على هذا التمييز هي بحد ذاتها علامة نضج، لا ضعف(3). وحين نقترب من المؤسسة الدينية تحديداً، تتضاعف حساسية هذا السؤال؛ فإن المؤسسة الدينية لا تعمل في فراغ إداري، بل في فضاء ديني ورمزي وأخلاقي ينعكس على معظم تفاصيل الحياة في المجتمعات المتدينة؛ بالتالي هي مؤسسة مؤثرة وفاعلة. وعلى هذا النحو، فإن تجاهل النقد داخل المؤسسة الدينية لا يؤدي فقط إلى خلل إداري، بل قد يفضي إلى انحراف العلاقة بين الدين والناس .. فإنه من جهة، يفهم المجتمع صمت المؤسسة الدينية عن المراجعة (للتقييم والتقويم) بأنه عجز أو رضا بالخلل، ومن جهة أخرى، تفسر المؤسسة طاعة الناس لتعليماتها بأنها قناعة تامة بمنهجها، مما يعمق الفجوة بين الطرفين. ولهذا يؤكد الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سره) أن المرجع الديني أو القائد الديني الذي يصغي إلى النقد البنّاء، يرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي، ويتحلّى بخلقٍ أصيل من أخلاق الإسلام، وهو احترام عقول الآخرين والاعتراف بإمكان الخطأ. فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير القوانين أو الوجوه، بل من تحرير العقل المؤسسي من الخوف، ومن إعادة الاعتبار للسؤال بوصفه مدخلًا للفهم لا بوابة للفوضى(4). في المحصلة، لا تواجه المؤسسات - الدينية وغير الدينية - أزماتها الكبرى بسبب كثرة النقد، بل بسبب ندرته .. فإنه حين يُغلَق باب الإصغاء للنقد أو الرأي الآخر، تُفتَح أبواب الانفصال عن المجتمع، ويتحول الدفاع عن الموقع إلى غاية بحد ذاته. أما حين يُستعاد النقد بوصفه ممارسة أخلاقية وعقلية، فإن المؤسسة الدينية تستعيد دورها الطبيعي .. دورها الذي يتمثل في تكريس قيم الدين، وتوضيح المعنى، وقيادة الوعي لا مصادرته، وخدمة الإنسان فـ"خير الناس أنفعهم للناس"، إضافة الى حفظ الهوية الدينية الشيعية وإدارة الشؤون الشرعية والاجتماعية للطائفة. ---------------------- من آراء الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) الواردة في كتابه (المرجعية الإسلامية – 127 صفحة): (1) "قيادة الأمة بلا تفكير تعني الفشل الذريع، ومن يعطل جهاز تفكيره تستولي عليه الحاشية، فتسيره بدلاً من أن يسيرها، وهذا هو من أخطر ما يبلغه الإنسان، حيث يتحول إلى واجهة يستفيد منها الآخرون" (ص24). (2) "على المرجع الديني أن يقيس عمله بالهدف الكبير والواسع، وإلا فإنه يحصر نفسه في نطاق ضيق" (ص26). (3) "لا يعني أن كل ما يوجه إلى المرجع الديني أو حاشيته من نقد هو حق يجب الإصغاء إليه والاعتناء به، فبعض هذه الانتقادات لا أساس لها، وإنما هي أوهام، لكن هناك نقدا ينطلق من قلب إنسان صادق، وهذا هو النقد البناء الذي يجب الاستماع إليه والإصغاء إليه، لأنه سيكون طريقاً إلى تقدم المرجعية الدينية، وبالتالي وسيلة إلى تقدم الإسلام والمسلمين" (38). (4) "المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين, ويتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بناءً" (ص38). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|