موقع الإمام الشيرازي
1. فصل في تاريخ
التشيع القريب:
عُرف عن الكوفة في التاريخ، أنها شيعة لـ علي (عليه السلام)،
وكانت الكوفة مصر العراق الأول، ومصره الآخر البصرة، ولا يعدم فيها
شيعة لـ علي (عليه السلام)، ولازمت صفة التشيع وعقيدته أهل العراق، حتى
بلغت حسداً لهم عند الخوارزمي في رسائله(1)، ورغم انقطاعات متكررة عن
السلطة شهدها التشيع في العراق، أزاحت مركزيته وأقصته الى هوامش النفي
وزوايا التقية، إلا أنه وبفضل تحولات دائمة تحدث في ظل تلك الانقطاعات،
وبفعل مؤثرات خارجية من أهمها حروب غزو استهدفت العراق، وهجرات لم
تتوقف في رفد أرض العراق بعناصر اجتماعية جديدة تحمل معها حدث التغيير
في هوية العراق ورسم معالم شخصيته المتكونة عبر تحولات التاريخ.
وباستقطاب يظهر واضحاً في استيعاب تلك العناصر الوافدة والمهاجرة
وامتصاص الهجرة من قبل مؤسسة داخلية أو إثنية اجتماعية أو عقيدة
مذهبية، وتوجيه صوب بنية عراقية تنزع عنه رداء عرف أو دين أو مذهب كان
يحمله. إذ يبدو أن القبائل البدوية كانت تميل بمرور الزمن الى التكيف
مع معتقدات المنطقة وممارستها(3).
وقد حاولت المؤسسة الرسمية متمثلة بولاة الأمور من المماليك والأتراك،
وفي ظل سيطرة الدولة العثمانية حتى 1917م أن تعمل على استيعاب الآثار
السلبية التي بدت واضحة بما إشاعته ظاهرة القبائل الرحل، في وسط وجنوب
العراق، من فوضى ولا استقرار يوهن مركزية الدولة، ويؤثر سلباً على
مداخيل المؤسسة المالية والتجارية بما تقوم به قبائل امتهنت الغزو وفرض
الإتاوات على حركة التجارة وانتقال الواردات وتعكير الأمن مما يؤثر
سلباً على مركزية الإدارة العثمانية، في وقت بدأت تعاني من هول صدمة
ظهور منافسة أوربية أخذت تنمو وبقوة اقتصادية وحجم في الإنتاج فرض
البحث عن مواد خام بكلفة أقل وأسواق أكثر ربحاً اشتملت عليها سعة
امتداد الدولة العثمانية، وهنا اكتملت دائرة الخطر على مصالح الدولة
الأم في استانبول، وكانت عملية التوطين واستقرار القبائل الرحل تمثل
حلا عمليا في محاولة تجاوز الخطر الماثل في اضطراب الداخل وتهديد
الخارج.
ولقد سارت هذه العملية على اتجاهين متواليين، اتجاه انطلق من روح
قتالية طبعت بها روح هذه الدولة في حملات عسكرية تهدف الى تأديب
القبائل المتمردة وفرض هيبة السلطة، واستطاعت هذه الحملات أن تفرض طاعة
الدولة من سنجار حتى الفاو(3). وبفضل والي بغداد حسن باشا أقوى الولاة
المماليك والذي تولى باشوية بغداد عام 1704م. وقد اتم اتجاهه بأسلوب
أخر يعتمد فكرة التوطين لإشاعة مفهوم الاستقرار لدى البدو الرحل بواسطة
(شق الأنهار لإسكان هذه العشائر وإنفاق أموال كثيرة على تعمير الجسور
وعلى هذا تحسنت علاقته باستانبول بإرسال واردات الى العاصمة)(4).
واستمرت هذه الحركة التوطينية في العقود اللاحقة وعلى أيدي ولاة أتراك
(فقد شقت الأنهار وحفرت القنوات مثل قناة الجحلة ونظفت قنوات قديمة
وخاصة خلال ولاية رشيد باشا 1853- 1857م)(5). وارتبطت العشائر الرحل
بالأرض وقد سعى في ذلك مدحت باشا (1869- 1872م) بتخفيض بدلات إيجار
الأرض رابطاً في ذلك العشائر إلى الأرض في وسط وجنوب العراق)(6). وهي
مناطق تشكل من حيث جغرافية المنطقة امتدادا لأرض تعتبر معاقل شيعية
خلال تاريخ طويل في العراق، مثل المنطقة المحيطة بقناة الهندية.
وقد سهل هذا امتداد التشيع ونسيجه الثقافي الى مناطق الاستقرار الحديثة
وهو نسيج يمتلك قابلية الاستجابة والنمو في وسط مديني ومستقر أكثر من
صحراوي ومتنقل (وكانت النجف وكربلاء في موقع -من امتداد جغرافي- يمكنها
من القيام بدور العصب المركزي)(7). في تحول شيعي استغرق هذه المنطقة
وأنتج هويته الخاصة به(8). وكان لانشغال ولاة بغداد في حروب داخلية
انصراف همتهم الى تحصيل الضرائب وإدارة شؤون دولة تعاني أزمات مزمنة،
أثره في عدم الالتفات الى حركة دعاة التشيع، بل حاول هؤلاء الولاة أن
يستثمروا هذا التحرك في تأسيس جبهة داخلية متماسكة أمام خطر الحركة
الوهابية عندما بدأ دعاتها يجولون في مضارب العشائر العراقية فيخطبون
فيها مشعلين نار السخط الكامن على الباشا والسلطان ومستعملين الخرافة
والمال)(9). ونشر عقيدة تدعو الى الرجوع بمراحل التاريخ الى عصر الوصي
وتهدف الى بسط زعامة شيوخ الجزيرة على غرب الفرات حسب وعيد ابن سعود
زعيمهم الى عبد العزيز بن شاوي لما زاره في فجه بقوله (لا أرض ولو
انقلبت السماء أرضاً حتى يكون لي غربيّ الفرات)(10). وقد سرت عقيدته في
ارض الجزيرة واستطارت شراً في ديار الإسلام حتى بلغت مدينة بغداد حيث
يقول ابن سند البصري (إني سمعت قوماً في بغداد ركبوا لأجلها متون
العناد... وتجاسروا على كل ولي وعالم سري)(11).
وخير ضمانة في مواجهة هذا الخطر الطامع والمتلبس بعقيدة دينية وهي مذهب
الوهابية، نابعة من طبيعة الفكر الشيعي ومذهبه في حده المتناقض معه.
وهو ما جعل السياسة العثمانية تستفيد منه في تأليب عشائر العراق ضد
أطماع وعداء عشائر الجزيرة بزعامة ابن سعود ومذهبه المبتدع. وحدث بشكل
عملي أن أوكلت مهمة القضاء على هذا المد الى شيخ ثويني الذي كان يتزعم
عشائر تشيعت حديثاً، وهي عشائر المنتفك المتشيعة كلياً في أواخر القرن
الثامن عشر الميلادي)(12). وقاد حملته التي بلغت حدود مدينة الدرعية
عاصمة العقيدة الوهابية سنة 1798م في فترة زمنية مقاربة لحدث التشيع في
قبائله. كما أن الكهية علي باشا قاد حملة أخرى ضد الوهابية، وضم جيشه
عشائر العبيد وشمر وبني تميم، وكان التشيع قد انتشر بين أفرادها قبل
القرن التاسع عشر)(13)، زمن حملة الكهية علي باشا سنة 1798م، ولعل
تحريض باشا بغداد (عمل أفغاني على قتل عبد العزيز بن سعود - سنة 1803م-
انتقاما لأبنائه المذبوحين في غزوة كربلاء)(14) يؤكد هذه النظرية.
بالإضافة الى قوة الاندفاع الديني عند الدعاة الشيعة في نشر عقيدة
المذهب وكسب الإتباع إليه.
وكان انعقاد مؤتمر النجف سنة 1743م بجهود نادر شاه الأفشاري وموافقة
احمد باشا والي بغداد وحضره أكثر من ثمانين عالماً، وأغلبهم من الشيعة،
بترشيح من نادر باشا، وحضر إليه من بغداد عبد الله السويدي، بعد تردد
واعتذار، استجابة لرغبة الوالي، ونيابة عن أهل السنة في هذا الاجتماع،
وكان يهدف الى تجاوز الاختلاف بين الطائفتين، ويطمئن نادر شاه على
تلاحم مملكته، لأنها تضم شيعة إيران وسنة بلاد الأفغان)(15). وتمخض
الاجتماع في حضرة مرقد الإمام علي (عليه السلام) عن قرارات احتوت على
خمس مواد، أهمها بالنسبة لموضوع البحث، هو قبول المذهب الجعفري من قبل
القضاة والعلماء والأفندية الكرام، وجعله خامس المذاهب)(16). وسجلت
شهادة على أهل هذه العقيدة. واستدرك اختلال هذا الاتفاق باستعار الحرب
من جديد بين نادر شاه والدولة العثمانية سنة 1745م. بعقد صلح بينهما في
عام 1743م أكدت بنوده مضمون مقررات مؤتمر النجف.
وأسهمت هذه الاتفاقيات وعهود الصلح في إشاعة أجواء مناسبة من التحرك
لنشر المذهب، وتوطيد قوته في العراق، ويبرهن عليه تزامن هذا الاتفاق مع
ازدياد مد التشيع في وسط وجنوب العراق، في أوائل ومنتصف القرن الثامن
عشر)(17). ويكون الدعاة وجدوا ظرفاً ملائماً يكفل لهم حرية الحركة
بمظلة اعتراف والي بغداد احمد باشا بشرعية المذهب الجعفري، واعتبار
الشيعة أخوة لهم، على أساس هذا الاتفاق الذي تم قبوله لأسباب سياسية
وليست دينية. وكان قدوم علي رضا باشا الى بغداد سنة 1831م، وقد عُرف
عنه اعتداله وخلوه من التعصب)(18). وله ميول قوية في حب أهل البيت
لكونه صوفياً (بكتاشي العقيدة يشترك مع الشيعة في حب اهل البيت)(19).
عاملاً مساعداً على نشاط وبروز قوة التشيع في العراق، فقد سمح بإقامة
مجالس العزاء في عاشوراء علناً بعد أن كانت تقام سراً بسبب اضطهاد
المماليك ومنعهم هذه الشعائر، وفي خطوة أولى من نوعها بالنسبة لوالِ
عثماني أوعز الى كاظم الرشتي بأن يشرح قصيدة عبد الباقي العمري في مدح
الإمام موسى بن جعفر الكاظم)(20). فضمّن ما أراد من رأي فلسفي في شرحه
لهذه القصيدة في كتاب.
وفي أجواء سياسية متسامحة، ولعلها مقتنعة، سار التشيع بخطوات ثابتة في
ربوع الوسط والجنوب. وهنا بدأت ظهور معالم مجتمع شيعي في العراق، حين
أفصح عن بعضٍ من مطالبه، أمام علي رضا باشا في إقامة شعائره وطقوسه،
وكانت تصب في تحقيق هوية شيعية امتلكت لها موقعاً راسخاً في العراق،
وجرى الولاة من بعد علي رضا باشا على سنته... ما عدا مدحت باشا...
ويقال أنه سأل اسطنبول في أمرها، فكان الجواب دعهم يفعلون ما يشاؤون)(21).
وهي بادرة اعتراف ضمنية بهذه الهوية، وتصدر من أعلى جهة رسمية في
الدولة العثمانية.
2. مرحلة جديدة في
العلاقة مع المرجعية
لازالت المؤسسة المرجعية، في هذه المرحلة من تاريخ التشيع في العراق،
تعاني من خلل ظاهر في قيادة هذا المجتمع الذي برزت معالمه وظهرت هويته
الخاصة به، يعود هذا الخلل أو عدم احتواء قيادته كليا الى تمسك العشائر
بعادات وتقاليد تعد بالنسبة إليهم شريعة تنظم حياتهم الاجتماعية
والاقتصادية، وهو ما يعرف عندهم بـ(السنينة)، وهذا ما يبعدهم عن
الاستعانة بمشورة الفقهاء في شؤون حياتهم ومراجعة علماء الدين في ما
يعترضهم من أمور. وانكفأوا على قيم العشيرة وانعكس هذا الولاء في
أهازيج تنطق بانتماء أعلى لهذا المفهوم، ومن الأمور ذات المغزى (أنه
عندما كانت العشائر تنهض حشدا في المناسبات كانت لأهازيجها في العادة
شعارات علمانية -عشائرية كانت ام عربية-)(22).
ولقد ذكرهم ناظم باشا بفتوى العلماء في تحريم الغزو دون استجابة تذكر
منهم(23). وعليه لم يكن شعور أبناء العشائر تجاه الإسلام بكثافة الولاء
الملاحظ في مناطق المدن واندفاع أبنائها (بصورة طبيعية أكثر، وراء
صيحات الدين، وكان أحد الشعارات الأكثر شيوعاً بين عامة بغداد الدين..
يا محمد)(24). ويتجلى من خلال هذه المظاهر حضور قوي للدين في المدن،
وقد انعكس على علاقة شيعة المدن بمرجعية العلماء والفقهاء في كربلاء،
ومن ثم في النجف، فقد شيعت بغداد كلها السيد مهدي الحيدري، عند خروجه
لحرب الجهاد سنة 1914م. ومن قبل خرجت الكاظمية كلها في استقبال الشيخ
مرتضى الأنصاري حين قدومه إليها من النجف الأشرف.
ودخلت هذه العلاقة في مرحلة جديدة، بعد ثبات الفرقة الأصولية في تبوأ
مناصب المرجعية في بدايات القرن التاسع عشر، وظهور مسألة التقليد التي
لم تراعى عند الإخباريين حيث (أصبح نظام الاجتهاد الشيعي يحتم على كل
فرد أن يقلد في أحكامه الشرعية أحد المجتهدين.. وصار الناس في المجتمع
الشيعي يرجعون الى المجتهدين في مختلف أمورهم الدينية والدنيوية)(25).
ونصب السيد محمد مهدي بحر العلوم سنة 1800م الشيخ جواد الفتوني للفتوى
والتقليد بشكل شرعي ونصب شيخاً آخر للقضاء في الخصومات (واستغنت به
الشيعة عن النظام القضائي في الدولة العثمانية بحيث أدى الى عدم مراجعة
الشيعة للمحاكم... وكانوا يأخذون دعاواهم الى رؤسائهم الدينيين)(26).
وبلغت هذه التنظيمات ذروة أهميتها في تنظيم العلاقة بين المؤسسة
المرجعية وشيعة العراق، وتوثيق عرى هذه العلاقة، حيث يؤثر عن الشيخ عبد
الكريم الجزائري علاقته الوثيقة بشيوخ عشائر الجنوب، حتى استعان علماء
النجف وزعماء حرب الجهاد بوجاهته لدى العشائر في التحريض على حرب
الإنكليز، وكانت النجف، وبفضل جهود الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء
وإنجازاته في تمصير النجف، قد أصبحت عاصمة التشيع في العالم الإسلامي
وموقع قيادته ومراجعه، (وكانت الحكومة العثمانية قبل دستور 1908م تعترف
بأن المدينة المقدسة تختلف اختلافاً بيناً عن سائر ممتلكاتها، ولذلك
فقد منحتها بعض الامتيازات)(27).
وكانت بها تتميز وتتبلور الصورة الاجتماعية للجماعة الشيعية، وتبسيط
ثقافة روحية تتبنى أبوية العلماء للأمة، وتتفرع على قول الرسول (أنا
وعلي أبوا هذه الأمة)، والعلماء ورثة الأنبياء ووكلاء الأوصياء (في
الثقافة الشيعية)، وفي ظل هذه التطورات نمت العلاقة بالمجتمع العشائري،
وتطورت الى الحد الذي صار فيه شيخ العشيرة مسؤولاً أمام المرجع الديني
ويحتكم الى السلطة ويخشى سطوة الفتوى، كما حدث مع رجل العشيرة المعروف
علي الصويح في حضوره أمام الشيخ جعفر الكبير، لتبرئة نفسه من ذنب، صدرت
بحقه فتوى بإباحة دمه من قبل الشيخ نفسه، وتأكيداً لهذا الانتماء وقوة
الارتباط قبل شيوخ العشائر الشيعية أنامل العلماء ولثموا أطراف
عباءاتهم بدافع إحساس الأبوية الروحية، وترجمة لمشاعر الولاء للمذهب
وعقيدته، وهو ما ظهر واضحاً وجلياً في رسائل متبادلة بين المرجعية
الدينية وشيوخ العشائر، في حرب الجهاد التي دعا لها علماء النجف،
واستجاب لها بحرارة أبناء العشائر(28). وكانت بداية انخراط الشيعة في
الحدث السياسي وتكوين هويتهم السياسية والوطنية.
3. المؤسسة
المرجعية وبناء الوطنية العراقية
اشتغلت المرجعية الشيعية بالقضية العراقية، ومنحت شأن العراق مركزية
الاهتمام في دائرة العمل المرجعي، وصارت حلقة وصل، وتحول الى انتماء
وطني يمر عبر علاقة التشيع ومركزية المرجعية فيه، بعد أن تبنت مطالب
الوطنية العراقية بتأثير دعوات الحركة الإصلاحية والسياسية الناشئة في
البلاد العربية. وكان خطاب الوطنية العراقية في طرح المؤسسة المرجعية
متأثراً الى حد كبير بمبادئ الإصلاح في حركة جمال الدين الأفغاني.
لاسيما وأنه مكث في النجف بضع عشر سنة، بعد أن قدم إليها وقد بلغ
الثانية عشرة من عمره (أي سنة 1850م)، طلباً للدرس والتحصيل الفقهي،
وكانت النجف آنذاك في أوج نهضة علمية وأصولية (حيث ازدهرت فيها
الدراسات الفلسفية والكلامية والأصولية وقد عاش الأفغاني في هذا الجو
الفكري وتشبع ذهنه)(29). وقد أحدثت أفكاره جدلاً في النجف بعد عودته
إليها من الهند، ودراسة علم الأديان، وتأثر بها فريق من الناس(30).
وغادر العراق ليعود إليه، بعد أن برز اسمه وظهرت حركته الإصلاحية وباشر
اتصاله بعلماء وفقهاء العراق من الشيعة، رغم طلب الحكومة الإيرانية من
والي بغداد سري باشا أن يمنع الأفغاني من الذهاب الى العتبات المقدسة،
لكي لا يتصل بعلماء الشيعة(31). ولكنه استطاع أن يجتمع بالسيد محمد
سعيد الحبوبي، وهو أحد فقهاء الشيعة وزعماء الجهاد ضد الغزو البريطاني،
وكان من أصدقاء الدرس ورفقاء العلم سابقاً، كذلك زار سامراء وقابل
الميرزا محمد حسن الشيرازي، وبتأثير منه أصدر فتواه الشهيرة في تحريم
التنباك، وهي جزء من نضال تحرري. وكان شاعر الوطنية العراقية عبد
المحسن الكاظمي متأثراً بأفكار الأفغاني، إذ كانت داره ملاصقة للدار
التي نزل فيها الأفغاني(32) عندما غادر بلاد المسلمين الى لندن كانت
جريدة (القانون) ترسل الى العراق، وكان لها قراءها والمتأثرون بها
فيه(33).
ويعتقد الأستاذ حسن العلوي أن آراء مدرسة الأفغاني الإصلاحية وأفكاره
التنويرية، كان قد استلهمها أساساً من دراسته بالنجف أواسط القرن
التاسع عشر، وتلمذته على فقهاء متنورين، قادة التيار الأصولي العقلاني
الذي انتصر على فريق سلفي يمثله الإخباريون(34). وقد تطورت هذه المدرسة
وعملت على إرساء قواعد الحركة الدستورية ضد الاستبداد العثماني
والإيراني، وظهرت بوضوح في آراء عبد الرحمن الكواكبي في نظام الحكم،
ورفضه لمنطق الاستعباد وإدانته لسياسة الاستبداد.
اكتملت صورة هذا الفكر السياسي وتنظيره الفقهي في النجف على يد الشيخ
محمد حسين النائيني، في كتابه المعروف (تنزيه الملة)، وبفضل آراء
الأستاذ الحكيم الذي أشار إليه النائيني كثيراً واعتمده في مصادر
نظريته، دون أن يصرح باسم هؤلاء، بعد أن يكون المصلح الكبير الكواكبي،
ويعكس هذا فهم الشيخ النائيني واصل تصوره لقضية الدستورية، وما تعارف
عليه باسم (المشروطية) على ضوء مفاهيم ومبادئ فكر إسلامي – عربي، قد
نضجت آراؤه، واستوفت شروط التأصيل في ظل مدرسة عراقية أصولية.
بينما يذهب الأستاذ حسن العلوي الى أن (المؤسسة الشيعية في العراق كانت
الشريان المغذي لمنظومة الاتجاهات السياسية لمدرسة جمال الدين الأفغاني
ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي)(35). ويرى أن فكرة الجامعة العربية
الإسلامية هي مما رشح عن هذه المؤسسة، ويستدل على ذلك برسالة المرجع
الشيرازي الى الأمير فيصل نجل الشريف حسين، بقوله أبدأ الدعاء لكم
بدوام عزكم... نبدي لكم إننا ما زلنا نسمع أنباء عظيمة في سبيل إحياء
الجامعة العربية التي هي عنوان المجد الإسلامي(36). ولعل المرجعية في
النجف تأثرت بفكرة الجامعة العربية التي روجت لها كثيراً الحركة
الإصلاحية بزعامة جمال الدين الأفغاني، وكانت هذه المحاولات هي الحلقات
الأولى لبناء الوطنية العراقية، وأساس الحراك الوطني الذي شهده العراق
في العقد الثاني من القرن العشرين(37).
وبمؤازرة من المؤسسة المرجعية، تنامت المطالب الوطنية باستقلال العراق،
وتأسيس حكومة تحظى برضا أهل العراق في نداءات وخطابات رجال الدين من
الشيعة وزعماء العشائر العربية في منطقة الفرات الوسط وبغداد، فقد أصدر
المرجع محمد تقي الحائري الشيرازي، بعد استفتاء وصل إليه من أهالي
كربلاء، حول جواز انتخاب غير المسلم للولاية والسلطنة على المسلمين
فتوى اوجب فيها (ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم
للأمارة والسلطنة على المسلمين(38).
وقد ظهرت بوادر الوطنية العراقية التي تنم عن سابقة في التكوين الفكري
والأدبي لرجال العراق، في جملة من الوثائق والرسائل وردود الفعل التي
صدرت عن هؤلاء الرجال وفي مناسبات مختلفة. أعرب أولئك الزعماء عن
آرائهم وبكل صراحة متناهية في الاستفتاء الذي أمرت به وزارة الهند
البريطانية بتاريخ 30/11/1918 بطريقة أسئلة ثلاث تطرح على السكان
المحليين ومعرفة وجهة نظرهم في الإجابة حول الأمور المعنية كما يلي:
1- هل يرغبون في دولة عربية واحدة، تحت الوصاية البريطانية، تمتد من
الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج؟
2- هل يرغبون في هذه الحالة في رئيس عربي بالاسم يرأس هذه الدولة
الجديدة؟
3- من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة(39).
في اجتماع ضمهم مع (ويلسن نائب الحاكم الملكي العام)، يسأل الحاج عبد
المحسن شلاش عن أسباب هذا الاستفتاء، وهل هناك عوامل تستدعيه، وهو
تساؤل يستبطن عناصر رؤية وطنية تحرص على مصلحة العراق، وتدعوه الى
التساؤل عن أسباب الاستفتاء ودواعيه، ورد الشيخ عبد الواحد آل سكر
وبحزم على أحد مؤيدي الاحتلال بقوله بل نريد حكومة عربية وطنية.
يحمل هذا الحوار في صميمه رأياً أنضجته السنين، وتعاهدته ثقافة وطنية
أخذت على ما يبدو ومن خلال نص الحوار هذا تنتشر في العراق، منذ زمن ليس
بالقصير، وترسيخ في شعور زعمائه وقادة الرأي فيه، قد ظهر ذلك جلياً في
موقف الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي أعلن في هذا الاجتماع، أنه من حق
العراقيين تأليف حكومة وطنية مستقلة، وأنه ليس بينهم من يفكر في حاكم
أجنبي، وهو شاهد على انتشار هذا الشعور الوطني بين العراقيين في زمنه.
ثم إن طبيعة مطلبه في تأليف الحكومة، وإسناد هذا الحق الى الشعب، تكشف
عن تصور ديمقراطي لنظام الحكم، باعتبار الشعب مصدر السلطات وشرعية
الحكم ممنوحة من قبل الشعب، وتأكيداً على وطنية هذه الحكومة يرفض وبشدة
مجرد التفكير بحاكم أجنبي ناهيك عن القبول به عملياً، ونص هذا الحوار
الذي ينقله عبد الرزاق الحسني في كتابه (تاريخ العراق السياسي)
بالإضافة الى نصوص أخرى، في هذا السياق يمتلك ثراء في تحليل بنيته
وقراءة مضامينه بعد تأمل عناصر تكوينه ومفردات خطابه، حيث يكشف عن خطاب
واع بمفهوم الوطنية ورؤية واضحة في أطروحته السياسية ومبادئ عمله
السياسي والوطني.
وعلى طريق الثقافة ذات النزعة المركزية الأوربية تحاول المس بيل إغماط
الوطنية العراقية ومبادرة الشعوب الى الحرية والاستقلال وبناء الهوية
الوطنية الخاصة وتنسب ظهور المد الوطني- التحرري في العراق الى (نشر
الجرائد العراقية الرسمية يوم 11 تشرين الأول عام 1919م بنود الرئيس
(ولسن) الأربعة عشر ... وبعد أن نشر في 8 تشرين الثاني التصريح
الانكليزي الفرنسي، الذي يعلن عن أن الحكومتين تنويان أن تؤسس للأقوام
التي ظلت خاضعة للجور التركي، حكومات وإدارات وطنية حرة، تنتخب بحسب
رغائب الأمة)(40). وهو ما أدى الى ظهور اتجاه جديد في تفكير سكان هذه
البلاد، بحسب رأي (المس بيل)، وتعتبره بداية الشعور الوطني في العراق،
وقد أعدت فصلاً بهذا العنوان في كتاب لها، وتصف هذا الشعور بصورة أطماع
سياسية تكونت بعد مرور أسبوع واحد على البلاغ الانكليزي – الفرنسي،
وأصبحت على درجة كبيرة من التطور في كل جهات العراق(41).
لكن مطالب ونداءات الزعماء العراقيين من علماء دين ورجال قبائل وطبقات
الأفندية، تكشف عن جذور في الخطاب الوطني يعود الى مرحلة أسبق زمنياً
من حدود بيان (ويلسن)، وبلاغ دولة الحلفاء في الحرية والاستقلال وحق
الشعوب في تقرير المصير. ورغم أن الدكتور على الوردي يتفق مع المس بيل
في تبرير أحداث ثورة العشرين والمطالب الوطنية العراقية، فضلاً عن
أسباب أخرى يضع الأغلب منها في إطار نظريته المعروفة في الصراع بين
البداوة والحضارة، إلا أن أدبيات خطاب الوطنية العراقية في هذه المرحلة
سواء في نصوصه آو وثائقه ومراسلاته(42) وحماسة شعره يعبر عن وعي
بالوطنية وليس وليد هذه التبريرات. وإن كانت تشكل عوامل ضاغطة ومهمة في
صنع الحدث في ثورة العشرين.
وإذا كانت جرائد السلطة الرسمية تنشر بيان ويلسن، وبلاغ الدولتين
الحليفتين بريطانيا وفرنسا، بحسب ما كتبت المس بيل، فنحن نقرأ نصاً
للدكتور علي الوردي، يقول فيه: (لم يكن في العراق آنذاك سوى بعض
الجرائد التي تصدرها السلطة، ولهذا كان العراقيون لا يميلون الى
قراءتها، بل يميلون الى قراءة جريدة العقاب ... لاسيما في منطقة الفرات
الأوسط حيث يقوم الملاّ) - وهو عالم أو رجل دين، ويعبر عنه د. الوردي
بـ(الملاّ)- بقراءة الجريدة فيصغي اليه الحاضرون ويعلقون عليها)(43).
إن تداول مناطق العراق، ولاسيما مناطق الشيعة منها، أخبار الوطنية
وحماسهم للقضية العربية، وبهذا الحجم الذي تحدث عنه الدكتور محمد مهدي
البصير، حيث يقول: (إن أخبار سعد زغلول والشعب المصري من جهة، وأخبار
الملك حسين وأنجاله في الحجاز وسوريا من جهة أخرى، كانت حديث الخاص
والعام في العراق، وما خلا منها مجلس من ذكرها(44). يشجع على القول أن
بدايات الشعور الوطني، وتنامي الدعوات الوطنية، ظهرت منذ مدة من الزمن،
كفلت لها سعة الانتشار وقوة الإقناع والعمل في الدعوة والترويج لها،
وبزخم ديني مصدره المؤسسة المرجعية التي سعت في بناء وطنية تقترن
بالإسلام والعروبة، وكان برنامج هذه المؤسسة السياسي (كأنه مشروعات
جبهوية بطابع وطني تحرري عربي إسلامي دستوري نيابي في وقت واحد(45).
مما جعله يساهم في تأسيس صرح الوطنية العراقية، ويقيم بناء الوطنية على
أسس من الهوية العربية والإسلامية، عندما تبنى مطالب زعماء العراق (أن
يكون للعراق الممتدة حدوده من شمالي الموصل الى خليج البصرة، حكومة
عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم، هو أحد أنجال الملك حسين، على أن
يكون مقيداً بمجلس تشريعي).
الهوامش:
1. بطاطو، حنا، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية
ص59، ج1.
2. م. ن، ص61.
3. لونكريك، ستيفن، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص158.
4. م. ن، ص158.
5. النقاش، إسحق، شيعة العراق، ص45.
6. م. ن، ص45.
7. م. ن، ص24.
8. ولغرض التدليل على عمق التشيع ورسوخه منذ عصور إسلامية متقدمة،
يستدل الأستاذ رشيد خيون على بطلان مقولة المؤرخ العراقي إبراهيم صبغة
الله الحيدري (ت 1882م) بظهور عدد من الإمارات والكيانات الشيعية مثل
إمارة عمر بن شاهين في أهوار جنوبي العراق (388هـ) وكذلك ظهور حركة
شيعية أخرى بواسط والأهوار ممتدة إلى الأهواز وعرف صاحبها بالمشعشع،
سنة (827هـ) ويستشهد ببيت من الشعر على تشيع أهل الأهوار في زمن الناصر
لدين الله، (ت622هـ) ورد على لسان مزيد الخشكري:
فكأنما الهور الطفوف وأهله
شهداء وابن معية ابن زياد
ويستدل أيضاً بتشيع بني أسد في عمق الهور والحلة حيث إمارتهم الشيعية
المزيدية ـ [الأديان والمذاهب في العراق، ص274-277]. وإلى هذا الرأي
يذهب حنا بطاطو في كتابه [العراق، ص61، ج1].
9. لونكريك، ستيفن، م. س، ص256.
10. البصري عثمان بن سند، مطالع السعود، ص238.
11. م. ن، ص198.
12. النقاش، إسحق، ص39.
13. م. ن، ص39.
14. لونكركيك، م، س، ص276.
15. الوردي، د. علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، ص79، ج1.
16. م.ن، ج1، ص133.
17. النقاش، م. س، ص39.
18. لونكريك، م. س، ص339.
19، الوردي، م.س، ج2، ص109.
20. م. ن، ج1، ص108.
21. م. ن، ج2، ص120.
22. بطاطو م. س، ص32.
23. الوردي، م.س، ج3، ص198.
24. بطاطو، م. س، ص32.
25. الوردي، م. س، ج3، ص90-91.
26. مس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ص48.
27. م.ن، ص92.
28. مجلة آفاق عربية
مركز الإمام الشيرازي للدراسات
والبحوث
8/ صفر الخير/1438