
|
«معالم المجتمع المدني» .. مشروع إسلامي لتأصيل الفعل المجتمعي |
|
|
|
|
|
|
|
|
نحو مجتمع إيماني وإنساني .. الإشكالية المعرفية وسؤال البديل الإسلامي
موقع الإمام الشيرازي 29/ ربيع الأول/ 1448
كتاب «معالم المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي»
تشهد الأدبيات الفكرية والسياسية المعاصرة فراغاً نظرياً ملموساً عند محاولة مواءمة المفاهيم الحداثية الغربية مع الخصوصية العقدية والاجتماعية للعالم الإسلامي. من هذا المنطلق، يأتي كتاب «معالم المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي» لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، بتقرير الدكتور هيثم الحسيني الحلي والصادر عن مؤسسة التقى الثقافية في 344 صفحة من القطع الكبير المتوسط، ليمثّل محاولة استراتيجية جادة تروم تأصيل هذا المفهوم، وتحريره من قوالبه الفلسفية المستوردة، وإعادة بنائه انطلاقاً من المرتكزات التشريعية والمقاصدية للفكر الإسلامي. ينطلق الكتاب من تفكيك نقدي صريح للمنظومة الغربية التي تعرِّف المجتمع المدني بحصره في التنظيمات الطوعية الحرة وغير الحكومية الواقعة في الفضاء الفاصل بين الأسرة والدولة. وهنا يبرز تمايز الرؤية الإسلامية برفض إقصاء «الأسرة والعشيرة» من بنية المجتمع المدني؛ إذ يرى المؤلف أن الأسرة تمثل النواة البنائية الحقيقية الأولى التي تتفرع عنها سائر التكوينات المجتمعية الطبيعية. كما يرفض الكتاب اشتراط "اللاربحية" كقيد مانع، مدمجاً النشاط الاقتصادي المسؤول ورأس المال الملتزم ضمن روافد الفعل المدني، ومشترطاً في الوقت ذاته مراجعة أصل التسمية، حيث يرى في مفردة "المدني" قصوراً دلالياً عن الإحاطة بالأبعاد الروحية والتكافلية، مفضلاً توصيفات أكثر شمولاً كـ «المجتمع الإيماني» في دائرة الانتماء العقدي، أو «المجتمع الإنساني» في مداه الكوني الأوسع. وعلى الصعيد المنهجي، بنى السيد المؤلف دراسته على معمارية معرفية تزاوج بين النص التوقيفي والعقل المنطقي الرصين؛ متخذاً من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(التوبة: 71) قاعدة تشريعية كلية تؤسس لمبدأ ««الأساس القانوني النظري الواسع لمؤسسات المجتمع المدني، وفق تشريعات التماسك والتكامل والتكافل الاجتماعي»، وما ينبثق عنها من شبكات التكافل والتضامن الحقوقي والأخلاقي. هذا التأصيل القرآني تعاضد مع استقصاء دقيق للروايات المعتبرة في السنة الشريفة عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام)، ما نقل البحث من سياق التجريد الفلسفي إلى قلب الفقه التطبيقي وبحوث العقيدة. ولم يغفل السيد المؤلف ضبط أدواته المنطقية؛ إذ تجاوز معضلات "الاستقراء الناقص" لغلظة الظن فيه، و"الاستقراء التام" لتعذره واستحالته واقعاً، مستقراً على اعتماد «الاستقراء المعلل» كمسلك منهجي يحقق قدراً معقولاً وموضوعياً من القطع والاطمئنان العلمي في معالجة الظواهر المجتمعية. تتجلى أصالة الرؤية في تقديم نموذج هندسي لحركة المجتمع، ينبثق من التفاعل المتبادل بين أربعة مرتكزات تكوينية هي: الفرد، والجماعة (بصفتها النواة التنظيمية المصغرة)، والمجموع (المعبر عن سواد الأمة وروحها العامة)، ثم الدولة. تنتج عن هذه المرتكزات مصفوفة شبكية تتألف من ستة عشر مساراً وظيفياً واتجاهياً تغطي مساحات الحقوق والواجبات. ومن خلال هذه الديناميكية، تحتل مؤسسات المجتمع موقع « الموازن الاستراتيجي للحكومة، ليحول دون الاستبداد الحكومي لحقوق الناس ومصادرة حرياتهم الأساسية»؛ حيث تمارس دوراً وقائياً حيوياً يحول دون تغول السلطة أو انزلاقها نحو الاستبداد، كما يمنع احتكار الدولة للمجال العام والخدمات الأساسية، ضماناً لصيانة حريات الناس وحقوقهم المشروعة. وقد تُرجم هذا البناء النظري عبر مقدمة منهجية وافية وعشرين فصلاً تكاملياً جرى صقلها بعناية من محاضرات علمية تخصصية. استهلت الفصول مسارها بالتأطير الاصطلاحي للمدارس المجتمعية وتفكيك الأبعاد الكمية والكيفية والمسؤوليات المتبادلة بين الفرد والدولة، ثم انتقلت لتأصيل دور الجماعة والقطاع الاقتصادي ومباني الولاية المتبادلة. كما أفرد الكتاب مساحة وازنة للفئات التضامنية الحيوية كالمرأة والطفل المميز، باحثاً في فقه العمل وحقوق العمال، وسبل مقاومة المؤسسات الهدامة ودرء التداعيات الداخلية والخارجية. وفي محطاته المتقدمة، غاص البحث في قضايا الهوية وأصالة الفرد والمجتمع في مواجهة مخاطر الفردانية والنيوليبرالية المعاصرة، ليبلغ ذروته المنهجية في دراسة كواشف روح الأمة وفض تزاحم العناوين الاعتبارية، وصولاً إلى تتويج العمل ببيان المسؤوليات المحورية للمرجعيات المعتبرة؛ الدينية والمجتمعية، بوصفها الموجه الحكيم لمسار المجتمع في النهوض بأدوار المجتمع المدني ومهامها نحو غايات المجتمع التنموية والروحية. كتاب «معالم المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي»؛ بهذا التناول الشامل، لا يكتفي هذا السِفْر الفكري بمناقشة مفاهيم نظرية عابرة، بل يقدم مشروعاً حضارياً وإصلاحياً متكاملاً يتجاوز السجالات الفكرية، ليضع الأمة ومؤسساتها ونخبها أمام خارطة طريق عملية تؤسس لمجتمع واعٍ بذاته، قادر على حماية نسيجه الأخلاقي والمدني، وتحقيق التوازن الرشيد بين متطلبات السلطة واستحقاقات الإنسان. - من أفكار الكتاب * في نقد المصطلح وحقيقة التسمية .. المجتمع المدني في الرؤية الإسلامية لا ينحصر في الأطر التي رسمتها الفلسفة الغربية، ولعل التسمية بـ (المدني) ذاتها قاصرة عن حمل جوهر هذا الكيان ومسؤولياته، فالأوْلى توصيفه بـ (المجتمع الإيماني) أو (المجتمع الإنساني) ليعبر عن أبعاده القيمية والكونية الشاملة. * في رد الاعتبار للأسرة كنواة أصيلة .. يرفض المنهج الإسلامي إقصاء الأسرة والعشيرة من تعريف وبنية المجتمع المدني؛ فالأسرة هي وحدة الارتكاز الأساسية واللبنة التكوينية الأولى التي تتفرع عنها سائر الجماعات والتنظيمات الاجتماعية. * في الأصل القرآني لمنظومة الولاية المتبادلة .. إن قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يمثّل الأساس القانوني والنظري الواسع لمؤسسات المجتمع المدني، انطلاقاً من تشريعات التماسك والتكامل والتكافل الاجتماعي التي يتحمل فيها الجميع مسؤوليات تضامنية متبادلة. * في دور المجتمع كموازن استراتيجي للسلطة .. تتجلى وظيفة المجتمع المدني في خلق الموازن الاستراتيجي للحكومة، الذي يحول دون الاستبداد بحقوق الناس ومصادرة حرياتهم الأساسية؛ إذ لا يجوز للدولة احتكار الخدمات أو مصادرة المبادرات الأهلية الحرة. * في معمارية المنهج والاستقراء .. إن بلوغ المعرفة المجتمعية الرصينة يقتضي رفض "الاستقراء الناقص" لإيغاله في الظن، والإقرار بتعذر "الاستقراء التام"، والاستناد بدلاً منهما إلى "الاستقراء المعلل" الذي يحقق القدر المقبول والموضوعي من القطع والاطمئنان العلمي. * في مسؤولية الجماعة تجاه الأمة والأجيال .. ليست مؤسسة المجتمع المدني كياناً نفعياً آنياً، بل هي حائط صد معنيّ بحفظ روح الأمة، واستنقاذ مستقبل الشباب، وحماية الأجيال القادمة من آفات التخريب الفكري والاقتصادي. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|