
|
من الاقتصاد الإسلامي .. حرية السوق ورشاقة الدولة |
|
|
|
|
|
|
|
|
من رؤى وأفكار الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته)
موقع الإمام الشيرازي 4 / ربيع الآخِر/ 1448
يمثل الاقتصاد عصب الحياة للمجتمعات المعاصرة، والمحرك الأساسي لتحقيق الاستقرار والرفاهية والتقدم الاجتماعي. لذلك، فإن من الضروري اهتمام الدولة بالجانب الاقتصادي؛ فكما يقال: الكرامة الاقتصادية توجب الكرامة الاجتماعية. فعن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزّ وجلّ): ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾(البقرة: 201)، قال: "رضوان الله والجنة في الآخرة، والسعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا" (وسائل الشيعة: ج12 - ص2). وعن المعلّى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تأخرت عن السوق، فقال (عليه السلام): "اغدُ إلى عزك" (وسائل الشيعة: ج12 - ص3). إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تحث على التجارة وطلب الغنى. ولمواكبة متطلبات العصر، يتطلب البناء الاقتصادي القوي؛ يجب على الدولة أن لا تثقل نفسها بالأعمال والموظفين، وأن يقتصر عملها على التخطيط والإشراف ـ ولا غير ـ على سير برامجها الاقتصادية والثقافية والتربوية وغيرها، وإن تبني هذا النهج يضمن رعاية الدولة للتوجهات الاستراتيجية العليا، بينما يترك مجالات التنفيذ والإنتاج لمرونة قطاعات المجتمع؛ مما يدفع عجلة التنمية المستدامة بكفاءة عالية ويحمي موارد الدولة من الهدر الديمقراطي. والاقتصاد في الدولة الإسلامية - شأنها شأن الدول الحديثة - يعتمد على أسس عدة، أبرزها: إطلاق الحريات الاقتصادية من خلال إتاحة المجال أمام الناس في التجارة، والزراعة، والصناعة، والعمارة، وحيازة المباحات؛ فإذا أثرى الشعب أثرت الدولة تباعاً عبر أدائه للحقوق المالية، وبذلك يخفّ العبء الواقع على كاهل الدولة نتيجة انحسار رقعة الفقر والحاجة. النشاط التجاري عبر ممارسة الدولة نفسها للتجارة والاستثمار. استثمار الموارد الطبيعية من خلال الاستفادة من الثروات المعدنية وغيرها. تقليص الجهاز الوظيفي للدولة فإن التضخم الوظيفي المشهود اليوم ما هو إلا نتاج الاستبداد وسوء الإدارة؛ وقد جاء في تقرير دولي أن جمال عبد الناصر كان بحاجة إلى عدد محدود من الموظفين لإدارة شؤون مصر، غير أنه ضاعف أعدادهم التماساً للتأييد والموالاة، مما أفضى إلى إرهاق الاقتصاد وإفقار المجتمع. كما أن التوسع غير المبرر في استحداث الدوائر الحكومية يكرس كبت الحريات، ويهدر الطاقات، ويفاقم ظاهرة البطالة المقنعة؛ فهؤلاء الموظفون عاطلون حقيقة، ويشكلون عبئاً مضاعفاً؛ عبء استهلاكهم دون نتاج نافع، وعبء استنزافهم لأوقات المراجعين وأموالهم دون جدوى. وعليه، يتعين على الدولة إغلاق الدوائر الفائضة، وإعادة المؤسسات الضرورية إلى حجمها الطبيعي. تجنب السرف والتبذير، وذلك بالحيلولة دون إهدار أموال الدولة في رواتب المسؤولين ونفقاتهم الشخصية، أو بذريعة المصالح العامة؛ فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقتصر على حد الكفاف، حتى رُوي: "كنا نعيش بالأسودين: الماء والتمر، ونُطعم بالأحمرين: اللحم والحنطة" (سنن ابن ماجه: ج2 - ص1388). إلى جانب ذلك، لا تحتكر الدولة المال؛ فالمال مال الله، والأمة عباده، والسلطة أمينة عليه. ومن ثَمّ تُكفَل حوائج الناس كافة؛ فلا يبقى في كنفها مواطن بلا سكن، أو محروم عاجز عن الزواج، أو عاطل عن العمل؛ إذ يُمنح رأس المال لمن عوزه التمويل، وتكفل حرية السعي لمن طلب العمل. إن وفاء النموذج الإسلامي بحاجات الأفراد لم يكن مقصوراً على البلدان ذات العوائد النفطية؛ إذ تحقق الرخاء في عهود إسلامية خلت قبل اكتشاف النفط والمعادن، وبمعزل عن المصانع الكبرى، وذلك بفضل ركائز خمْس: الحريات الواسعة المكفولة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157). إباحة استثمار الأرض، عملاً بالقاعدة النبوية: "الأرض لله ولمن عمّرها" (وسائل الشيعة: ج17 - ص326). وازع الإيمان والضمير في العمل، لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾(التوبة: 105)، وقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾(الطور: 21)، وحديث: "الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله" (وسائل الشيعة: ج12 - ص42). استنفار الطاقات الفكرية والبدنية؛ لقوله (صلى الله عليه وآله): "فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة" (نهج الفصاحة: ص436)، وإصلاح المعاش يندرج تحت هذا التفكر. وكذلك قوله (عليه السلام): "مَن وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله" (وسائل الشيعة: ج12 - ص24)، ونبذه (صلى الله عليه وآله) للبطالة حتى قال فيمن لا عمل له: "سقط من عيني" (انظر المستدرك: ج13 - ص11). في مقابل ثنائه (صلى الله عليه وآله) على اليد الشاقية بقوله: "إن هذه يد يحبها الله"، وقوله لفاطمة (عليها السلام) وهي في عناء عملها: "يا فاطمة، تعجّلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة" (نور الثقلين: ج5 - ص594). صيانة المال العام والتعامل معه بمسؤولية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾(آل عمران: 161)، ولما رُوي: "إن الله أوحى إلى داود: نِعْمَ العبد أنتَ لولا أنك تأكل من بيت المال، فبكى داود وأخذ يأكل من كسب يده" (وسائل الشيعة: ج12 - ص22). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|