![]() |
|
من التاريخ المغيَّب (2)
موقع الإمام الشيرازي
إن لدراسة التاريخ أهمية بالغة في تحقيق التغيير وبناء النهضة، وتبيين لمقومات الدول والحضارات، وأسباب نجاحاتها واندثارها، فإن التاريخ ليس فقط، جزء من الماضي، وسرداً لوقائعه وحوادثه، وسير رجالاته الماضين، بل للتاريخ دوره في إنتاج القيم، وصناعة المفاهيم، وبلورة القناعات، وتشكيل الحاضر، ورسم المستقبل. وما نراه اليوم، من ذبح ونحر بالسيوف، وقطع رؤوس بالمناشير الكهربائية، وإلقاء الناس من فوق بنايات عالية، وإحراق أحياء، وأكل لقلوب وتمزيق أشلاء، وسبي وانتهاك أعراض وهدر كرامات، ونبش قبور، وسحل جثث وتمثيل، وسلب ونهب للأموال العامة والخاصة، وتخريب للبلاد، وأجساد متفجرة، وسيارات مفخخة، وطمس للقيم، وتشويه للحياة، وإفناء للإنسان. هذا الموت تنشره عصابات مجرمة في الشوارع والأسواق، والمدارس والجامعات، والحدائق والمستشفيات، وفي المساجد والحسينيات والكنائس والمعابد، والمراقد المقدسة والمقامات المشرفة، والأماكن العامة. وجل هذا العنف الدموي الذي حدث ويحدث، ومنذ سنوات، وقع خصوصاً على الشيعة في كل مكان من العالم، وكل ذلك العنف تنفذه تنظيمات تدعي أنها تؤمن بالقرآن والسنة، وأنها "سنية" تقدس الصحابة وتتبع آثارهم، والصحابة عندهم كالنجوم بأيهم اقتدوا فقد اهتدوا، وبالتالي هم يستندون فيما يقومون به من أعمال إرهابية على الصحابة بأنهم عدول ويمثلون الإسلام، فهل فعلاً الصحابة جميعاً يمثلون الإسلام؟!
(2) يقول الله (عز وجل): (يَآ أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ* وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(الأنفال/16). الآية الكريمة تحذر – بوضوح – المؤمنين من الفرار من الزحف. والسؤال: هل الصحابة أطاعوا الله ورسوله بما أمرت به هذه الآية الكريمة؟ وأهمية السؤال تأتي من أن إيمان بعض المسلمين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحابة جميعاً، رغم أن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كباقي الناس، لم يرد دليل على عصمتهم، ولم يشهد تاريخهم بذلك أبداً، بل لم يدّع أحد عصمتهم، وبالتالي، فإن الخطأ متوقع أن يصدر منهم. كما أن (صحيح البخاري)، ومعه (صحيح مسلم) تضمنا عدة أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتحدث عن انحراف أو انقلاب أو ارتداد بعض أو كثير من الصحابة، منها قوله (صلى الله عليه وآله): (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً، سُحْقاً، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي). وفي حديثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله): (وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ، لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ). وجاء في (صحيح البخاري) حديث عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله): (بينا أنا قائم، إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين، قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين، قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم). لذلك، فإن هذا "الالتباس" في نظرة بعض المسلمين للصحابة، يتطلب دراسة دقيقة لتاريخ أولئك الصحابة، لضرورة تقييمهم على أساس التزامهم بنهج رسول الله (صلى الله عليه وآله).
معركة الخندق لا يختلف اثنان من الباحثين والدارسين للتاريخ، على أن الصحابة ضعفوا عن مبارزة عمرو بن ود العامري، ولولا أن هيأ الله أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب (عليه السلام) لمبارزة فارس المشركين وقتله، لكان قد تغير وجه التاريخ. فلما برز الإمام علي (عليه السلام) إلى عمرو بن ود العامري، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (برز الإيمان كله إلى الشرك كله). وهذا دليل على أن هذه (المبارزة - المعركة) كانت حاسمة على المستوى الاستراتيجي، وسيترتب على نتائجها مستقبل الطرفين. وفي الحقيقة أن رسول الله الذي قال فيه الله تعالى (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ(3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ(4)(سورة النجم)، حينما يصف علياً بـ(برز الإيمان كله)، هذه الكلمة النبوية - الإلهية لوحدها تكفي علياً سمواً ورفعة ومقاماً لا يبلغه أحد، بل لا يبلغه أي أحد، وهي كلمة فريدة واستثنائية لم يقلها أشرف الكائنات وسيد الرسل وخاتم الأنبياء بحق أحد غير علي بن أبي طالب، وهي كلمة تستحق أن يقف عندها كثيراً كل من يبحث عن الحقيقة، حقيقة علي، وحقيقة غيره. لقد حدّث المؤرخون، أن المسلمين كانوا يرتعدون من الخوف، لما دعاهم عمرو إلى المبارزة، بعد اجتيازه الخندق هو وحفنة من أمثاله، ولم يستطع أحد من المسلمين أن يرد عليه، ولما سمعه علي (عليه السلام) يدعوه إلى المبارزة، ترك مكانه وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال له: (أنا يا رسول الله)، فقال النبي: (اجلس إنه عمرو بن ود). وكرّر عمرو النداء، فلم يتحرك له أحد من المسلمين غير علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والنبي (صلى الله عليه وآله) يأمره بالجلوس، ولما رأى عمرو أن لا أحد يجيبه، جعل يتحداهم ويقول: (أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، أفلا يبرز إلي أحد). وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يصوّب نظره يميناً وشمالاً يدعو المسلمين إلى مبارزته، فلم يستجب أحد، فقام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: (أنا له يا رسول الله)، والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له: (اجلس إنه عمرو)، فقال علي (عليه السلام): (وإنْ كان)، فأذن له، وألبسه درعه، وعممه بعمامته، وقال كما جاء في بعض الروايات: (اللهم إنك قد أخذت مني عبيدة (بن الحارث) يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وهذا علي أخي وابن عمي، فلا تذرني فرداً، وأنت خير الوارثين). فبرز بطل الإسلام ومغوار الإيمان علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحصلت المبارزة، ونصر الله تعالى علياً على خصمه، فكبّر تكبيرات، علم المسلمون أن علياً قتل خصمه، فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله) وكبّروا معه، وأقبل علي (عليه السلام) نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووجهه يتهلهل، فقال له عمر بن الخطاب: (هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع مثلها)، فقال علي (عليه السلام): (إني استحييت أن أكشف سوءته). ويذكر ابن أبي الحديد المعتزلي، أن مبارزة علي لعمرو بن ود العامري يوم الخندق، أعظم من أن يقال عنها عظيمة، وأجل من أن يقال عنها جليلة، وما هي إلا كما قال أبو الهذيل، وقد سأله سائل: (أيما أعظم عند الله منزلة علي أم أبو بكر)، فقال: (يا بن أخي، والله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق، تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربي عليها، فضلاً عن أبي بكر وحده)( مائة منقبة لابن شاذان: المنقبة السابعة والأربعون، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 151). وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود العامري يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة). وقال أبو بكر بن عيّاش: لقد ضَرب علّي بن أبي طالب ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها، ضربته عمراً يوم الخندق. ولقد ضُرب علّي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها ـ يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله)(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج19 ص61، بحار الأنوار ج39 ص3ح1). وجاء في شرح نهج البلاغة، أيضاً، عن قيس بن الربيع، بسنده إلى ربيعة بن مالك السعدي، أنه قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت: (يا أبا عبد الله أن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟)، فقال: (يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي؟ وما الذي أحدثك عنه؟ والذي نفس حذيفة بيده، لو وضعت أعمال أمة محمد في كفة الميزان، منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى، لرجح على أعمالهم كلها). قال ربيعة: (هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، وإني لأظنه إسرافاً يا أبا عبد الله)، فقال حذيفة: (يا لكع وكيف لا يحمل، وأين كان المسلمون يوم الخندق، وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه، فملكهم الهلع والجزع، ودعاهم إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه علي فقتله، والذي نفس حذيفة بيده، لعمله ذلك أعظم أجراً من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم، وإلى أن تقوم الساعة). يتبع 28/ ربيع الأول/1438 |