الإخلاص وآثاره*


مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿قال فبعزّتك لأغوينهم أجمعين. إلاّ عبادك منهم المخلَصين﴾[1].


الفرق بين المخلِص والمخلَص


هناك فرق بين المخلِص والمخلَص؛ فالمخلِص مَن كانت أعماله خالصةً لله، أي يقوم بها لله فقط، ولا يقوم بها لغيره لا بالانفراد أي لغير الله فقط، ولا بالشركة أي لغير الله ولله معاً. وقد وردت في هذا المعنى آيات عديدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾[2].

أمّا المخلَص - بصيغة المفعول - فهو من طبعه الله بطابع الإخلاص أي ختمه ومهره بختم الإخلاص، فاستخلصه وجعله خالصاً وأيد إخلاصه. ووردت في هذا المعنى أيضاً آيات عديدة، منها الآية التي صدّرنا بها البحث.

وفي هذه الآية يُقسِم الشيطان بعزة الله تعالى بعد أن طرده الله من الجنة لمّا رفض السجود لآدم (عليه السلام) أنّه سيقوم بإغواء بني آدم كلهم ولكنه استثنى منهم عباد الله المخلَصين. فإنّ مَن استخلصهم الله تعالى ووقّع على إخلاصهم، لا يقدر إبليس على إغوائهم، ولم يستثنِ غيرهم حتى المخلِصين - بكسر اللام -.


المخلِص والمخلَص في القرآن


هناك ظاهرتان ملحوظتان في القرآن الكريم بالنسبة إلى كلمتي «مخلِص» و«مخلَص»؛ الظاهرة الأولى: إنّه حيثما ذُكر قَسَم الشيطان لله تعالى بإضلال بني آدم وإغوائهم - ولقد ورد في آيات عديدة وبألفاظ مختلفة - فإنّه لم يستثنِ المخلِصين ولا مرة واحدة، بل كان الاستثناء للمخلَصين دائماً.

الظاهرة الثانية: كلّما كان المورد يرتبط بالإنسان وأعماله فإنّ القرآن يذكر كلمة «مخلِص»، وكلما كان الموضوع يتعلق بالله وشأنه هو فإنّه يستعمل كلمة «مخلَص». فلو أنّ عبدا قُبل إخلاصه عند الله سُمّي مخلَصاً، أمّا عندما يريد القرآن أن يذكر أحكاماً ترتبط بالإنسان فإنه يورد كلمة مخلِص، والآيتان المذكورتان آنفاً خير مثال ودليل على ذلك.

فليس من شأن الإنسان أن يكون مخلَصاً - فالمخلَص مَن أخلصه الله - وإنّما من شأنه أن يكون مخلِصاً لله تعالى في أعماله وعباداته ونواياه.

وهذا هو الفرق بين المخلِص والمخلَص في القرآن. فالذي يبلغ به الله تعالى الدرجة الرفيعة هو المخلَص. أما المخلِص فعليه أن يعمّق إخلاصه حتى يجعله الله مخلَصاً.


الإخلاص من الأمور الواقعية


هناك في الحياة أمور مادية، وأخرى واقعية. فكثير من الأمور المادية لا واقعية لها، أما الأمور الواقعية فهي التي لها واقع وحقيقة أعم من أن تكون مادية أو معنوية. فمن الأمور الواقعية في الحياة مثلاً: أنّ الإنسان الذي يستطيع أن يسيطر على أعصابه ويملك نفسه تجاه السفهاء من الناس لا يفقد صحته ولا دينه ولا كرامته في المجتمع، خلافاً لمن يثور بسرعة فيفقد السيطرة على أعصابه وربما ردّ الكيل بمكيالين والصاع بصاعين، ويكون مصداقاً للحديث الشريف: «قد ينقلب المظلوم ظالماً» فيفقد دينه، كما يخسر صحته بسبب هياجه وغيظه، وتتزلزل مكانته الاجتماعية لتعرضه للنقد أو النصح الدائم من قِبل الآخرين. فثورة الشخص الثاني وصراخه وغضبه وعراكه ومرضه وانهياره… كلها أمور مادية ولكن لا واقع وراءها؛ بدليل أنّ الشخص الأوّل في المثال تصرّف تجاه الواقع نفسه بصورة ربح فيها الموقف دون أن يخسر شيئاً مما فرّط به الشخص الثاني.

مثال آخر: شخصان تقدِّم لكل منهما رغيفاً من الخبز، يشبع الأوّل منهما قبل أن يبلغ نصف رغيفه، بينما يكمل الثاني رغيفه وما زال يشعر بالجوع. فهل القرص الواحد من الخبز يُشبع حقيقة أم لا؟ نقول في الجواب: لا هذه النسبة تمثل الواقع ولا تلك, وإنما هذه الأمور المادية تعود إلى التربية والعادة التي عوّد المرء نفسه عليها، كما في المثال السابق، وهذا حال كثير من الماديات.

أما الواقعيات فليس حالها هكذا، بدليل أنّ الناس لا يختلفون فيها. فإنّ الجهل قبيح واقعاً، وهذا لا يختلف عليه اثنان من العقلاء. فمن كلام لأردشير بن بابك في رسالته إلى أبناء الملوك (حسبكم دلالة على فضل العلم أنّه ممدوح بكل إنسان يتزين غير أهله ويدّعيه مَن لا يلصق به. وبحسبكم دلالة على كل عيب الجهل أنّ كل أحد ينتفي منه ويغضب أن يسمى به)[3]. فحتى الذي ليس عنده علم يحبّ أن يقال عنه عالِم، ويفرح بذلك حتى لو كان كذباً. كما أنّ الجاهل لا يرضى أن يقال عنه جاهل وإن كان كذلك حقيقة. وهذا يدل على أنّ العلم له واقعية والعقل له واقعية، وهكذا حال سائر الواقعيات.

وكون الإخلاص أمراً حسناً وممدوحاً من الأمور الواقعية؛ فإنّ أيّ عاقل سينْزعج ويتأثر لو قيل إنّه غير مخلص في عمله. كما أنّه حتى غير المخلص يفرح لو قيل عنه إنّه مخلص وإن لم يكن كذلك واقعاً. وهذا دليل على واقعية كون الإخلاص حسناً، كواقعية الصدق والشجاعة والكرم وكل ما هو حسن.


آثار الإخلاص في الواقع العملي


هذا وللأمور الواقعية آثار تترتب عليها ولا تتخلف عنها، وهذه الآثار تتناسب بصورة طردية مع درجة الواقعية ونسبتها. فكلما زادت واقعية الشيء زادت آثاره.

توفي أحد  العلماء (رضوان الله عليه) فنقل عن أحواله أنّه كان إذا دُعي للصلاة على الميت، يحضر الجنازة فيصلي عليها ولا يتأخر بعد ذلك بل ينصرف إلى أعماله وشؤونه الاجتماعية، فلقد كان مرجعاً صاحب رسالة عملية يرجع إليه الناس في أمور دينهم. واتّفق في يوم من الأيام أن مات أحد القصابين في ذلك البلد، فأُخبر العالِم فحضر للصلاة عليه، ولكنه - على خلاف عادته - تأخر هذه المرة حتى دفنوا الميت ثم جلس على قبره وقرأ له الأدعية وبعض السور من القرآن.

يقول راوي القصة: أثار هذا الأمر استغرابنا لأنّ الميت لم يكن من أقرباء العالِم ولا كان من العلماء أو الزهّاد فنفهم سر اهتمام هذا العالِم به. وعندما همّ بالانصراف توجهنا إليه بالسؤال عن سر اهتمامه بهذا القصاب والإكثار من الترحّم عليه، فقال: إنّ هذا القصاب ساعدني حيث لم يساعدني أحد، فكان يقرضني وهو لا يعرفني في وقت كنت محتاجاً، ودون أن يأمل حتى بقدرتي على إرجاع المال إليه. فيوم قدمت إلى هذا البلد كنت فقيراً ولم يكن أحد يعرفني حتى هذا القصاب ما كان يعرفني ولا أعرفه، إلاّ أنّي كنت أشتري منه اللحم، وفي إحدى المرات لم يكن عندي مال لأدفع الثمن، وكنت معيلاً، فقال لي: لا بأس أنا مستعد لأن أبيعك اللحم ويكون ثمنه دَيناً في ذمتك، وتكررت الحالة في اليوم الآخر، ولعدة أيام، وهو يقرضني برحابة صدر دون أن يعرفني أو يعلم أنّي قادر على تسديد الديون - فقد كنت طالباً ولا أملك مورداً آمل أن يأتيني منه المال - ولا أوصاه أحد بي، فقد سألته يوماً: هل أوصاك أحد بي؟ فقال: لا. قلت: تعرفني إذاً؟ قال: لا. قلت: لماذا إذاً تقرضني؟ قال: رأيتك مؤمناً بادي الصلاح ومعيلاً فأقرضتك في سبيل الله فإن حصلت على المال رددته إليّ، وإن لم تحصل فلا بأس عليك ولا أخسر في صفقتي مع الله.

يقول العالِم: أُعجبتُ بإخلاص هذا الرجل الذي ساعدني دون أن يعرفني قربة إلى الله تعالى.

فإذا كنّا لا ننسى المساعدة المخلصة من دون آلاف المساعدات الأخرى، ونقدّرها - على قصر عقولنا - وإذا كنا ندرك هذه الحقيقة ولا نختلف فيها - وهذا يعني أنّها من الواقعيات، وللواقعيات آثارها كما قلنا - فكيف بالله تعالى وهو أحكم الحاكمين.

يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ لنا محبين لو قطعنا الواحد منهم إرباً إرباً ما زادوا إلاّ حباً، ولنا مبغضين لو ألعقناهم العسل ما ازدادوا إلاّ بغضاً»[4].

فهل يُعقل أن يُقطَّع أحدٌ بالسيف ومع ذلك يحب مَن قطّعه؟

نقول: إلاّ أن يكون حبه لله تعالى وليس لشخصه.


 وتبقى آثار الإخلاص في عقب المخلِص


في الروايات أنّه «لما أُهبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو لكل جنس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر منهن نوافج المسك، فلما رأى ما فيها من ذلك غزلان أُخر فقالوا: من أين هذا لكنّ؟ فقلن: زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهنّ ومسح على ظهورهنّ فلم يظهر لهن من ذلك شيء، فقالوا: قد سلّمنا كما فعلتم فلم نرَ شيئاً مما حصل لكم؟ فقالوا: أنتم كان عملكم لتنالوا كما نال إخوانكم وأولئك كان عملهم لله من غير شيء فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة»[5].

حكي أنّ رجلاً من الأعراب زار  ضريح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ونظم عنده بيتاً واحداً من الشعر مختل الوزن وعارياً من أية بداعة لفظية، فانحلّت عروة قنديل من الذهب معلّق في الحرم وسقط القنديل أمامه وقدامه على الأرض، فقيل للأعرابي: إنّ هذا القنديل سقط إكراماً وهدية لك من الإمام عليه السلام؛ وذلك لأنّ الأمر كان خلاف العادة، فالقناديل محكمة الربط بسلاسل حديدية، ففُسِّر الأمر على أنّه كرامة من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لهذا الأعرابي.

فسمع أحد شعراء النجف الأشرف في تلك الأيام بالقصة فنظم قصيدة عصماء وقرّر أن يلقيها عند ضريح الإمام (عليه السلام) ليحصل على قنديل من ذهب - إن لم يكن أكثر - وسمعة طيبة مادام الإمام أعطى ذلك الأعرابي قنديلاً رغم ركاكة بيته. واجتمع أصدقاؤه في الحرم في اليوم المقرّر الذي أخبرهم به، وشرع بقراءة البيت الأوّل ولم يسقط قنديل، واستمر فقرأ البيت الثاني ثم الثالث والرابع حتى نيف على العشرين وأكمل القصيدة، ولكن دون جدوى. وتألم الشاعر كثيراً وأُسقط في يده، فتقدم نحو الضريح المقدس وخاطب الإمام (عليه السلام) بلهجة تنم عن البساطة وقال: ذاك الأعرابي أنشد لك بيتاً واحداً من الشعر الذي لا يُعرف أوّله من آخره وهو خالٍ من المعاني البديعة، وأنت أعطيتَه جائزة، وأنا أتيتك بهذه القصيدة العصماء التي أتعبت نفسي فيها، ولم تكافئني عليها. ثم انصرف متألماً.

ولكنه رأى في عالَم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له: ماذا عتبتَ عليَّ هذا اليوم؟ فقال: إذا كانت القضية قضية شعر فشعري أجمل وأبلغ، فلماذا أعطيته وحرمتني؟ قال له الإمام: أنا عندي ذائقة شعرية  ولكن الفرق أنّ ذلك الأعرابي قال الشعر لي وأنت قلته للقنديل! اذهب وطالب القنديل. صحيح أنّك مدحتني ولكن لا لأجلي بل من أجل القنديل والكرامة الاجتماعية؛ أما ذاك فكان مدحه لي أنا فحسب.


 الإخلاص عند طلبة العلوم أصعب


ونحن -طلبة العلوم الدينية- مبتَلَون في مسألة الإخلاص أكثر من غيرنا، لأنّنا قد نصل- نتيجة دراستنا- إلى مواقع في المجتمع يطمع الشيطان بسببها في إغرائنا، لأنّ أحدنا لو زلّ - لا سمح الله - فسيزل ويضل بسببه خلق كثير.

هذا إضافة إلى ما في الموقع نفسه من إغراءات، كما لو بلغ أحد موقع الرئاسة حيث تُجبى إليه الأموال ويحظى باحترام الناس وتقديرهم وحبهم، وكذا لو كان وكيلاً للمرجع أو خطيباً أو أيّ موقع اجتماعي مرموق.. فإنّ مثل هذه الأمور مغريات كثيرة تتطلب منا اليقظة بدءاً واستمراراً. فإن كان نظر الإنسان إلى هذه اللوازم التي تأتي نتيجة موقع المسؤولية - كالهيبة والتقدير والوجاهة أو الأموال والمكاسب المادية الأخرى - وكانت هذه الأمور هي التي تدفع الإنسان للعمل، فهذا ما يخشى منه حقاً، فإنّه قد يقال للإنسان بعد تعب مرير وعناءٍ كثير: لقد فعلت ما فعلت من أجل هذه الأمور وقد حصلت عليها فلا شيء لك عندنا. لقد عملتَ للشهرة والسمعة وحسن الصيت ومن أجل أن يقال لك - مثلاً -: كاتب جيد أو خطيب مصقع أو عالم عامل أو ما أشبه، فقد نلت مرامك. فنكون كمَن نظم القصيدة للقنديل وليس للإمام (عليه السلام)، أو كالغزلان التي ذهبت للقاء آدم (عليه السلام) ولكن من أجل نوافج المسك وليس من أجل آدم نفسه. أما مَن عمل هذه الأمور ولم يكن يرجو من ورائها مالاً ولا جاهاً ولا أموراً دنيوية أخرى، بل عمل لله فإنّ الله يقدّر له عمله ويجازيه أحسن الجزاء.

فلنعتبر قبل فوات الأوان وقبل أن نكتشف أنّه لات حين عبرة، ولنأخذ الدروس من قصص الآخرين. فإذا كان الإنسان بفطرته يدرك أنّ المخلِص هو الحري بالثواب دون غيره - كما تبين لنا ذلك في قصة العالِم الذي كرم القصاب بعد وفاته بسبب إخلاصه - وأنّ للإخلاص آثاراً وضعية وتكوينية وأنها تبقى حتى في أعقاب الشخص إلى يوم القيامة، فلنراجع أنفسنا إذاً وننظر هل أعمالنا ودراستنا وجهادنا وجهودنا لله حقاً أم هناك ضمائم نشركها مع الله سبحانه، ولنعرف أنّ بلاءنا أعظم لأنّ الشيطان يستهدفنا أكثر من غيرنا، ومغرياتنا كثيرة؛ ولذلك ترى المخلِصين قلة والمخلَصين أقل!

لو سئل أحدنا عن عدد الأشخاص الذين عرفهم في حياته وهم مخلصون لله  حقاً، فلربما لزمه نصف ساعة من التفكير والاستذكار حتى يحضر إلى ذهنه اسم شخص واحد فقط من هذا النمط، ولو فكّر أحدنا فيمن حوله من أصدقائه وأقاربه فكم سيكون عدد المخلصين بينهم؟

بل لنسأل أنفسنا: لو سئل غيرنا هذا السؤال فهل سيعدّنا ضمن مَن يعدّهم مخلصين أم لا؟ وإن كان المهم هو أن نُعدّ من المخلصين عند الله لأنّه حتى لو عدّنا زيد أو عمرو من المخلصين فما الفائدة إن لم نكن كذلك عند الله حقاً! فإن كنّا كذلك وكانت دراستنا وتعليمنا وتعلّمنا وجهادنا وكل خدمتنا لله، فإنّ آثار هذا الإخلاص ستظهر علينا شيئاً فشيئاً ويستطيع  غيرنا أن يحسّ منّا ذلك أيضاً، وإن كان الأفضل أن يخفي الإنسان ذلك - كما في الأحاديث - ولكن الله سبحانه وتعالى يظهر آثار الأمور الواقعية طبعاً، عاجلاً أم آجلاً.

ولكن حتى هذا الأمر - أعني الطمع بظهور آثار الإخلاص - لا ينبغي أن يكون هو الدافع لنا نحو التحرك والعمل، بل ليكن عملنا لله وحده، وإلاّ فلو عملنا بإخلاص من أجل نتيجة الإخلاص فإنّ ذلك لا ينفع أيضاً، بل سيكون من الدور في المسائل - على حد التعبير المنطقي -.

هذا والإخلاص مرتبة صعبة ولكنه بالنسبة إلى بعض أصعب، وذلك لأنهم يستطيعون لمعرفتهم بعض الشيء أن يكيّفوا أعمالهم بنحو بحيث يتصور مَن يلاحظهم أنّهم مخلصون. ومن ثم فإنّ إخلاصهم يكون أكثر أجراً كما أنّ عقوبتهم على الزلاّت وعدم الإخلاص أشد؛ لما ذكرنا من الأسباب ولأنّ عملهم يقتدي به الآخرون. فلو شعر من يصاحبنا بعد فترة أنّا كنا نتصنّع الإخلاص ولم نكن مخلصين حقاً، فربما يشك على أثره في المخلصين من أهل العلم كلهم، ويقول مع نفسه: إنّ هذا الذي عاشرته كل هذه المدة متصوّراً أنّه مخلص تبيّن لي زيفه، فكيف بالآخرين، وهم يعرفون جيداً كيف يتظاهرون بالإخلاص؟!

وهكذا يكون لعمل شخص واحد من أهل العلم متظاهراً بالإخلاص تأثيراً سيّئاً على المخلصين الحقيقيين من العلماء؛ إذن، من الأسس التي يجب على الإنسان أن يسأل الله التوفيق فيها والاستمرار عليها هي أن تكون أعماله لله حقيقة.

لا بأس أن يدرس الإنسان لكي يكون مرجعاً أو مبلّغاً أو خطيباً أو عالِماً في بلدة ما، ولكن ليكن كل ذلك لثواب الله وأجره. ومَن كان هذا هدفه لا يهمه ما يقوله في  حقه زيد أو عمرو، لا سلباً ولا إيجاباً. صحيح إنّ التشجيع والتثبيط لهما أثر في نفس الإنسان، ولكن مَن بلغ درجة الإخلاص  لا يؤثران في حركته.

لو شجّعنا أحد بشيء وكنّا نجهله فلا بأس، كأن يقول لنا: إنّ لدراسة الفقه كذا من الأجر والثواب، ويكون قوله دافعاً لنا للمزيد من الجد في هذا الطريق. أما لو كنّا - فقط - ننتظر أن يقول لنا الآخرون ذلك من باب الإطراء والاحتفاء، فلنعلم أنّ هذا الأمر الذي أدركته عقولنا  القاصرة لا يخفى على الله تعالى، وكل شيء عنده بمقدار.

إنّ الشيطان الغويّ يفرّق بين المخلِص والمخلَص،  وعندما يريد أن يتكلم مع  الله يعرف كيف يكون الكلام عن كل منهما. فهو يستثني المخلَصين، أفلا يعرف الله ذلك من نفوسنا؟!

سبحان الله! إنّ الله يعرف كل ذلك ويزن لنا بنفس الموازين ويعرّفنا بها حتى تنقطع حجتنا «فللَّه الحجة البالغة»[6].

لننظر بأنفسنا كم يؤثر فينا التشجيع والتثبيط. فإن كان التثبيط يؤثر فينا مئة في المئة فذلك دليل على أنّ الإخلاص غير موجود فينا حتى بنسبة الواحد في المئة. وذلك كما لو أردت أن تقوم بعمل لله - وليكن تأليف كتاب في خدمة طريق الله مثلاً - ثم لاحظت أنّ هناك مَن يتكلم ضدك في حضورك أو غيابك ويقول إنّك مراءٍ أو كذا وكذا.. فإن قلت: لا فائدة ترتجى! أنا أعمل والناس يتكلمون ضدي فلأتركه إذاً! فهذا دليل على أنه لا وجود للإخلاص في عملك؛ إلاّ إذا كان هناك مصلحة دينية في ترك العمل أي كان الترك لله أيضاً وليس بسبب تأثرك لنفسك.

مثال آخر: ما لو لم تكن تفكر القيام بعمل ما؛ ولكن شجعك المشجعون ورأيت بأنّه توجد رغبة عند الناس في هذا الأمر، فقمت به من أجل رغبة الناس وليس لأنّ الله أمرك به أو أحبّه، فهذا أيضاً يعني غياب الإخلاص، والعياذ بالله! فهذان مثالان على عدم وجود الإخلاص حتى بنسبة واحد في المئة.

ولكن لو كان العمل لله وكان التشجيع أيضاً وراء العمل. أو كان الترك لله وللتثبيط معاً، فهذا يعني وجود الإخلاص بنسبة.

لقد كان العلماء السابقون - وقد أدركتُ بعضهم - يعرف المرء إخلاصهم من الآثار الظاهرة عليهم بفضل الله وتوفيقه. فكانوا يدرسون لله حقاً، ويدرّسون لله، ويعملون لله.

وعلينا أن نربي أنفسنا لنكون كذلك، ويكون كل عملنا لله تعالى، ولنروّض أنفسنا لنكون كذلك في المستقبل إن لم نكن قد بلغنا ذلك الآن. وبذلك نرغم أنف الشيطان، فإنّ الإمام عليه الصلاة والسلام يقول: «لابن آدم لمتان؛ لمة من الملك ولمة من الشيطان»[7].

واللمة: الهمة والخطرة تقع في القلب.

والإمام المعصوم (عليه السلام) هو خير مَن يعرف الشيطان ولذلك يجتنبه، لكنّا لا نعرفه كما يعرفه الإمام وإلاّ لكان ابتعادنا عنه كابتعاد الإمام. أرأيت كيف يفرّ أحدنا من الظالم أو من الحيوان المفترس؟! إنّ ذلك لمعرفتنا بهما. فلو كنت في غرفة ليلاً وأردت النوم وقيل لك إنّ في الغرفة حية مختفية فهل يغمض لك جفن أم تبقى حذراً حتى الصباح؟!

إنّ الشيطان أخطر من الحية وهو عدوّنا الذي حذّرنا الله منه، فلنحذره ولا ننخدع به قبل أن يفوتنا الأوان وينتصر علينا لا سمح الله فيسخر منّا ونندم عند ذلك ولا يفيدنا الندم. فلقد ورد في الحديث عن المعصوم (عليه السلام): «إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يغلب خيره شره قبّل الشيطان بين عينيه وقال: هذا وجه لا يفلح».

لاشكّ أنّه لا يأس من رحمة الله لمن بلغ الأربعين أو أكثر ولكن  التحول عند ذلك استثناء «إلاّ مَن رحم ربي» وليس قاعدة، وفيه صعوبة بالغة.

فالشباب أقدر على أن يسحقوا جبين الشيطان ويرغموا أنفه فليبادروا قبل أن يتمكن الشيطان منهم فإنّ الخلاص من ربقته في المستقبل أصعب. والشيطان نفسه يعرف ذلك ويعرف أنّ الإنسان إذا بلغ الأربعين ضعفت قواه وإرادته على محاربة الشيطان إلاّ مَن رحم الله.

فإذا كان الأمر كذلك فلنبدأ من الآن في مراجعة أنفسنا كل يوم، كل في مجال عمله، ولنَزنها قبل أن يصعب الأمر علينا أكثر وقبل أن تصيبنا الغشاوة التي تكون مانعاً من نفاذ نور اليقين والعلم إلى أعماقنا، لكي نتمكن أن نميّز أصلاً ما هو الشيطان، وما هو الإخلاص!

انظروا الآن إلى هذه الكلمات التي أقولها وتمعنوا فيها، أنا أشعر بأنّها حقائق وأنّها تحكي عن واقع، ولا شكّ يشاركني التصوّر نفسه كثيرون، ولكن ما هو مدى اهتمامنا بهذا الواقع الذي نعتقد به ونعتقد أنّه أساسي وأنّ كل الأمور الأخرى مبنية عليه؟!

هذا الأساس الذي لو تزحزح لسقط كل البنيان الذي فوقه، ماذا سنجيب لو سُئلنا عنه يوم القيامة؟ ماذا نقول لو سُئلنا: ماذا عملتَ لنا - أي لله تعالى -؟

إذن علينا -نحن طلبة العلوم الدينية- أن ننتبه إلى خطر عدم الإخلاص في أوساطنا أكثر من غيرنا لأنّ للإخلاص فينا آثاراً تظهر علينا وعلى غيرنا، وتؤثر في غيرنا وتنير له الطريق، كما أنّ عدم إخلاصنا ستكون - والعياذ بالله - له أسوأ الآثار،  وربما يبقى في التاريخ، ويسلك كثيرون الطريق المعوج بسببنا نحن نتيجة لعدم إخلاصنا، أو نتيجة لما استنبطوه هم من سلوكنا كذلك؛ ولهذا كان يجب علينا الاهتمام بموضوع الإخلاص أكثر من غيرنا.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ الشيطان ينشط في أوساطنا أكثر ويدلّينا على الطرق التي يمكن أن نظهر فيها بصورة المخلصين ولسنا منهم. نعوذ بالله من الشيطان ونسأله التوفيق لأن نزن أنفسنا دائماً حتى ننتقل إلى درجة المخلِصين ثم المخلَصين إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين


[1] سورة ص: 82 - 83.

[2] سورة البينة: 5.

[3] شرح نهج البلاغة: ج18، ص230

[4] بحار الأنوار: ج34، ص267.

[5] بحار الأنوار: ج62، ص89.

[6] سورة الأنعام: 149.

[7] بحار الأنوار: ج 67، ص49، باب44 القلب وصلاحه وفساده.

* من محاضرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله).