
|
من الواقع .. جور السلطة وغياب الأمة |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 27/ ربيع الأول/ 1448
المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) يرى أن مشكلات المجتمعات الإسلامية تنبع من جذور عميقة تتمثل في محورين رئيسيين: "مشكلة الحكام وحكوماتهم الظالمة، ومشكلة غياب الوعي والثقافة عن الأمة"(1). هذا التشخيص يعكس نظرة صائبة وثاقبة وشجاعة إلى الواقع السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي، حيث يرى أن الاستبداد السياسي، الذي يعتمد على "قوة السلاح لا آراء الأكثرية"(2)، يُبعِد الشعب عن المشاركة في صنع القرار، مما يجعل مصالحه آخر ما يُراعى من قبل الحكام. وفي الوقت ذاته، يُحمِّل (قُدِّس سره) المجتمع مسؤولية غياب الوعي، الذي يجر الى غياب الأمة، معتبراً أن "أول ما يوجب التخلف هو الفكر المتخلف"(3)، لأن الإنسان يسير وفق فكره وثقافته. في السياق، يربط الإمام الشيرازي الراحل بين الظلم الاجتماعي والاضطرابات، مؤكداً أن "المجتمع الذي تكثر فيه حالة الظلم، لابد وأن تكثر فيه الاضطرابات"(4). ويرى أن الفقر يشكل "مقدمة للفساد"(5) وينتج عنه الفوضى، فيما يؤدي انهيار المستوى العلمي إلى "فقدان الثقافة المنتجة"(6)، مما يُدخِل البلاد في دوامة من الجهل. وفي هذا السياق، يشير (قُدِّس سره) إلى هجرة المسلمين إلى الغرب فراراً من التخلف والقمع والخوف والحرمان، معتبراً ذلك دليلاً على عجزهم عن حل أزماتهم في ظل الأوضاع الراهنة. ولم يكتفِ الإمام الشيرازي (قُدِّس سرُه) بتشخيص المشكلات، بل قدم حلولاً عملية تتسم بالبساطة والعمق في آن واحد. يرى أن "التعاون هو السبيل لحل معظم المشكلات الاجتماعية"(7)، مشدداً على أهمية تضافر الجهود بين أفراد المجتمع ومؤسساته. كما يؤكد أن "الوسيلة الأقوم لحل المشكلات تكون عبر أكثرية الآراء"(8)، سواء في الحكومة أو الأحزاب أو الجمعيات، مما يعكس دعوته إلى الشوروية/الديمقراطية الحقيقية التي تعبر عن إرادة الشعب، بعيداً عن الدعايات المضللة والجماعات الضاغطة التي تعيق وصول الكفاءات إلى الحكم. ويؤكد الإمام الشيرازي (رحمه الله) على أهمية العدالة كـ "أساس استقرار المجتمعات"(9)، معتبراً أن "المحبة هي روحها النابضة"(10). فـ الحاكم الحقيقي، في نظره، هو "من يغزو القلوب بالإحسان، لا بالسلطة"(11)، وهي رؤية تعكس إيمانه بأن القوة الحقيقية تكمن في كسب ثقة الناس ومحبتهم، وليس في فرض السيطرة بالقوة. كما يدعو إلى تحمل المسؤولية الكاملة في مواجهة الظلم والانحراف، حاثاً الأفراد على "تقويم كل اعوجاج"(12) والوقوف ضد كل من ينتهك حرية الناس وحقوقهم وأمنهم. وفي رؤيته للتقدم والتطور، يفرّق الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سرُه) بين مَنْ يتمنى النجاح ويعمل له، ومَنْ يتمنى دون عمل، مؤكداً أن هناك مَنْ يتمنى ويعمل، وفي المقابل هناك مَنْ يتمنى ولا يعمل، فهذا مصيره الفشل والخيبة. هذه الفلسفة تعكس إيمانه بأن التغيير يتطلب جهداً عملياً وهدفاً واضحاً، وأن "السير بلا هدف ولا مسؤولية"(13) هو مجرد تخبط لا يؤدي إلى نتيجة. وفي هذا السياق، ينتقد الأنظمة التي تبرر إلغاء الحريات بالفوضى، داعياً إلى توازن يحفظ الحرية ويحقق الاستقرار. وهكذا، المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته)، في إطار مشروعه الإصلاحي، يدعو الى بناء مجتمع يقوم على الوعي وينشد العدل والحرية والسلام والمحبة والتعاون والرفاه، حيث يرى أن حل الأزمات يكمن في إصلاح الفكر، وتمكين الشعوب من خلال آرائها، ومواجهة الظلم بكل الوسائل السلمية. وعلى هذا النحو؛ يحذِّر (قُدِّس سرُه) من الاستبداد السياسي؛ خاصة إذا تحالف معه الاستبداد الديني، فإن "الاستبداد لا يولد إلا التأخر والحرمان، والمستبد يهلك نفسه وغيره معاً"(14). لذلك، يدعو الى "فضح الدكتاتوريات في العالم الإسلامي، حتى لا يكون هناك دكتاتور يحكم حسب هواه"(15)، والسعي الحثيث نحو التقدم في مختلف مجالات الحياة عبر العمل الجاد والمسؤولية المشتركة. مبيناً أنها مسؤولية أمام الله سبحانه وأمام الشعب. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(التوبة: 105)
------------------------------ هوامش: (1) عاشوراء والعودة الى الاسلام: ص17. (2) لماذا تأخر المسلمون: ص94. (3) لنبدأ من جديد: ص83. (4) آثار الظلم في الدنيا والآخرة: ص25. (5) آثار الظلم في الدنيا والآخرة: ص25. (6) ماذا بعد النفط: ص25. (7) الاقتصاد بين المشاكل والحلول: ص250. (8) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص289. (9) لماذا تأخر المسلمون: ص93. (10) الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص7-8 (11) الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص14. (12) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص180. (13) العمل الصالح طريق التغيير: ص23. (14) من قصص المستبدين: ص13. (15) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص294. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|