في ذكرى شهادة الإمام الكاظم .. محطات أخلاقية


 

محمد أبو رغيف الموسوي

موقع الإمام الشيرازي

 

   تحل ذكرى شهادة سابع أهل بيت النبوة، وعلمٌ من أعلام الرسالة المحمدية النقية، يقول فيه أحمد بن حجر في (الصواعق) "موسى الكاظم، وارث أبيه علماً ومعرفة، وكمالاً وفضلاً، سُمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم...".

إن ذكرى شهادته (عليه السلام)، ومع اعتبارها محطة تاريخية أليمة  توجب الإحياء، إلا من المـُلزم إحياء (العِبرة) مع إحياء (العَبرة)، والالتفات إلى تلك المواقف والشواهد العظيمة التي شيدها إمامنا الكاظم (عليه السلام) في النفوس، وسيّر بها الأبدان دون اللجوء لأي مِن وسائل التعنيف والأكراه، التي كانت شائعة عِند حُكام عَصره الذين سعوا وبذلوا في سبيل تلميع صورهم وتزويق تاريخهم الأسود، إلا إن الله آبى لهم ذلك.

بستانُ المحطات الإخلاقية لإمامنا الكاظم (عليه السلام) زاهرٌ، إلا إني قد اقتطفت منه ثلاث محطاتْ قِصار، وقوعاً عِند محدودية المـَقال، لما أراه فيُهنَ من تجسيدٍ حقيقي لمفهوم (الإسلام)، الذي ما كان يوماً مفهوماً يستعان به لتبرير استباحة الدماء والأعراض، ولا مفهوماً يشرعنُ لإقامة الدكتاتوريـات واستدامة الظلم والقمع والبطش. بل هو قطعاً ذلك المفهوم الذي أخذناه عن رسولنا الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) حين قال "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ .. إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ .. اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ".

 

المحطة الأولى (مع بشر الحافي)

روي بأن جارية خرجت من دار "بشر الحافي" لترمي الأوساخ، وكان داراً معروفاً بالفسق والفجور، وحيث كانت الأصوات تعلو من الدار مرّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فوقف وقال للجارية: سيدك حرٌ أم عبد؟. قالت: بل حُر. فقال الإمام (عليه السلام) صدقت .. لو كان عبداً لله لاستحى من الله.

فرجعت الجارية وخاطبها (بشر) قائلاً: ما الذي أبطأك؟. فقالت: سيدي، أوقفني رجل عليه سيماء الصالحين، وبهاء الملوك، وأخبرته بما دار بينها وبين الإمام (عليه السلام).

فترك (بشر) داره حافياً يركض وراء الإمام الكاظم (عليه السلام) فسلم عليه، وقال: سيدي أنا (بشر) الذي طالما عصيت الباري عز وجل، سيدي أنا تائب، فنصحه الإمام (عليه السلام) فأثرت فيه النصيحة كثيراً، ليعود (بشر) إلى بيته ليصرف العاصين والفـُساق وليبدأ صفحة جديدة مع الله عز وجل عنوانها الصلاح والإحسان.

 

المحطة الثانية ( مع العُمري السبابْ )

وروي إن رجلاً عمرياً كان في المدينة يؤذي الإمام الكاظم (عليه السلام)، ويشتم علياً (عليه السلام)، فقال بعض للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): دعنا نقتله!!. فنهاهم عن ذلك الأمر أشدّ النهي، وزجرهم أشدّ الزجر، وسأل الإمام (عليه السلام) عن ذلك العُمري، فقيل له: إنه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه في مزرعته فوجده فيها، فدخل المزرعة فصاح بهِ العمري: لا تطأ زرعنا!، فاستمر (عليه السلام) في طريقه حتى وصل إليه، فنزل وجلس عنده وجعل يضاحكه، ثم قال له: كم غـُرمت (كم أنفقت) في زرعك هذا؟ قال: مائة دينار. فقال (عليه السلام): فكم ترجو أن تصيب منه (تربح منه)؟. فقال: أرجو أن يجيئني مائتا دينار. فأعطاه الإمام الكاظم (عليه السلام) ثلاثمائة دينار، وقال: هذا زرعك على حاله، فقام العمري وقبل رأس الإمام (عليه السلام)، وجعل يدعو لأبي الحسن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أينما حل، فقال الإمام لحاشيته الذين أرادوا قتل العُمري: أيهما كان خيراً، ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار.

يـُنبهُ إمامنا الكاظم (عليه السلام) إلى إن الإنسان قابل للتوبة والصلاح، حتى لو كان غاصاً إلى قمة رأسه في المعاصي، كونه حاملاً للفطرة السليمة، أو الإيمان العميق والذي يكون بعيداً في كثير من الأحيان عن قبضة الآثام، والذي (أي ذلك الإيمان) يعود للحياة، بل وقيادة ظاهر الإنسان وعموم تصرفاته، إذا ما لاقى كلمات تتناغم معه، وتنسجم مع واقعه. وتبث فيه الحياة ولو تدريجياً، وهذا هو المقصود في الكثير من مواقف الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم) في النُصح والإرشاد، فهم لا يرجون الصلاح الآني أو التَغير المُباشر في ذات المُتلقي، بل هم يسقون تلك الفطرة وذاك الإيمان ببعض من نورهم وكلمهم الطيب، ليأخذ الأمر مجراه دون  إبداء أي شكل من أشكال التطرف في الطرح أو التَعصب في المخاطبة، بدليل قول الباري عز وجل لموسى وهارون (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). فالباري عز وجل نعت فرعون بـ(الطغيان) مما يدل على كثرة آثامه ومعاصيه، ومع ذلك فقد أمر الباري موسى وآخيه هارون بـ(الذهاب) لفرعون بغية صلاحه وهدايته بـ(القول اللين)، مما يدلّ على حمله لتلك الفطرة السليمة. وفي هذا قال (عليه السلام) "علم من العلم ما جهلت. وعلم الجاهل مما علمت. عَظم العالم لعلمه، ودع منازعته. وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه"

 

المحطة الثالثة ( مع الرجل الدميم)

مَر رجلٌ من أهل السواد، دميم المنظر، فسلم عليه الإمام الكاظم (عليه السلام)، ونزل عنده وحادثه طويلاً، ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجة إن عـُرضت له. فقيل له: يا بن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأل عن حوائجه، وهو إليك أحوج؟. فقال (عليه السلام): عبد من عبيد الله، وأخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، يجمعنا وأياه خير الأباء آدم، وأفضل الأديان الإسلام، ولعل الدهر يرد من حاجتنا إليه، فيرانا بعد الزهو عليه متواضعين بين يديه، ثم قال: نواصل من لا يستحق وصالنا... مخافة أن نبقى بغير صديق

إن الإمام الكاظم (عليه السلام) وعلى الرغم من كونه خليفة لله في أرضه، لم يقدم أي تفضيل لشخصه على من سواه من الناس، بغض النظر عن مكانتهم المجتمعية أو إنسابهم القبلية، بل قدم صورة هي الأكمل في مفهوم المساواة والتعايش مع العوام، شأنه شأن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)ز

وفي هذا الأمر رسالة بليغة ودرس لا بد لنا من أن نقف عنده، في ألا نجعل من أنسابنا وأشكالنا وما لنا من مال وجاه أدوات للتعالي والتفاضل على أخوتنـا من العباد وجيراننا في البلاد، حتى وإن كان هذا التفضيل واقعاً عرفاً، إلا إنه من الواجب السعي في تقديم ما ينقض هذا العرف ويـُنهي شيوعه الخطر في أوساط مجتمعاتنا المُسلمة.

كما إن الإمام (عليه السلام) قد استمال عقول من حوله لحقيقة (دوام الحال من المُحال)، وإن كيان الفرد (المادي والمالي) مُعرّض للزوال والانحدار بل والفناء، ما إن تقتضي الحكمة الإلهية هذا الأمر، الشيء الذي يُلزم الفرد بالتواضع مع من حوله، تحسباً لوقوع الحكمة الإلهية بزوال كيانه المذكور. قال الإمام الكاظم (عليه السلام) "كن في الدنيا كساكن دار ليست له، إنما ينتظر الرحيل .. إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر".

لا نبالغُ في قولنا إن الإسلام ووجوده قائم على جملة القيم الأخلاقية التي جاء بها رسول الإنسانية محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، فمنها يستمد الإسلام حياته وسموه، وبها توسع وانتشر وتمدد، وفيها يتحدى هذا الدين قوانين (الاندثار والبلى) الفكري، فكل شيء قابل للانحدار ومن ثم الإندثار، ولكن تبقى تلك القيم والمَحطات الأخلاقية في منأؤ عن البلى.

وما أحوجنا اليوم ونحن تحت وقع حرب ثقافية وأخلاقية شرسة .. لإحياء هذه المفاهيم والقيم السامية التي أرساها إمامنا الكاظم (عليه السلام)، والعمل على الانتقال بها من واقعها التاريخي المكتوب، إلى واقع التطبيق والشيوع الملموس.

24/ رجب الأصب/1437