صِدْقُ التوكُّل ووَهْمُ التواكُل




 

 

موقع الإمام الشيرازي

26/ ربيع الأول/ 1448

 

 

كثيراً ما يلتبس الأمر على الناس، فيتوهمون أن التوكل يعني تعطيل الأسباب، والقعود عن المسالك والسنن التي أودعها الله سبحانه في هذا الكون؛ فيرومون بلوغ النتائج بلا سعي. وهو وهمٌ ينافي صريح العقل وقواطع الشرع.

فإن استندوا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3) زاعمين أن التوكل انقطاعٌ عن العمل، فحريٌّ بهم أن يلتفتوا أيضاً إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، وقوله عزّ شأنه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (الكهف: 89). فحقيقة التوكل تقتضي الأخذ بالسنن الكونية؛ إذ «أبى الله أن يُجري الأمور إلا بأسبابها» (الكافي:ج1 - ص183)، إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

إن جوهر التوكل والدعاء هو تفويض ما لا يملكه الإنسان إلى مالك الملك سبحانه، بعد بذل الوسع. ومن هنا جاءت النصوص بعدم استجابة دعاء من عطّل ما سنّه الله من مقدمات وسعى وراء النتائج؛ كمن يقعد عن السعي ثم يهتف: «اللهم ارزقني من واسع فضلك».

وقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنّ قوماً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا. فبلغ ذلك النبيَّ فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: يا رسول الله! تُكُفِّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال (صلى الله عليه وآله): مَنْ فعل ذلك لم يُستجب له، عليكم بالطلب. ثم قال: إني لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربه يقول: ارزقني ويترك الطلب» (من لا يحضره الفقيه: ج3 – ص192).

وعلى هذا النحو، فإن الظن بإمكانية إصلاح الأحوال بالدعاء وحده وهمٌ بعيد عن معايير الإسلام؛ فمع صحة كون «الدعاء سلاح المؤمن» (أصول الكافي، ج2، ص 467)، وقوله عز وجل: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ (الفرقان: 77)، إلا أن نهضة الذات، وإصلاح المجتمع، وتشييد حاضر مزدهر، وبناء غدٍ واعد، أمورٌ لا قوام لها إلا بالعمل الجاد مقروناً بالتوكل الصادق على من ﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).

المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (اعلى الله درجاته)