المؤسسة الدينية .. الرمزية وتسلل السلطة




 

 

موقع الإمام الشيرازي

10/ ربيع الأول/ 1448

 

 

لا تبدأ أزمات المؤسسات الدينية الكبرى من فراغ إداري أو عَرَضٍ تنظيمي، ولا تنتهي بإعادة ترتيب اللوائح أو تصدير الوجوه؛ بل إن هذه الأزمات، في جوهرها التاريخي والمعاصر، ليست سوى انعكاس مباشر لمأزق أعمق يمسّ طبيعة التموضع بين "القيمة الأخلاقية" و"منطق السلطة". فإنه حين يُستدرَج الفضاء الديني من مقامه الرمزي والمعنوي الجامع إلى مدارات التوازنات وحسابات النفوذ والمصالح، لا تخسر المؤسسة الدينية استقلالها فحسب، بل يتصدّع دورها الإيماني والروحي والأبوي والتربوي كبوصلة للمؤمنين وضمير عام للمؤمنين والمجتمع.

إن الرسالة الدينية تحمل بالضرورة وظيفة أخلاقية تتجاوز اعتبارات السياسة العابرة ومتغيرات الحكم. وهكذا، فإن المرجعية الدينية تمثل الملاذ المعنوي للأمة، والسقف الجامع الذي يحمي المستضعفين ويتسامى فوق النزاعات السياسية والاجتماعية الإقصائية. إلا أن الإشكال يبرز عندما تبدأ المؤسسة الدينية – أو أجهزتها وحواشيها التنفيذية – بالاستجابة لضغوط الواقع بمنطق السياسة وأدواتها؛ فتتحرك وفق حسابات المصالح المتبادلة مع مراكز القوة والسلطة، وتفضل مسايرة السلطات القائمة على حساب قول الحق والانتصار للمظلومين.

عند هذه العتبة الحرجة، يتغير السؤال الجوهري؛ فلا يعود: "مَنْ يوجّه المؤسسة أو يتصدرها؟"، بل: "ما الذي تمثله هذه المؤسسة الدينية في الوجدان العام؟ ولمن تنتمي بوصلتها؟". وحين ترجح كفة مهادنة القوة أو الحفاظ على الامتيازات والمصالح الخاصة على حساب الدفاع عن المظلومين، تتآكل الوظيفة الوجودية للمؤسسة الدينية، ويغدو الخطاب الديني – بقصد أو بغير قصد – شريكاً في إنتاج الصمت وتكريس الأمر الواقع، بدل أن يكون عامل تقويم واستقرار.

لقد حذّر مفكرون ومجددون من خطورة تحوّل القيادة الدينية إلى مساحة للمهادنة أو الضعف؛ إذ رسم المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) في مشروعه الإصلاحي ملامح المرجعية الدينية المنقذة للأمة، مؤكداً أن جوهر القيادة الدينية يكمن في "العزّة" والشجاعة والالتحام التام بآلام الناس لا برغبات الحكّام. وعلى هذا النحو، يفرّق الإمام الشيرازي الراحل تفريقاً دقيقاً بين "الاستعلاء المذموم" و"العزّة المحمودة" المستندة إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾(المنافقون: 8)؛ مبيناً أن العزة شعور بالترفع والأنفة يجعل المرجع الديني غالي وعالي النفس، ولا يحني ظهره للباطل، ويكون متواضعاً خادماً للناس، وعليه أن يغرس هذه الفضيلة في كل أجهزته والمحيطين به. ويشدد على أنه: «يجب أن يكون للمرجع الديني قوة تأثير في الوسط الذي يعيش فيه، وإلا فإنه سيكون ضعيفاً، ولا مكان للمرجع الديني الضعيف في مجتمعاتنا المعاصرة» (المرجعية الإسلامية: ص29).

وهذه القوة المرجعية المعنوية لا تبنى على التماهي مع أصحاب السلطة والنفوذ، بل على قواعد كلية تحكم مواقف المرجع الديني في اللحظات الحرجة، حيث يقرر الإمام الشيرازي الراحل قاعدة تأسيسية بالغة الأهمية: «اللازم أن يضع المرجع الديني مسبقاً خطوطاً عريضة ومناهج عامة وقواعد كلية لحياته، فمثلاً يكون الأصل عنده الشجاعة، فكلما شك في الإقدام والإحجام رجع إلى أصل الإقدام، والأصل عنده الناس وليس الحكومة أو الحاشية» (المرجعية الإسلامية: ص53).

إن هذا التأصيل ينسجم تماماً مع العهد الرسالي للعلماء المأخوذ عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أخذ الله على العلماء ألّا يُقارّوا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم» (نهج البلاغة: خطبة 3)؛ هنا يقول الإمام الشيرازي (أعلى الله درجاته): «المرجع الديني بصفته ممثلاً للأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، الذين أُمروا بالتحفظ على الحقوق، وأَمروا بذلك، ولذا قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "وما أمر الله العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم"، يكون من أعمالهم، دفع الظالمين، والانتصار للمظلومين» (المرجع والأمة: ص10). بالتالي، فإن المرجع الديني الناجح هو مَنْ يستشعر الناس فيه أباً روحياً حقيقياً، يتقدم للدفاع عن حقوقهم ورفع الحيف عنهم، لا من ينكفئ وراء الصمت والحسابات المغلقة تاركاً الناس في حيرتهم ومعاناتهم.

ومن أعمق الإشارات الإصلاحية التي طرحها الإمام الشيرازي (أعلى الله درجاته) في كتابه (المرجعية الإسلامية)، الحاجة الى مناقشة ملف المرجعية والمؤسسة الدينية للبحث والمراجعة والتقييم، ونزع فكرة القداسة/العصمة الزائفة - المتسربة الى بعض الناس - عن الأداء الإداري والقرارات البشرية، مؤكداً أن المرجعية الدينية الناجحة هي التي تُخضِع أداءها وأداء وكلائها وخطبائها ومؤسساتها للمساءلة والنقد البنّاء.

بالموازاة، يحذر الإمام الشيرازي (رحمه الله) من مآلات الانغلاق وتجاهل النقد قائلاً: «إن الاستماع إلى النقد البنّاء ومعالجة الأخطاء القابلة للتصحيح، يساعد المرجع الديني ومؤسسته على التطوير الذاتي المستمر. في المقابل، فإن تجاهل أصوات الناقدين المخلصين يتسبب في تراكم الأخطاء وانحراف المنظومة المرجعية، مما يؤدي في النهاية إلى تشويه في القيم الدينية، مفضياً إلى أزمة قيم تمسّ تديّن المجتمع» (المرجعية الإسلامية: ص30). على هذا، فإن الاستماع لصوت النقد الصادق ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو حماية للمؤسسة من الوقوع في الاستبداد؛ إذ يؤكد الإمام الشيرازي (رحمه الله) أن: «المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين، ويتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بنّاءً» (المرجعية الإسلامية: ص30).

إنّ الأزمة الراهنة التي تواجهها المجتمعات الشيعية لا تكمن في غياب التديّن الفردي، بل في الالتباس الحاصل بين رسالة الدين كقيمة جامعة تحرس العدل والكرامة، وبين منطق السلطة كأداة حكم وإكراه وغلبة؛ إذ يؤدي غياب هذا التمايز إلى ارتهان الموقف الديني لحسابات السياسة. وعندئذٍ، تصبح المؤسسة الدينية مهددة بفقدان ثقة الأجيال الصاعدة حين تراها صامتة أمام جور الأنظمة وفساد الإدارات، أو مجاملةً لأصحاب النفوذ على حساب قيم العدالة والإنسان.

إنّ بقاء المرجعية الدينية والمؤسسة الدينية في موقعها الرمزي (القيادي، والإيماني، والأبوي والملهم) لا يكون عبر توسّع النفوذ، ولا وفرة المال، ولا تزايد الأتباع، ولا التمترس خلف الحصانات والولاءات الضيقة، بل بالحفاظ على أصل وجودها: ناصرة للعدالة فتكون «للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»، و«صوت مَن لا صوت له»، وشجاعة في وجه الطغيان، ومرآة نقية تعكس هموم الناس وحقوقهم، متسلحة بروح العزّة، وإرادة الإقدام، والتواضع أمام النقد والتصحيح. فإنه حين يُستعاد الدين بوصفه ضميراً أخلاقياً مستقلاً، يكون ملاذاً للعدل والرحمة وحفظ كرامات الشعوب؛ وحين يُقحم أو يُختزل في توازنات النفوذ والسياسة والمصالح، يتحول إلى جزء من أزمة المجتمع والدولة لا حلها، وقبل ذلك كلّه، يغدو جزءاً خطيراً من أزمة التشيّع نفسه، وقيم التديّن السليم، والشيعة عموماً.

----------------------

هامش

(*) من الوصية التاريخية التي وجّهها الإمام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين (عليهم السلام)، وذلك بعد أن ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف وهو في محراب الصلاة بمسجد الكوفة. والخصومة هنا تعني ليس مجرد بغض الظالم بقلب مستسلم، بل تعني الوقوف بوجهه، وتضييق الخناق عليه، ورفض مساندته أو تبرير أفعاله تحت أي ظرف. بالموازاة، فإن نصرة المظلوم ومساعدته في استعادة حقوقه المستلبة. هذا يعني فيما يعني أن الحياد السلبي هنا مرفوض، فإن أمير المؤمنين يبين أنه لا يصح للمرء أن يكون محايداً بين الحق والباطل، فإن الحياد في مواجهة الظلم يُعد مساهمة فيه. فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْه» (الصحيفة السجّاديّة: ص166- الدعاء 38).

 

مواضيع ذات صلة

* المؤسسة الدينية .. الواقع والتطلعات

* المؤسسة الدينية .. النقد وبقاء المعنى