موقع الإمام الشيرازي
هناك آيات مباركات يلمس القارئ فيها شدّة وغلظة على المنافقين، يمكن أن
يُفهم منها خطورة هذه الفئة على الإسلام وعلى حياة الناس عموماً،
وضرورة فضح أمرها وإعلان الحرب عليها، لا مجرد إعلان البغض لها
وكراهيتها، يقول الله تبارك وتعالى مخاطباً رسوله الأمين (صلى الله
عليه وآله وسلّم): ((يَأَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(73)) (التوبة).
ثم يأمر الله عز وجل النبي الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بهم، بأن يُشدّد
على المنافقين من أصحابه، فيقول عز وجل: (وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ
مّنْهُم مّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ
فَاسِقُونَ(84))(التوبة). وهذه الآية صريحة في أن المنافقين بمنزلة
الكفار، إن لم يكونوا بأشد وأسوأ.
في نار جهنم
أخبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن بعض أصحابه
سيرتدّون على أعقابهم فيكونوا من أهل النار.
عن ابن عباس: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (إنكم محشورون
حفاة عراة، وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي
أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم).
وروى هذا الحديث البخاري ومسلم، ورواه الكنجي الشافعي في كتابه (كفاية
الطالب)، وقال عنه: "هذا حديث صحيح متّفق على صحته".
فإذا كان أناس من أصحاب رسول الله يساقون إلى النار، فلابدّ للمؤمن ألا
يتبعهم ـ وإن كانوا من أصحاب النبي ـ ويجب عليه أن ببغضهم ويبرأ منهم
الى الله تعالى، لكي لا يكون معهم (في النار) ولا من أتباعهم، لأنه مما
لا ريب فيه، أن الإنسان يدخل فيما دخل فيه مقتداه وإمامه، فإذا أحببنا
مثل هؤلاء الأصحاب ـ الذين يؤخذ بهم ذات الشمال ـ واتّبعناهم واقتدينا
بهم، فهم أئمتنا يوم الحساب ومعهم نساق إلى النار، وهذا ما أشار إليه
القرآن الكريم، إذ قال عز وجل: (يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍ
بِإِمَامِهِمْ...( 71))(الإسراء) .
أحدثوا وارتدوا
هناك روايات يبين فيها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم)
أن من أصحابه من يُمنع عن حوض الكوثر يوم القيامة، وذلك لأنهم غيّروا
وأحدثوا بعده ما لم ينزله الله ولم يرضَه.
فقد ورد في كتاب (صحيح البخاري) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)
أنه قال: (أنا فرطكم على الحوض ليُرفعنّ إليّ رجال منكم، حتى إذا أهويت
لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي؟. فيقول: لا تدري ما
أحدثوا بعدك).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): (يرد عليّ يوم القيامة رهط من
أصحابي، فيُحلّؤون ـ أي يُبعدون ـ عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي؟.
فيقول: لا علم بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).
فماذا بوسع الشيعة - وسائر المسلمين- أن يفعلوا إزاء هذه النصوص التي
تصرّح بأن ثلة من الصحابة قد خالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلّم) وعصوه، فقد أحدثوا وغيّروا وارتدوا على أدبارهم، فأبعدوا عن
الحوض الذي يُسقى منه المؤمنون من أهل الجنة ((..وَمَن يَنقَلِبْ
عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً..(144))( آل عمران)، بل
يجرّ نفسه إلى عذاب أليم.
وقد اعترف بعض الأصحاب القريبين من النبي بأنهم قد أحدثوا بعد رسول
الله، وغيّروا، وجاؤوا بما خالف كتاب الله ورسوله، فروى البخاري عن
المسيب قال: (لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبي (صلى
الله عليه وآله وسلّم) وبايعته تحت الشجرة)، فقال: (يا ابن أخ، إنك لا
تدري ما أحدثنا بعده). وعن أنس بن مالك، قال: (ما أعرف شيئاً مما كان
على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)!!. قيل: الصلاة؟! قال: أليس
ضيعتم ما ضيعتم فيها؟!). وروى سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس:
ما أعرف فيكم اليوم شيئاً كنت أعهده على عهد رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)، ليس قولكم: لا إله إلا الله [يعني: إلا قولكم..].
التاريخ يكتب
ومن المآسي العظيمة التي ينقلها التاريخ، حادثة بعثة الجيش
بقيادة أسامة بن زيد، وذلك قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)
بأيام، فرغم حرص النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على تولية (أسامة)
قيادة الجيش الذي عبّأه النبي الأكرم بنفسه، وكان فيه وجوه المهاجرين
والأنصار وشيوخهم، وطلب إليهم الإسراع بالسير، حيث قال (صلى الله عليه
وآله وسلّم) لأسامة: (سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك
هذا الجيش، فاغزُ صباحاً على أهل أُبنى وحرق عليهم، وأسرع السير لتسبق
الأخبار...).
مع ذلك، فإن بعض أصحاب النبي قد تثاقلوا عن الخروج مع أسامة، وطعنوا في
أمرته وقيادته، مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي
أمّره!!
ولما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طعنهم في ولايته، غضب
(صلى الله عليه وآله وسلّم) غضباً شديداً، وخرج ـ مع مرضه وألمه ودثاره
ـ فقال: (أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟! ولئن
طعنتم في تأميري أسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله
إنه كان خليقاً بالإمارة، وان ابنه من بعده لخليق بها).
إذن، بعض الصحابة يخالفون رسول الله ويعصونه!! وقد كان في هذا الجيش
وجوه المهاجرين والأنصار وشيوخهم!. وقد لعن النبي (صلى الله عليه وآله
وسلّم) أصحابه الذين تخلفوا عن جيش أسامة. أورد الشهرستاني الشافعي في
كتابه (الملل والنحل) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: (جهزوا
جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه).
والسؤال:
هل يجوز أن نحب (أو نترضى عن أو نثني على) من لعنه النبي (صلى الله
عليه وآله وسلّم)؟!
وهل يصح أن نقتدي بمَن يخالف النبي ويعصيه ويغضبه ويطعن في قوله
واختياره؟!
ألم يصرح القرآن الكريم بأنه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً(36))(الأحزاب)؟!
أو ليس من شروط الإيمان الصادق، أن يكون المؤمن مسلّماً بما يقضي به
رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويحكم، كما أمر الله تعالى في كتابه
العزيز، حيث قال: (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ
حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً(65))(النساء)؟!.
فلا يمكن ـ بأي حال ـ أن نترضى عن جميع الصحابة، ولا يجوز ـ أبداً ـ أن
نحبهم جميعاً مع علمنا بمخالفتهم للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله
وسلّم) وسعي بعضهم لقتله. فلابد أن يكون الحب لله تعالى، وليس بدافع
تقليد الآباء والسلف الذي ذمّه القرآن الكريم: (قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ
مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ
يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(170))(البقرة).
إقرار
صرّح بعض أعلام السنة بأن بعض صحابة النبي قد غرّتهم الدنيا
وكانوا لأهوائهم تابعين، إذ ليسوا جميعاً من العدول بل فيهم المنافقون.
يقول العلامة سعد الدين التفتازاني في كتابه (شرح المقاصد): (إن ما وقع
بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات، على الوجه المسطور في كتب
التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات، يدل بظاهره على أن بعضهم، قد
حَادَ عن الطريق الحق، وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث عليه الحقد
والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسات والميل إلى اللذات
والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوماً ولا كل مَن لقى النبي (صلى الله
عليه وآله وسلّم) بالخير موسوماً).
فليس العاقل من يقول إن الحق معي لمجرد أنه وجد أباه وأهله وقومه قد
اعتقدوا بذلك، فإن ذلك يؤول إلى أن يكون جميع أهل الديانات ـ حتى
البوذيين والهندوس والمجوس وغيرهم ـ على حق!!.
وجدير بكل من يريد النجاة أن يستعيذ بالله العزيز الحكيم من الشطط،
ليحرر الخالق عز وجل عقله من أصفاد التقليد وأغلال التعصب، ليرى الحق
ويدرك الهدى، فليس في الأمر لهو ولعب، فإما نار أو جنة.
28/ صفر الأحزان/1437