الإمام الحسن العسكري .. ما مُنِيَ أحدٌ من آبائي بمثل ما مُنيتُ به




 

 

موقع الإمام الشيرازي

8/ ربيع الأول/ 1448هـ

 

 

 قال (عليه السلام): "ما مُنِيَ أحدٌ من آبائي بمثل ما مُنيتُ به" (بحار الأنوار: ج23 – ص38).

وكتب (عليه السلام) إلى بعض شيعته: "ألا لا يُسَلِّمَنَّ عليَّ أحد، ولا يشير إليَّ بيده، ولا يومئ، فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم" (بحار الأنوار: ج50 - ص269).

هذه الكلمات؛ الموشحة بالحزن والكرب والشدة والطافحة بقبح الظلم وفظاظته، مروية عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وتصف قسوة وغلظة المحن التي كان يكابد آلامها ومآسيها، على مدى سنوات عمره (28) القليلة، حتى قضى مسموماً مظلوماً شهيداً؛ على خطى آبائه وأجداده الطيبين الطاهرين (عليهم السلام).

كلمات مشحونة بالهم والغم والحيرة والضيق تجسّد وجع الإمام (عليه السلام) من بعض المحيطين به، وهم ما بين شك وشبهة، وتؤرخ بشاعة جور طغاة بني العباس، الذين كانوا على ما كان عليه عتاة بني أمية.

عاش الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حصاراً قاسياً طوال حياته، لدرجة أنه قال لم يتعرض أحدٌ من آبائه لما تعرّض له، من جهة تقييد حركته وتضييق الخناق عليه وعزله عن الناس. فقد كابد (عليه السلام) الحصار والرقابة المشدّدة من صغره. حيث قامت السلطة العباسية باستقدامه مع أبيه (عليهما السلام) إلى مدينة سامراء، ثم فرضت القيود على حركته، حتى وصل الأمر إلى تغييبه في سجونها فترات طويلة، لضمان مراقبته عن قرب، وعزله عن محبيه، كما فرضت عليه الحضور إلى ديوان الحاكم مرّتين في الأسبوع، ليثبت تواجده وحضوره، وشدّدت الرقابة عليه إلى حين شهادته (عليه السلام).

ورغم سياسة التضييق والترهيب والمراقبة، اعتمد الإمام العسكري (عليه السلام) أساليب تمكن من خلالها التواصل مع شيعته لرعايتهم، ومدهم بأسباب البقاء والصمود، وتحذيرهم من مكائد السلطة والدسائس التي تحاك ضدهم.

ورغم التضييق والظلم، كان الإمام يحث شيعته على ألا يملوا ولا يكّلوا في السعي إلى إصلاح العباد والبلاد، وإرساء قيم العدل والخير والسلام والفضيلة، والصبر في مواجهة الطغاة والأشرار.

يذكر المؤرخون أنه عندما أُعلِنَتْ وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ضجَّت سامراء بأهلها، وانطلق النّاس في تشييعه، فيما أرسل الخليفة العباسي إلى بيته مَنْ يفحص إذا كان له "للإمام" ولد، ويفحص هل في بيت الإمام امرأة حامل، لأنهم كانوا يريدون انقطاع الإمامة، ولكنَّ الله تعالى أخفى وليّه الذي ينتظره العالم كله، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

وفي هذا اليوم الحزين، حريٌ بالمحتفين بذكرى شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)، وكل أئمتنا، أن يعملوا بما أمر به الإمام، وأن ينتهوا عما نهى عنه، فإن التشيع انتماء بالقول والعمل، وليس فقط محبة أهل البيت (عليهم السلام) وبغض أعدائهم، يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "محبتكم لأهل البيت (عليهم السلام) وإظهارها هو أمر حسن وفاضل، ولكن نيل مقام القرب منهم يتطلب العمل باﻹسلام والالتزام به، وليس إظهار المحبة لهم فقط. وإن إظهار اﻹنسان محبته للإمام، مهما كان مستوى المحبة، ليس دليلاً قاطعاً على محبة اﻹمام لذلك الشخص أو أنه يوجب محبة اﻹمام، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم واﻹمام، بل إن الامتثال لسيرة اﻹمام والالتزام بها، هو الذي يوجب محبة اﻹمام (عليه السلام)".

من وصايا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى شيعته:

"أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام على الفرائض، وأزهد الناس من ترك الحرام، وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب" (الخصال. الشيخ الصدوق: ص16).

وقال (عليه السلام) موصياً شيعته:

"أُوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث وأداء الأمانة الى من ائتمنكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، صَلّوا في عشائركم، واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم اذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسَّن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرّني ذلك.

اتّقوا الله، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جُرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح، فإنّه ما قيل فينا من حُسْن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.

لنا حقٌّ في كتاب الله وقرابة من رسول الله وتطهيرٌ من الله لا يدّعيه أحد غيرنا إلاّ كذّاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي، فإنّ الصلاة على رسول الله عشر حسنات، احفظوا ما وصّيتكم به واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام" (بحار الأنوار: ج75 / ص372-373).