![]() |
|
الأمويون .. الشجرة الخبيثة (2)
موقع الإمام الشيرازي نتيجة لنقض قريش وأحلافها من بني بكر ابن عبد مناة صلح الحديبية بغارتهم على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين وقتل عدد من رجالها، خرج أبو سفيان من مكة مرعوباً يتسقط أخبار الجيش الإسلامي فالتقى في طريقه بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأخذه هذا الأخير إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليأخذ له الأمان. فلما التقى برسول الله، قال له (صلى الله عليه وآله وسلّم): "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله الا الله؟". قال: "بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك، قد كان يقع في نفسي أنه لو كان مع الله إله لأغنى عنا". فقال له (صلى الله عليه وآله وسلّم): "ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟!". قال: "بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك، أما هذه إن في نفسي منها شيئاً حتى الآن". فقال له العباس: "ويحك تشهد، وقل لا إله إلا الله محمد رسول الله قبل أن تقتل"، (كما جاء في رواية الواقدي والطبري وغيرهما). فشهد على كره منه، حينما أدرك أن الموت ينتظره لحظة بعد لحظة، وفي نفسه من نبوة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أشياء وأشياء وظلت تلك الأشياء في نفسه إلى أن مات. ومات أبو سفيان ولم يؤمن برسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، بدليل أنه بعدما انتهى هذا الحوار، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عمه العباس أن يأخذ أبا سفيان ويحبسه فوق مكان مشرف على الطريق، لينظر بأم عينه إلى كتائب جيش المسلمين، فأخذ ينظر ويسأل العباس عن اسم كل كتيبة تمر به واسم قائدها، حتى ظهرت له (الكتيبة الخضراء)، وهي كتيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فأسقط في يده، فأصابه الهلع والرعب، واشتعلت في قلبه نيران الحسد والحقد. فقال: "ما رأيت مثل هذه الكتبية قط، ولا أخبرنيه مخبر، سبحان الله ما لأحد بهؤلاء طاقة ولا يدان، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً يا أبا الفضل". فقال العباس: "ويحك إنه ليس بملك وإنما هي النبوة". وهكذا يظهر أن أبا سفيان لم يؤمن برسالة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) قط. فهل آمن بها ابنه معاوية؟! لقد توفرت الظروف لبني أمية - مرة ثانية - بعد شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمحاربة الإسلام، وذلك من خلال الإنقلاب الذي وقع في (سقيفة بني ساعدة) بعصيان بعض الصحابة لأمر الله ورسوله، واستيلائهم على مقاليد أمر المسلمين بدون حق ولا دليل. فقد قال عمر بن الخطاب: "إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها .. من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا". (صحيح البخاري، الحديث رقم 6830/ ص1302 ـ 1303، طبع بيت الأفكار الدولية/ الرياض ـ السعودية/ 1419هـ/ 1998م). ولم تمض أربعون سنة على هجرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى استولى بنو أمية على السلطة في الدولة الإسلامية حيث استمرت دولتهم 92 سنة (من سنة 40هـ إلى سنة 132هـ)، حكم خلالها أربعة عشر حاكماً. ثلاثة منهم سفيانيون نسبة إلى أبي سفيان (معاوية ويزيد ومعاوية الثاني من سنة 41هـ ـ 64هـ). وأحد عشر مروانياً أو أعياصاً نسبة إلى العاص وأبو العاص الذين بدؤوا بمروان بن الحكم بن العاص سنة 64هـ وانتهوا بمروان الحمار (أي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم) حتى سنة انهيار ملكهم على يد السلطة العباسية الصاعدة عام 132هـ. وقبل البحث في خفايا اعتقاد بني أمية برسالة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). لنا أن نتوقف قليلاً عند قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنّ رَبّكَ أَحَاطَ بِالنّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرّؤيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً). وأشارت روايات عديدة، في تفسير هذه الآية، تشير الى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) رأى في المنام بني أمية يتعاورون منبره (أي يصعدون وينزلزن) وهم على هيئة قرود ممسوخين، فحزن حزناً شديداً فنزلت هذه الآية الكريمة. وقد وردت روايات عديدة تؤكد - بوضوح - أن "الشجرة الملعونة" هم "بنو أمية" . فقد ذكر السيوطي - الدر المنثور - الجزء (4) - رقم الصفحة (191): أخرج إبن مردويه، عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن الكريم. وفي تاريخ أبي الفداء - أحداث سنة مئتين وثلاثة وثمانون: وفيها أمر بكتبة الطعن في معاوية وإبنه وأبيه وإباحة لعنهم، وكان من جملة ما كتب في ذلك، بعد الحمد لله والصلاة على نبيه وأنـه لما بعثه الله رسولاً كان أشد الناس في مخالفته بنو أمية، وأعظمهم في ذلك أبو سفيان إبن حرب وشيعته مـن بني أمية، قال الله تعالى فـي كتابه العزيـز والشجرة الملعونة، (الإسراء 60) اتفق المفسـرون أنه أراد بها بني أمية. وجاء في شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد - الجزء (9) - الصفحة (220)، حول تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن)، فإن المفسرين قالوا إنه رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، هذا لفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذى فسر لهم الآية به، فساءه ذلك، ثم قال: الشجرة الملعونة بنو أمية وبنو المغيرة، ونحو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلاً إتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً. وذكر الطبري في تاريخه - الجزء (8) - الصفحة (185): وأنزل به كتاباً قوله والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً، ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بنى أمية. وورد في المستدرك الحاكم النيسابوري - كتاب الفتن - الحديث (8481): عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إني اريت في منامي، كان بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة"، قال فما رئي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي مجمع الزوائد للهيثمي - الجزء (5) - الصفحة (243): عن أبى هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في منامه كان بني الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ، فقال ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة، قال فما رئي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي المطالب العالية - كتاب الفتوح لإبن حجر العسقلاني: حدثنا مصعب بن عبد الله، قال حدثنا إبن أبي حازم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في المنام كان بني الحكم ينزون على منبره فأصبح كالمستغيظ، وقال ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة، فما رئي ضاحكاً بعد ذلك حتى مات. وفي دلائل النبوة للبيهقي: أخبرنا أبو علي بن شاذان البغدادي بها، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن محمد أبو محمد الزرقي ، حدثنا الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رأيت في النوم بني الحكم أو بني أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة، قال فما رئي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري - كتاب الفتن والملاحم: عن أبي حمزة، قال سمعت حميد بن هلال، يحدث عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة الأسلمي، قال كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنو أمية، وبنو حنيفة، وثقيف، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وفي مسند أبي يعلى الموصلي - حديث أبي برزة الأسلمي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال حدثني حجاج بن محمد، حدثنا شعبة، عن أبي حمزة، جارهم، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة، قال كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة. وفي معجم الصحابة لإبن قانع: عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف قال كان أبغض الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أبغض الأحياء بنو أمية، وثقيف، وبنو حنيفة. وفي شاهد آخر من القرآن الكريم يقول الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَارَهُمْ). وذكر مفسرون أن معنى (توليتم) هو توليكم الحكم. والذين استولوا على الحكم في الأمة الإسلامية، وتسلطوا على الشعوب بالإنقلاب والتخويف والترغيب، فلا شورى ولا انتخات، قد عملوا "هؤلاء الطواغيت" بالظلم والتجبر والمعاصي وقطيعة أرحام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته؟ وقد نقلت كتب التاريخ أحوال وأخبار أمراء الدولة الأموية، من معاوية بن أبي سفيان إلى مروان الحمار، الذين ما ذكروا إلا وتبادرت إلى الأذهان مجالس الشراب واللهو والطرب، وسفك الدماء البريئة، واستعباد الناس، إلى غير ذلك من الأفعال القبيحة. يقول الإمام الشيرازي (قده): "إن الحكام الأمويين واحدا بعد الآخر، كانوا قد استلموا الخلافة، بل الملك والسلطنة بالتوارث لا بالموازين الشرعية، ثم أن جميعهم قد عملوا ضد الإسلام والمسلمين، بل وضد الإنسانية". وفي الجانب الآخر، اقترن اسم أهل البيت (عليهم السلام) بالتقى والورع والعبادة والزهد والنزاهة والعفاف والعدل والعلم والتقوى والعمل الصالح. ولم يتحدث التاريخ عن فعل قبيح صدر عنهم (صلوات الله عليهم)، بل كانوا رحمة للعالمين وسراج للناس على صراط الله المستقيم، وسفينة النجاة في بحور الظلمات والئلال، إنهم أئمة الناس جميعاً الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وسعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) لإدخال الإسلام في قلوب الناس عبر إظهار الحقائق والمفاهيم الإسلامية والتعاليم الربانية. فإن دخول الإسلام إلى القلب يجعل الإيمان أرسخ وأقوى من إسلام الهوايات، قال تبارك وتعالى: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـَكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم).
إسلام وإسلام يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "هناك من يسأل: هل يوجد إسلام باطل؟ نقول: نعم كإسلام بني أمية وإسلام بني العباس. والقرآن الكريم هو الذي يفرّق بين الإسلام الصحيح والإسلام الباطل، فإن (الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، فقال تعالى (هدى) بدون الألف واللام، و(بيّنات) بلا ألف ولام أيضاً، ولكن حينما ذكر القسم الثالث، نراه يقول: (الفرقان) أي ذكر القرآن وعرّفه بالفرقان، أي بالألف واللام. ومثل هذا يفيد الحصر في البلاغة. وبناء على ذلك، فإن القرآن الكريم هو هداية وبيّنات، وهو وحده الذي يفرّق بين الحق والباطل. وهو الذي يبيّن أن إسلام معاوية ويزيد والمتوكّل وأمثالهم هو إسلام على باطل". إن الإسلام ليس إسلام اللهو واللعب ومجالس الغناء والرقص والسهرات والطرب مع المخنثين والجواري التي تملأ القصور. والإسلام ليس دين القتل والتنكيل وإراقة الدماء وإحراق المدن ونهبها وسلبها. بل الإسلام دين الرحمة ودين الكرامة والعدالة والمساواة، ودين العلم والبحث عن الحقائق الكونية ومعرفتها ليزداد الإنسان قرباً من الله، وهو دين التقوى والورع والإيمان والعمل الصالح. ويقول دام ظله: يجب أن تعرف الدنيا كيف كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، اللتين استشهد من أجلهما الإمام الحسين. وهكذا سيتّبع مولانا الإمام صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي سيرة العدل والتعامل الحكيم، التي لم ترى، الدنيا المصطلح عليها اليوم بالمتقدّمة، حتى القليل منها، أبداً. وما يُرى اليوم في الغرب وفي العالم الحرّ من الناحية الاقتصادية والسياسية وماشابهها، فهو شعاع من سيرة نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، اللذين أناروا بها العالم كلّه في فترة حكومتيهما القصيرة زماناً. فلم يُقتل في حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى شخص واحد بدعوى (جرم سياسي) أبداً. ولكن قتل الكثير من الناس بهذه الدعوى في حكومة معاوية، وحكومة هارون، والمأمون، والمتوكّل. ولم يكن في حكومة نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى سجيناً سياسياً واحداً، ولكن كثر السجناء السياسيين في حكومات بني أمية وبني مروان وبني العباس والعثمانيين، وإلى يومنا هذا. إن التنظيمات التكفيرية الإرهابية التي تعيث – اليوم - خراباً وفساداً ورعباً وإرهاباً وتفجيراً وقتلاً وذبحاً، قد شوهت صورة الإسلام، وهي تبرر أعمالها الإجرامية من خلال الاستناد – في جانب من أعمالها ونهجها – الى تاريخ الأمويين. لذا، فإن هناك ضرورة في التعريف بتاريخ بني أمية، وهم الشجرة الخبيثة، الذين لا صلة لهم بالإسلام، وفي أي حال من الأحوال، لا يمثلون الإسلام أبداً، لا هم ولا الذين مهدوا لدولتهم الظالمة، وجاءوا بهم خلفاء وأمراء على المسلمين. يتبع 11/ صفر الخير/1437 |