![]() |
|
|
لمحات ديمقراطية من حياة الإمام علي بن أبي طالب .. مقاربات موضوعية
موقع الإمام الشيرازي هناك من الناس من يسبق عصره في طرح الفكرة، لذا لا يأخذ موقعه المفترض في حياته، ولكن الزمن هو من يتكفل في إجلاء الحقيقة وإظهارها, وما حدث للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، حينما كان يطلق الفكرة ويمارسها على صعيد التطبيق، لا يستوعبها الكثير من الذين عاصروه، بل تجد منْ يعترض عليها، ويسخر البعض الآخر منها, ففي حياة الإمام علي لمحات تجاوزت الزمن الذي عاش فيه, وبما أننا على أعتاب ذكرى شهادته وفي أيامه, لاسيما ونحن الذين عشقناه لعشقه للإنسانية، وتربينا على تعاليمه الأخلاقية, لابد وأن يمر نسيمه وشذاه الإنساني على أرواحنا العطشى وقلوبنا التي أتعبها الترحال بين متاهات الأفكار, وأن نستعيد تلك الوقفات الرائعة لنقف من خلالها على عظمة الإنسان، حينما ينطلق نحو الدائرة الأكبر وهي الإنسانية, وحينما يتجرد من نزعاته الذاتية, وهذه اللمحات سميتها بالديمقراطية، وإن لم تكن الديمقراطية معروفة كمصطلح في زمن الإمام علي، وقد يستغرب البعض من هذه المقاربة, ولكن الديمقراطية تعني المشاركة بمعناها العام, فقد مارسها الإمام أمير المؤمنين على المستوى العملي التطبيقي, فهو الحاكم الأول الذي دعى الى الانتخاب المباشر من قبل الشعب، فقد رفض البيعة المقتصرة على النخبة، وطالب بانتخاب جماهيري واسع ليحقق للجميع فرصة انتخاب من يرغبون للقيادة أي بمثابة الانتخابات العامة والتي هي مرتكز رئيس في العملية الديموقراطية, وحينما يرفض البعض انتخابه يكون رده ديمقراطياً متبنياً فكرة حرية الرأي والاختيار, فهذا الصحابي عبد الله بن عمر يدخل عليه ويرفض انتخابه، وحينما يسئله الإمام عن السبب يقول له: (أعطني سيفا يفرق بين المسلمين والكافرين لأبايعك)، أي أنك تقتل دون تميز، وهو اتهام صريح للإمام, لكن جوابه لابن عمر: (لا تبايع على رسلك) أنت حر, فأراد عبد الله أن يخرج فقام له مالك الأشتر فقال له: (والله لا تخرج من هنا حتى تأتينا بكفيل)، فرد الإمام عليه اتركه يا مالك أنا كفيله)، أي لا يحق لنا أن نجبره على شيء هو غير مقتنع به, وحينما يرسل حاكما الى مصر يوصيه بثوابته الإنسانية التي تُعدُ اليوم من المرتكزات المهمة في بناء المجتمعات المدنية، فيقول له: (واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك)، أي أن معيار الحاكم بالنسبة للمواطنين هو المواطنة وليس الدين أو العرق, وهذه العبارة السالفة، قال عنها كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، يجب أن تنشدها البشرية, فالإمام علي (عليه السلام) يزرع ثقافة التعايش السلمي ومبدأ التعددية، ويبذر الحب الذي أهم مقوم للفكر الديني والذي مع الأسف شوهه الراديكاليون والمتطرفون ممن يحملون الدين كونه حالة عصبية أو مطلقات لا يمكن مناقشتها, فنرى علياً في موقع آخر يقول للمسؤولين: (انصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية ووكلاء الأمة... ولا تضربن أحداً سوطاً لمكان درهم، ولاتمسّن مال أحد من الناس، مصلّ ولا معاهد)، والمعاهد هو غير المسلم، واليوم وبعد تلك القرون، ننادي بهذه المبادئ الإنسانية العظيمة ونسعى الى تحقيقها, ولكن علي بن أبي طالب مارسها كحاكم بشكل عملي في الكوفة، وهو يمر على رجل يتسول ويطلب من الناس, فيسأل عنه ويجيبوه بأنه مسيحي غير مسلم, فينتفض هذا الحاكم العادل فيقول لهم زاجراً: (استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، انفقوا عليه من بيت المال)، هنا يؤكد الإمام على حقوق المواطنة الكاملة لجميع المواطنين دون تميز. أما على صعيد فصل السلطات والتي تعتبر سمة مميزة للنظام الديموقراطي، فقد نقل لنا تاريخ الإمام علي بن أبي طالب صورة رائعة بهذا المضمار، وكان الإمام آنذاك رئيساً للدولة الإسلامية، وهو يشاهد أحد رعاياه يحمل درعاً يخصه, فيقاضيه لدى قاضي الكوفة (شريح), فيجلس إلى جانب ذلك الرجل يخاصمه مخاصمة رجل من رعاياه، فقال الإمام: "إن هذه درعي لم أبع ولم أهب"، فقال الرجل: "الدرع درعي، وما أمير المؤمنين عندي إلا بكاذب"، ققال شريح: "ما تقول يا أمير المؤمنين، فهل عندك دليل وبينه", فقال علي: "لا"، فيقضي القاضي للرجل, وهذه الصورة تبين لمحة جميلة لسيادة القانون وإستقلال القضاء وحيادية المحاكم, وما أكثر هذه اللمحات في حياة الإمام الذي أراد أن يُكرس من خلال ممارساته العملية مفاهيم انسانية عظيمة يتفاخر العالم المتقدم اليوم بتطبيقها كالتعددية والمساواة والتسامح وثقافة اللا عنف والتعايش والانفتاح على الآخر، ففي منظور الامام علي أن الدين قائم على هذه المبادئ فالعبادة علاقة مع الله وهي تخص الانسان فقط والله هو الذي يثيبه عليها ولا شأن للآخرين بهذه العلاقة , ولكن المفاهيم الأخرى هي صلب العملية الايمانية كما يقول النبي محمد (ص) ((إنما الدين المعاملة)) فقد أنزل الإمام علي النظرية الى الواقع، فجسد الإسلام بشكل ممارسة حياتية، ليكون حالة تعم البشر جميعاً، وحينما نستذكر هذه اللمحات اليوم، إنما نبحث عن أصول القوة لدينا ومكامن الرقي الإنساني, ومن جانب آخر تتضح لنا أسباب الانحدار الإنساني، وهو الانغلاق والتعصب والكراهية ونبذ الآخر, فالإسلام وجميع الأديان إنما هي رسالة السماء من أجل إسعاد البشرية ونشر للمحبة والسلام, فالإمام علي بن أبي طالب يعتبر أن العلاقة مع الله علاقة عمودية وليست أفقية، فهو لا يجبر الآخرين على تبني أفكاره ما دام حاكماً وصاحب السلطة, ولنا أن نراجع أنفسنا اليوم، أين نحن من أخلاق علي بن أبي طالب, ولماذا انقلب حالنا الى ماهو عليه، أسئلة تحتاج الى إجابات؟ 19/ شهر رمضان/1436 |